لقاء منتدى الفكر العربي يناقش أزمة التعليم في المجتمعات العربية

2016 11 30
2016 11 30

f1uد. بدران: التعليم العربي أخفق في إحداث التغيير الإيجابي

بسبب غياب الرؤية والبيئة الاجتماعية والسياسية الحاضنة د. أبوحمور: علينا التحوّل من تشخيص الأسباب

والأعراض إلى إبداع الحلول للأزمات د. أبوحمور: العقلية العربية بحاجة إلى التجديد، والهروب

إلى الماضي يزيد من التعصب والتطرف والانغلاق

عمّان- صراحة نيوز – ناقشَ لقاء منتدى الفكر العربي، مساء يوم الثلاثاء 29/11/2016، موضوع أزمة التعليم في المجتمعات العربية، حيث ألقى أ.د. إبراهيم بدران مستشار رئيس جامعة فيلادلفيا للعلاقات الدولية والمراكز العلمية وعضو المنتدى، محاضرة تناول فيها دور التعليم الناجح كأحد أهم محركات الانطلاق والتغيير على مستوى الفرد والمؤسسة والمجتمع، ضمن منظومة متماسكة ومتجددة من العلم والتعلم والتفكير الناقد، موضحاً أهمية التعليم في تقدم المجتمع ونهوضه وواقع التعليم في المجتمعات العربية وأسباب فشله في إحداث التغيير الإيجابي. وعقب على المحاضرة، التي تأتي بمناسبة صدور كتاب جديد للدكتور بدران بعنوان “عقول يلفّها الضباب: أزمة التعليم في المجتمع العربي”، الأستاذ زهير توفيق الباحث في مركز الدراسات المستقبلية. وأدار اللقاء وشارك فيه د. محمد أبوحمّور الأمين العام للمنتدى. ودعا د. محمد أبو حمور في كلمته التي قدم بها للقاء إلى التحوّل بشكل جديّ ومباشر لإبداع الحلول في أزمة التعليم وما يرتبط بها من أزمات؛ مؤكداً أن هذه القضية هي الأهم وذات أولوية قصوى لما للتعليم العام والعالي من ارتباط بمختلف قطاعات التنمية الشاملة. وأضاف أن كل المؤشرات المتعلقة بتقدم المجتمعات العربية ما تزال في تراجع، وتبدو العقلية العربية العامة في حالة عجز وجمود، بحيث بات الهروب إلى الماضي هو الغالب، مما يؤدي إلى استحضار مشكلات وإفرازات تزيد من التعصب والتطرف والانغلاق، والتكفير أحياناً، ويعطل كل محاولة لفتح نوافذ العقلانية والواقعية نحو الأزمات التي نعيش، وبالتالي التفكير الحرّ والمتنوّر القادر على التخطيط والتهيئة والاستعداد لدخول المستقبل.

وأشار د. أبوحمور إلى ما أورده د. بدران في كتابه “عقول يلفها الضباب” من إحصائيات تتعلق بواقع التعليم العربي، ومنها وجود أكثر من (70) مليون طالب في المدارس بالوطن العربي، وأكثر من (700) جامعة، طلابها يزيدون عن (5) ملايين طالب وطالبة، إضافة إلى حوالي (100) ألف أستاذ جامعي … ورغم ذلك لا يُلمَس أثر التعليم الإيجابي في اتجاه التغيير نحو الأفضل، وقال: إن البحث عن الإجابات والحلول يتطلَّب التفكير من خارج الصندوق لتحديد الأسباب الحقيقية قبل تشخيص الأعراض ومعرفة هل المشكلة في التعليم، أم في الذهنية العربية وطريقة التفكير والتعامل مع مستجدات العصر وتحدياته، أم في الثقافة والفكر، أم في العلاقة بين الدولة والمجتمع، أم في التأثيرات والضغوطات والتغيّرات العالمية المتلاحقة. وشدَّد د. أبوحمور على أن المفاصل الهشة ليست فقط في أوضاع التعليم وإنما في موضوع بناء الإنسان العربي، ومن ثم كيفية إعادة بناء هذا الإنسان، وإعادة تكوين الصورة الحقيقية لشخصية الأمة ودورها في الحضارة الإنسانية، وأن التعافي من أسباب التراجع وتجنب انهيار البناء الحضاري لا بد أن يكون من خلال إصلاح المنظومة التعليمية وتطويرها، والاهتمام النوعي بكلّ جوانب التعليم ومخرجاته، ليصبح الفرد قادراً على المشاركة الفعّالة في العملية التنموية وتحقيق أهدافها في النهوض الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي.

