لن نحني رأس الأردن
ناهض حتر

2013 06 13
2013 06 13

385من المؤسف أن هناك مَن يزال يعتقد أن تاريخ بلد ما يمكن ـ ويصحّ ـ النظر إليه من وجهة نظر أدبيات ووثائق مستعمريه، فيدعي أن كل حكاية الأردن ونضاله ضد الانتداب ومن أجل التحرر الوطني في الخمسينيات وحروبه ضد إسرائيل وانخراط أبنائه في بناء الدولة وتحديثها وميولهم القومية والديموقراطية، وإصرارهم على فك التبعية مع الإمبريالية، وما أنتجوه من فكر وأدب ومبادرات وقامات ثقافية ونضالية، وما بنوه من أحزاب وهيئات الخ … كل تلك الحكاية الواقعية على الأرض، يمكن إلغاؤها وتلخيص ” شرق الأردن” بكونه ” منطقة عازلة” وكيانا مختلقا. يشكل شرق الأردن أحد أقاليم بلاد الشام، وتتمثل خصوصيته في بنيته الاجتماعية القائمة على اتحادات عشائر نصف بدوية ـ نصف فلاحية، التي صاغت شخصيته و ثقافته المحلية ولهجته وأدبه الشعبي الخ ويمتد هذا الإقليم في سلسلة الجبال والهضاب الواقعة شرقي نهر الأردن، من جنوبي دمشق وحتى خليج العقبة. وقد قطعت معاهدة سان ريمو الاستعمارية، الإقليم الأردني عن سياقه السوري، كما قطعته من الداخل بتقسيم منطقة حوران،بين المملكة والجمهورية.

عندما هاجم الجنرال غورو، دمشق، كان مئات الفرسان الأردنيين، قد هبوا لنجدة يوسف العظمة في ميسلون، لكن المستعمر الفرنسي كان أحكم قبضته على البلاد، وتوقف عند حدود التقسيم. وفي سنة ميسلون نفسها،1920، قرر اجتماع الشخصيات الوطنية والزعامات العشائرية الأردنية، تأسيس دولة في شرق الأردن، تكون امتدادا للدولة العربية السورية؛ ولذلك اتخذ الاجتماع العلم السوري ذا النجمة، علما للدولة الجديدة ( وهو نفسه علم الأردن الحالي).

في العشرينيات والثلاثينيات، ازدهرت الحركة الوطنية ضد الانتداب، وقدمت دعما واسعا للمناضلين في سورية وفلسطين. ولا أريد الاسترسال في عرض تاريخي، لكنني أريد التأكيد على أنه بنشأة الدولة في الأردن، نشأ صراع مستمر بين سياسات النظام وبين الحركة الوطنية، طبع كل تاريخ البلد، إنما في سياق بناء الدولة الوطنية التي نريدها دولة تنموية مقاومة وتريدها الفئات الحاكمة دولة كمبرادورية استسلامية. وحدث، في مراحل عديدة من تاريخ الأردن، أن فرضت الحركة الوطنية، جزءا من برنامجها الديموقراطي والاجتماعي في السياسات الحكومية.

لم يعد مقبولا الكلام عن شرق الأردن بهذه الخفّة العنصرية، واستعادة المنظور الاستشراقي الاستعماري في فترة الانتداب، للنظر إلى واقع الدولة الأردنية في عام 2013. وأخيرا، ما الذي يضر البعض في محاولتنا الدفع بالأردن نحو اعتماد سياسات قومية وتقدمية؟ إنهم يرون في تلك المحاولة، كتلامذة للمستشرقين وكعنصريين ومتوافقين، حكما، مع الرؤيا الصهيونية، استحالة، لأن الأردن وشعبه “مختلقان” ( ولاحظوا أنه يمكن أن يكون، بالتالي، وطنا بديلا في تكرار للمقولة الصهيونية عن فلسطين: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ) ونحن نرى بلدنا، انطلاقا من سيرورة النضال الوطني والاجتماعي، دولة وطنية يمكنها أن تحمل مشروعا قوميا وتنمويا، في إطار اتحاد البلدان المشرقية.

العرب اليوم