لقاء فكري يناقش التجربة اليابانية وعوامل نهضة الشعوب

2016 07 13
2016 07 14

f4عمّان – صراحة نيوز – نظم منتدى الفكر العربي ضمن سلسلة لقاءاته الفكرية، مساء الأربعاء 13/7/2016، لقاءً بعنوان “اليابان … تجربة شعب، وتجربة دبلوماسي عربي”. وجاء هذا اللقاء بمناسبة صدور الطبعة اليابانية من كتاب “وتبقى أشجار الكرز تزهر في قلبي دوماً”، الذي سجل فيه السفير الأردني السابق في اليابان سمير الناعوري خلاصة تجاربه في العمل الدبلوماسي وفي معايشة التجربة اليابانية بمختلف مناحيها. وشارك في عرض مضمون هذا الكتاب والتعقيب عليه د. فيصل غرايبة عضو المنتدى، وأدار اللقاء د. محمد أبو حمور الأمين العام للمنتدى، بحضور السيد ماسايوكي ماغوشي نائب السفير الياباني في عمان الذي ألقى كلمة قصيرة بالمناسبة، والسيد يوتاو ناتانو رئيس القسم الثقافي في السفارة اليابانية، وجمهور من الدبلوماسيين العرب والأجانب، فضلاً عن شخصيات ثقافية وأكاديمية وإعلامية من الأردن وعدد من الدول العربية.

افتتح اللقاء د. محمد أبو حموربكلمة قال فيها إن مناسبة صدور الطبعة اليابانية من كتاب السيرة الذاتية للسفير الناعوري، هي مناسبة أيضاً لتجديد الحديث عن التجربة اليابانية الحديثة في الحضارة والتقدم، والجمع بين التفوّق في المعاصرة، والتعامل مع تحديات وتأثيرات العصر الجديد، وفي نفس الوقت المحافظة على مكوّنات الأصالة وقيم العمل والأخلاق، التي أصبحت التجربة اليابانية من خلالها مثالاً رائعاً في الانسجام بين التراث ومتطلبات النهوض. وأضاف أن معايشة الناعوري للشعب الياباني الصديق منذ 1974-1978 وبعد ذلك في الفترة من 2000-2008 عندما أصبح سفيراً للأردن في طوكيو، مكنته بحكم حسه الثقافي وعمله الدبلوماسي أن يتعرف إلى تفاصيل نجاح هذا الشعب، وأن يجد كثيراً من نقاط الالتقاء والاستفادة من المشتركات والاختلافات بين حضارتين عريقتين، ينتمي هو أصلاً لإحداها وهي الثقافة العربية، وثقافة شرقية نموذجية تمثلها حضارة اليابان.

وركز د. أبو حمور على ما جاء في الكتاب حول أوجه التشابه بين اليابان والأردن، مع اختلاف الحجم، والتي تتمثل بالافتقار إلى الموارد الطبيعية، والاعتماد على الثروة البشرية، وهناك التاريخ العريق الذي ينتمي إليه كلا البلدين، وكذلك التعاون بينهما في المجالات الاقتصادية والسياحية والتجارية.

واضاف د. أبو حمور إن الأردن واليابان احتفلا قبل عامين (2014) بمرور 40 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وهي علاقات غنية ونموذجية على مستوى قيادتي البلدين، وفي مجالات التعاون المختلفة. فاليابان تعتبر من أهم الجهات الرئيسية المانحة للأردن، سواء في مجال المساعدات المالية من منح وقروض ميسرة (بلغت بمجموعها بين 1999- 2015 حوالي مليار دولار)، أو في مجال المساعدات الفنية المقدمة من خلال الوكالة اليابانية (جايكا) بشكل تدريب الكوادر الأردنية في اليابان، وتزويد المؤسسات الأردنية بالخبراء والمتطوعين، ومساعدات تحسين خدمات المياه والتعليم والصحة وغيرها في الأردن. وأشار إلى أن لليابان اهتماماً خاصاً بالأردن، ولا سيما في مجال الاستثمار ورغبة رجال الأعمال اليابانيين بإيجاد فرص استثمارية حقيقية في الأردن، فضلاً عن الاهتمام والمساندة من المؤسسات اليابانية المعنية بالتعاون الخارجي لجهود الإصلاح والبرامج التنموية المختلفة في الأردن، وتطوير العلاقات الثقافية والاجتماعية بين الشعبين الصديقين، ودعم الاقتصاد الأردني.