وبيَّن د. إبراهيم بدران في محاضرته أن التعليم في معظم المجتمعات العربية أخفق في إحداث التغيير الذي كان متوقعاً، وكان دور المتعلمين في تغيير المجتمع أقل بكثير مما تحقق لدى مجتمعات أخرى، كانت على الدرجة نفسها من التخلّف أو أدنى منها. وأضاف أن الدول العربية ما تزال في مكانة أدنى من المتوسط العالمي في معظم المؤشرات ذات العلاقة، ابتداءً من الديمقراطية والحاكمية، مروراً بالتعليم والبحث العلمي. وهذا الاخفاق هو الذي ينبغي أن يكون محل تساؤل لدى السياسي والعالِم والمفكر والمثقف.

كما بيّن د. بدران أن من أهم عوامل فشل التعليم في المنطقة العربية غياب الرؤية المجتمعية للتعليم، وعدم ملاحظة أن التعليم الذي هو في جوهره كتلة من العقول الفاعلة والخيال المبدع، يتطلب البيئة المجتمعية والسياسية والثقافية الحاضنة، وفي غياب هذه البيئة يضمحل التعليم ويتوارى المتعلِّم ليصبح فعله وتأثيره شيئاً ثانوياً .

وأشار في هذا الصدد إلى أن تجارب العديد من دول العالم المتقدم توضح أن المفصل الأول في التقدم الاجتماعي هو التعليم بكليته وفلسفته، انطلاقاً من أن العنصر الأساسي الذي ينبغي التركيز عليه في أي أزمة هو الإنسان بوصفه عنصر الأزمة، سواء في صنعها أو في مواجهتها ، وأن التعليم هو الذي يصنع الإنسان ويشكل المجتمع. كما أن التعليم الصحيح يعتبر أحد أهم المحركات للانطلاق والتغيير على مستوى الفرد والمؤسسة والمجتمع، وقد اصبح عماده الاساسي منظومة متماسكة قوية ومتجددة من العلم والتعلم والتفكير الناقد، ويكتسب التعليم أهميته من قدرة المعلّم والعالم والمتعلِّم التأثير في المجتمع، وإذا غاب هذا التأثير تراجع المجتمع.

وقال: إن اهم ما يميز الدول التي نجحت في تطوير التعليم لديها بشكل جذري هو قدرتها على بلورة رؤية وطنية وتوافر إرادة سياسية للتدخل في المجتمع لتغييره تغييراً جذرياً ومقصوداً وسريعاً، وعدم تركه للتلقائية والتحرك على سجيته، فضلاً عن أن أجواء الديمقراطية والانفتاح والمشاركة وتداول السلطة، هي التي تتيح الفرصة للمعلم وأستاذ الجامعة والمفكر والباحث للانطلاق وتحقيق رسالة الإبداع على أكمل وجه، أما عدم الاكتراث وإغفال أهمية العلم والتعليم، فيكشف عن العجز العربي ممثلاً بالإدارات المعنية بالموضوع عن الربط بين العناصر التي تشكل الدعامات الرئيسية لاستقرار الدول والحفاظ على مسيرة النهوض في العلم والتعليم والاقتصاد.

