ماذا يحدث في الحدائق – د. مراد الكلالدة

2014 04 09
2014 04 09

شهدت عمّان في الثمانينات من القرن العشرين ولادة مدينة ترفيهية متكاملة حملت إسم الملك المؤسس عبد الله الأول، وقد إختير موقعها بعناية لتكون متوسطة بين الشميساني وضاحية الحسين للإسكان في منطقة الرابية. وقد خُصص للحدائق مساحة قدرها 85 دونم من أجمل الأراضي من حيث الإطلالة والميول ونوعية التربة، وحظيت بأحكام إعمار خاصة تستوعب جميع الإستعمالات، فقد جُهّز طابق التسوية ليستوعب قرابة 700 سيارة وبمداخل ومخارج موزعة بإنتظام، وقد تم بناء مدرّج مكشوف يستوعب قرابة 2000 متفرج، وتم تنفيذ أبنية على طول ممرات مشاة داخلية يربط بينها أقواس مهيبة، كما تم تشييد مبنى رئيسي للنشاطات الداخلية، فإن كان المخططين والمهندسين قد أتموا عملهم بهذا الرُقي والإبداع، فما الذي حصل عندما تم وضع هذه المنشآت والحدائق بين أيدي المسؤولين كمؤتمنين على المال العام.

في بداية المشروع،  تم التركيز على الألعاب الترفيهية للأهالي وأطفالهم فكان هناك الجبل الروسي، والقلابات والسلاسل وغرفة الأشباح والسفينة المتأجرحه، كما خصصت ساحة كبيرة للتزحلق بالعجلات على الأحذية، كما أن لونا بارك كانت مقصداً للأهالي، وكم قضينا فيها من الوقت بصحبة أطفالنا وبأسعار معقولة.

ولا ننسى التلفريك (الأول والأخير) في الأردن، الذي ميّز الحدائق بطابع عصري وأصبحنا مدينة، كما سائر المدن العصرية التي يُفتخر بها، وأصبحت مقصداً لأبناء البوادي والأرياف والمدن الأردنية والعربية الأخرى، فكان المشوار إلى عمّان، رحلة إستجمام ومتعة بكل معنى الكلمة.

وكمهندس، أستطيع القول بأننا نصمم المباني بعمر إفتراضي قدره 100 عام يتخللها أعمال صيانة تضمن إستدامته للإستعمال الآمن خلال هذه المدة والتي قد تمتد الى أضعافها كما هو الحال في كثير من المباني التاريخية التي يُعاد تاهيلها من حين لآخر. وبحسبة بسيطة، فإن مشروع الحدائق من المفروض أن يخدمنا حتى العام 2050 على أقل تقدير، فهل المشروع أهل لذلك على ما هو عليه الآن.

لقد زرت المشروع حديثاً وتجولت بمعظم مرافقه وكان لي الملاحظات التالية: 1.    طابق التسوية المخصص لمواقف السيارات بحالة تردي هيكلي يستوجب المعالجة الفورية بسبب الرطوبة المتسربة للعناصر الإنشائية الحاملة من خلال الساحات المكشوفة التي تعلوه. والطابق غير مستعمل للغرض الذي إنشيء من أجله، على العلم من أنه يمكن أن يحقق ما يقارب 8000 دينار دخل صافي باليوم، أي ما يقارب ثلاثة ملايين دينار بالسنة، فهل كان تضمينه بمبلغ عشرين الف بالسنه قرار سليم، ولا فيه إنّ.

2.    القاعة الرئيسية المستخدمة حاليا لبورصة الزهور و (10) محلات، تصلح لإقامة أفضل الفعاليات، فهل من المعقول هدر تلك المساحات الداخلية كحسبة بيع وشراء الزهور التي يمكن أن تتم في أي مستودع خارج العاصمة، علماً بأن الدخل المتأتي من تأجير تلك المساحات للمناسبات تقدر بعشرة آلاف دينار باليوم وبمتوسط سنوي لا يقل عن (2) مليون في حال تم إحتساب نصف أيام السنة فقط.