وأعرب د. أبو حمور عن التقدير الكبير لدور اليابان الداعم للقضايا العربية في المجتمع الدولي، كما أشار إلى تقدير اليابان لدور الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني في العمل الإقليمي والدولي، وفيما يتعلق بتخفيف أعباء الأردن نتيجة استضافة اللاجئين السوريين، ودعم جهود الأردن في محاربة التطرف والإرهاب، وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة؛ مؤكداً استمرار منتدى الفكر العربي في إدامة التواصل والعلاقات الثقافية والعلمية مع أصدقائنا اليابانيين، وفتح آفاق جديدة في العلاقات العربية اليابانية سيراً على النهج الذي بادر به رئيس هذا المنتدى سمو الأمير الحسن بن طلال، عندما أطلق الحوار العربي الياباني في عدة مؤتمرات منذ أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات.

من جهته أوضح سمير الناعوري أن هدفه من وضع الكتاب لم يكن كتابة سيرته الذاتية عبر عمله الدبلوماسي في اليابان، وإنما التحدث عن تجربة في بلد عريق بحضارته واعتزازه بهذه الحضارة وبتجاربه الإنسانية، وهي تجربة تغني العمل الدبلوماسي لمن يأتي من حضارة وثقافة أخرى، كما أنها تساعد على التعلم من التجارب والأخطاء التي ربما يقع فيها الدبلوماسي وهو يحاول تعلم السبل الملائمة للتعامل مع الشعوب الأخرى، وخاصة أن على الدبلوماسي أولاً وقبل كل شيء أن يكون منفتحاً لتعلم مضمون الحضارات والثقافات الأخرى، التي تختلف عن حضارتنا التي نشأنا عليها، لأن ذلك ما يكفل له الدخول إلى قلوب أبناء هذه الثقافات المختلفة، وبالتالي النجاح في عمله وجعل الآخرين يفهمون حضارتنا وبلدنا بصورة أفضل.

وقال الناعوري: كان الهدف الأساس أن أنقل من خلال تجربتي الطويلة في اليابان، تجربة الشعب الياباني المثيرة للإعجاب من كل النواحي الخلقية والعلمية والحياتية والاقتصادية، وغيرها، وأن أنقل ذلك كله إلى أبناء شعبي للإفادة منه ىفي تحقيق التقدم المنشود لبلدنا.

وأضاف: نحن في الأردن استطعنا تحقيق الكثير رغم صعوبة الظروف التي عشناها ومررنا بها، وبعضها كذلك عاشتها اليابان، ومن الممكن الاستفادة منها لتحقيق المزيد. فالتجربة اليابانية كانت وما تزال مصدر إلهام لكثير من الشعوب في العالم، واستطاعت بعد الهزيمة المحدودة التي تعرضت لها على يد السفينة الأمريكية بقيادة الكابتن بيري عام 1850، أن تعمل على تغيير الأوضاع في عهد الامبراطور يجي، مما أدى إلى إعادة وحدة اليابان وقيامها بما يلزم من الدراسات والإعداد للأخذ بجوهر الحضارة الحديثة، وليس مظاهرها فقط. فاستطاعت خلال فترة وجيزة من عمر الزمان أن تعيد بناء اليابان الحديثة، واستطاعت في عام 1912 أن تهزم اسطول وجيش الدولة الروسية. وكذلك استطاعت بعد الحرب العالمية الثانية وتدمير مدينتي هيروشيما وناغازاكي بالقنبلة النووية ومعاهدة الاستسلام، أن تعتمد على عزيمة شعبها وحبه لبلاده وتقاليده في إعادة البناء والتطور إلى أن أصبحت الاقتصاد الثاني عالمياً.