وأكد د. بدران أن التعليم والتعلُّم هما المدخل الأساس للوعي الذاتي والوعي بالآخر، وهما الأداة الأهم لفهم الحقوق والواجبات، وأساس حرية الإنسان والمجتمع الحديث، والدولة العصرية؛ فالتعليم بوابة الحرية والتغيير وتقدم المجتمع. كما أن التعليم الناجح هو التعليم القادر على إحداث التغيير في فضاءات :العقل والتفكير والتعلم ، والوطن والمواطنة والدولة، والقيم الأخلاقية والإنسانية، والعلم والمعلومات والتكنولوجيا، والمعرفة والإنتاج، والفكر والثقافة والفنون، والتجديد والإبداع والمستقبل، مشيراً إلى أن المجتمع الناجح هو الذي تتوافر لديه المرونة والحركية للتجاوب مع هذه الفضاءات، وأن الإرادة السياسية الناجحة هي التي تتمتع بالرؤية المستقبلية، والإرادة القوية لوضع البرامج اللازمة للتغيير والارتقاء بهذه الفضاءات ليصبح دور التعليم فاعلاً في دفع المجتمع والدولة إلى آفاق التقدم والنجاح. من جهته أشار الباحث زهير توفيق إلى أن د. إبراهيم بدران يشخص في كتابه الجديد “عقول يلفها الضباب: أزمة التعليم في المجتمع العربي” يمثل نقلة نوعية في تشخيص أزمة التعليم في الأردن وغيره من المجتمعات العربية؛ بل والمجتمعات النامية في العالم، وكلها مجتمعات وبلدان تتماثل في بناها المجتمعية والسياسية وأنظمتها التربوية، كما تتماثل في طريقة استجابتها للتحدي التربوي والتعليمي، والحلول المؤقتة أو الخاصة، أو المستوردة التي كانت سبباً للفشل وتعميق الأزمة، وهي الأزمة التي تتجاوز أزمة تعديل المناهج أو أميّة الصفوف الأولى من التعليم الأساسي، التي دارت حولها معركة أيديولوجية وهمية عوَّمت الموضوع وأخرجته من دائرة الاختصاص، وكلها مظاهر للأزمة وليس المعنى العميق والجوهر الذي يتطلب مقاربة جديدة على جميع المستويات كما حاول واجتهد د. بدران في هذا الكتاب .

وأوضح الباحث توفيق أن التعليم عند د. بدران يرتبط بالعلم والبحث العلمي كحزمة كاملة تؤثر وتتأثر بالقطاعات المجتمعية كافة؛ كالبنى الاقتصادية والسياسية ومستوى الإنتاج والثقافة السائدة أو ما يسميها المفاصل الهشّة، إضافة للعوامل الطبيعية الخاصة بالمنطقة العربية كانتشار الصحاري والجفاف ومعدلات الحرارة العالية، وكلها عوامل تقلل من فاعلية التعليم والتفكير الخلاّق .

كما أن أزمة التعليم تتمثل بالمفارقة القائمة في التربية والتعليم على مستوى التعليم المدرسي والعالي، ومفادها التباين الحاد بين المدخلات والمخرجات، وطبيعة التوسع الكمّي الهائل و القائم على حساب النوعية التي تتدهور باستمرار وتجعل من التعليم قطاعا يتآكل من داخله، وبسبب هذا التآكل تتراجع كل البنى المجتمعية في الأردن والمجتمعات العربية، حسب ما تشير إليه الإحصاءات والمؤشرات العالمية المعنية بقياس تلك الحالات وترتيب الدول على أساسها على مستوى التقدم والتأخر. والمفارقة الثانية تتمثل في عجز التعليم العالي تحديداً عن التأثير الإيجابي في البنى المجتمعية التقليدية التي شدَّت التعليم العالي والجامعات إلى مواقعها، وأثرت فيه أكثر مما أثر، وكل ذلك بسبب غياب الرؤية الكلية أو الازدواجية التي تعاني منها استراتيجيات الحل.