3.    التلفريك المتوقف منذ عشر سنوات تقريباً وبدون التوصل الى حل ينصف كل من المستثمر والأمانة قد عطل العائد الإستثماري البديل Opportunity Cost بما لا يقل عن خمسة ملايين في السنة، فلا المستثمر أزال الخردة من الموقع، ولا أفسح المجال لغيره، وتم حرمان الأطفال وأهاليهم من متعة لطالما اشتهوها.

4.    المدرج المجهز لإقامة الفعاليات الثقافية والترفيهية، قائم منذ عقود، حيث كان بالإمكان تحصيل إيرادات مالية لا تقل عن الألف دينار باليوم وبمتوسط عدد أشهر مشمسة قدرها خمسة، أي بمتوسط دخل قدره 150 ألف دينار سنويا.

5.    المحلات المخصصة للإيجار عدد (113) والمطاعم عدد (31) وعدد من المقاهي والمكاتب المخصصة للمهن المتفرقة والجمعيات وساحات الألعاب، وبمتوسط إيراد سنوي قدره مليون دينار. ويضاف الى ذلك المعارض المعطاة لمكاتب تأجير السيارات السياحية وعددها (52) والتي استغلت الرصيف المحاذي لشارع الشريف ناصر بن جميل بحيث طمست هذه المعارض وسياراتها الطابع العام للحدائق، ولا أدري في عهد أي (مسؤول) ولا أقول (أمين) عاصمة تم أخذ هذا القرار الغبي.

إن الغرض من إحتساب العائد الذي من المفترض أن يكون قد تاتى من الفرص الضائعة هو لعقد مقارنة مع الحال المأساوي الذي وصلت اليه الحدائق هذا اليوم، وإذا كانت الحصيلة السنوية الإفتراضية ستبلغ قرابة (18) مليون مضروبة بعشر سنوات من البيات الشتوي، يصبح المبلغ 180 مليون دينار دخل من المفروض أن يكون قد تحصّل ودخل ميزانية أمانة عمان الكبرى، ولكن هذا لم يحصل، بل أنه قد تحققت مصاريف إدارية وبدل إستهلاك أبنية ومرافق كلفت عشرات الملايين، تم دفعها من جيب المواطن الأردني، أليس هذا هو ضربٌ من الفساد، إن لم يكن الفساد بعينه يا معالي سميح بينو.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو، هل تم إهمال الحدائق لتتهالك، بحيث يتم تقدير قيمتها بحال البلاش، ليطل علينا الشريك الإستراتيجي لينقذنا من الورطة التي وضِعنا فيها نحن مُلاك المشروع الحقيقيين (هذا إن لم يكن تم التصرف بالملكية بدون علمنا) وإن لم يكن الجواب بنعم، فما هي خطة الأمانة لهذا المشروع الذي أضحى وكراً للدعارة والمخدرات، بحيث أصبح مجرد السير بجانبه يثير الشبهة، وهل هذا الإهمال الأمني مقصود لكي يعاف الأردنيين هذا المشروع ويصبح التخلص منه مطلب وطني لإزالة النجاسة من عمّان. إن ما يحدث هناك لا يليق أبداً بالإسم الذي يحمله، فدعونا نتفكر بما نحن فاعلون.

ولا بد أن أعرج في النهاية إلى ما أشيع مؤخراً حول حاجة الدولة الأردنية للمارسة الفضلى في إدارة إستثماراتها، فإن كانت هناك نية لدى أصحاب القرار بإستثمار حدائق الملك عبد الله الأول، فيجب إحتساب القيمة الحالية للأرض والتي تقدر بخمسة وثمانين مليون دينار على أقل تقدير، وبدل أحكام بناء خاصة تقدر بمئة مليون أخرى، وأثمان منشآت قائمة، فيكون السعر الإجمالي ربع مليار دينار أردني … هذا إن كنا بياعين، ونحن لسنا بياعين، بدنا إياها حدائق.