وتحدث الناعوري حول عدد من المفاهيم المتعلقة بالتفكير والتعامل عند اليابانيين، موضحاً أنه في مجال العمل هناك منافسة في تقديم الأعمال الجيدة دون أن تكون منافسة يسعى فيها أحد لتدمير الآخرين، ومع مفهوم الإخلاص في العمل يأتي مفهوم الإخلاص في تطبيق القوانين والأنظمة المرعية في البلاد دون الحاجة للخوف من القانون؛ بل الخوف عليه.

وقال: إننا نستطيع ولا شك أن نستفيد من هذه القيم في تعزيز قيم النهوض لدينا، فنحن ننحدر من ثقافة وحضارة عريقتين قدمتا للعالم الكثير، ولنا في تراث أجدادنا وأبائنا أمثلة في كيفية التغلب على الصعاب وقهرها بالعمل الجاد المخلص، رغم صعوبة الظروف، وعلينا أن نؤكد أننا جميعاً أبناء عائلة واحدة هي الوطن، وأن أي ضرر يصيب هذا الوطن أو بعض أبنائه هو ضرر لنا جميعاً، ومتى فهمنا ذلك وعملنا به نستطيع البدء في الوصول إلى الهدف.

وفي تعقيبه له على كتاب “وتبقى أشجار الكرز تزهر في قلبي دوماً”، قال د. فيصل غرايبة إن المؤلف الناعوري اختار هذا العنوان للكتاب تعبيراً عن شجرة الكرز المنتشرة في اليابان، والتي تعتبر الشجرة الوطنية للمجتمع الياباني، والذي تعلق قلب هذا المؤلف به. كما أن الناعوري رأى في اليابان والصين وكوريا الجنوبية أمثلة رائعة على حقيقة أنه عندما يريد الشعب أن يتقدم ويتطور ويقوم باتخاذ الخطوات الصحيحة والضرورية لذلك، فإن التقدم يتحقق فعلاً، كما أن عمله الدبلوماسي في الخارج زاد من يقينه وقناعته بأن الشعوب مهما اختلفت في المفاهيم والعادات والتقاليد، فهي جميعها من المعدن الإنساني نفسه، وأن الشعب الياباني جعل من تقاليده نفسها دافعاً وحافزاً للتطور، لتصبح التجربة اليابانية قاعدة فريدة للتطور الاقتصادي.

وعرض د. غرايبة لمجموعة من الملاحظات التي وردت في الكتاب حول الثقافة وطريقة التفكير والعيش عند اليابانيين؛ مؤكداً أن الناعوري تعلَّم في اليابان كيف يقرأ بين السطور، وأن يفهم اتجاه الإجابة الصحيح دون أن يتوقع سماعه مباشرة. وأشار إلى الكتاب يتحدث ضمن موضوعاته عن الشعور الياباني في احترام الصلات العائلية والقرابية كون اليابانيين يعيشون جميعاً في جزيرة واحدة صغيرة، وأن عليهم أن يساعدوا بعضهم بعضاً حتى لا يغرقوا جميعاً، عدا أن المجموعات الدينية لديهم تهتم بالمحافظة على التقاليد والفنون التقليدية كشعور نابع من التدين، إضافة إلى إدراكهم أن الفنون والثقافة تساهم في التنمية الروحية للإنسان، وقد أصبحت هذه المجموعات تؤدي دوراً أكبر في الحياة اليابانية، وبالتالي كان من المهم للدبلوماسي الذي يعمل في اليابان من إيجاد صلات مع هذه المجموعات.

كما أشار إلى رغبة كثير من اليابانيين في التعرف على البلدان والشعوب والثقافات الأخرى، والعمل فيها كمتطوعين، الأمر الذي انعكس على وجود أعداد لا بأس بها من المتطوعين اليابانيين من الشباب ومن الكبار أيضاً، الذين يذهبون إلى البلدان النامية بترتيب من هيئة التعاون الدولي اليابانية (جايكا).

وأعرب د. غرايبة عن الأمل في أن ينجز الناعوري كتاباً ثانياً يتحدث فيه عن تجربته في الصين التي عمل فيها سفيراً أيضاً، وليجري مقاربة ثقافية تنموية بين المجتمعين الصيني والعربي عامة والأردني خاصة، لما في ذلك من فائدة ومتعة وثقافة.