مأزق دستوري غير مسبوق!

2015 10 30
2015 10 30

Jameel-Al-Nimriما مصير قانون اللامركزية الذي ردّه جلالة الملك؟ هناك حيرة دستورية، بسبب عدم وجود سوابق أو نص دستوري يسعف في التعامل مع هذا الأمر، سوى الفقرة (4) من المادة (93) من الدستور، والتي تنص على أنه “إذا رد مشروع أي قانون (ما عدا الدستور) خلال المدة المبينة في الفقرة السابقة وأقره مجلسا الأعيان والنواب مرة ثانية بموافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل من المجلسين وجب عندئذٍ إصداره”.

لكن هذه الفقرة تتحدث عن احتمال واحد، هو أن يصرّ المجلسان على رأيهما (بنسبة الثلثين)، فيصبح القانون نافذا حتى لو لم يصادق عليه الملك. إلا أن الإرادة الملكية كما جاء في نصّها، ردّت القانون فقط بسبب الفقرة (أ) من المادة (6) التي أفتت المحكمة الدستورية بعدم دستوريتها، لعدم تضمينها النص على الاستقلالية المالية والإدارية لمجالس المحافظات المنتخبة. هل يمكن أن يصر المجلسان على هذه المادّة؟ وقبل ذلك، أين يذهب القانون ابتداء، وما المسار الذي يأخذه؟ هل يعود فقط إلى جلسة مشتركة للتصويت حصريا على هذه المادة؟ بهذه الطريقة، سيكون على الجلسة المشتركة الحصول على ثلثي الأصوات لبقاء المادة رغم مخالفتها الدستور! أم تنحية القانون بعدم الحصول على ثلثي الأصوات، وليس واضحا ما سيحدث له بعد ذلك؟ فالدستور يقول فقط إنه لا يعاد طرحه في نفس الدورة. لكن هل يعود وجوبا إلى جلسة مشتركة في دورة تالية، ومن أجل إعادة التصويت فقط على نفس المادة، أم هناك مسار آخر؟ ومن الذي يقرر؟ الدستور لا يقول شيئا. ليس واضحا أيضا ما إذا كان التصويت بنسبة الثلثين يجب أن يتم لكل مجلس على انفراد، أم في جلسة مشتركة. وإذا لم يكن منطقيا على كل حال الإصرار على مادة تم الإفتاء بعدم دستوريتها، وردّها الملك لهذا السبب، فهل يستطيع المجلسان، مجتمعين أو منفردين، تعديل النص بالعودة إلى مقترح النواب للمادة (6)، والذي يقول بالاستقلالية المالية والإدارية لمجلس المحافظة؟ وهل هناك مسار آخر محتمل للقانون؛ كأن يعود إلى المسار المعروف لكل مشروع قانون، فيذهب أولا إلى مجلس النواب ليجري عليه ما يراه من تعديلات، ثم إلى “الأعيان”، ثم إلى جلالة الملك بالتعديلات الجديدة التي جرت عليه؟ كل ذلك ليس واضحا، ولا مرجع دستوريا ولا سوابق للبناء عليها! رئيس مجلس الأعيان السابق، دولة الأستاذ عبدالرؤوف الروابدة، والذي كان له الدور الرئيس في التصويت في الجلسة المشتركة على شطب الاستقلال المالي والإداري لمجلس المحافظة، يقرّ أن هناك مشكلة دستورية وفراغا تشريعيا في معالجة القضية.

وكنت أثرت الموضوع أثناء زيارتنا له في اليوم التالي لاستقالته، بوجود طيف واسع ومتنوع من الفعاليات. فقال إنه عاد إلى مراجع مصرية وغيرها ولم يعثر على إجابة ولا سابقة شبيهة يمكن القياس عليها، ولم يكن لدى أي من الحضور اجتهاد دستوري للحل. ورأى الروابدة أنه لا بدّ من تشاور كبار الخبراء في الفقه الدستوري والقانون لاقتراح مخرج. بالطبع، المسار المحتمل لا يمكن التفكير فيه من الزاوية الدستورية فقط، بل أيضا المصلحة السياسية؛ فلا أحد يريد قانونا يخالف الدستور، ولا إعدام مشروع القانون من الأساس.

وقد يكون صعبا العودة إلى مناقشة كل مواد القانون، فيبقى الحلّ الأيسر في هذه المرحلة تصويب المادّة المختلف عليها لتتوافق مع الدستور، وهو ما قد يتوجب على الفقهاء الدستوريين الإفتاء بالطريق إليه.

جميل النمري