ماركيز في معزله الأخير! – جهاد المحيسن

2014 04 20
2014 04 20

356ثمة رابط خفي يربط المأساة التي لفت عالم أميركا اللاتينية، وبين عالمنا العربي، فكلا المكانين والشخوص والأحداث ترتبط بخيوط المأساة التي صنعتها الإمبريالية الغربية ووكلاؤها، وعندما صاغ الراحل ماركيز رواية تكاد ترى فيها حلة قريبة من حالتنا العربية، ففي روايته “مئة عام من العزلة”، تتلمس التفاصيل والأحداث والشخوص، فترى أنها قريبة منك وجزء من عالمك المخفي.

رتابة المكان ومحدودية الأفق لشخوص روايات ماركيز عناصر متحركة على صفيح كلمات رواياته الساحرة، التي جعلت من أدب أميركا اللاتينية أدبا عالمياً تنشره معظم لغات العالم، وهذه الرتابة ومحدودية الأفق صنعتها مصفوفة “مئة عام من العزلة” وباقي الروايات وفيها تجلت إبداعات الواقعية، فالأدب إن لم يكن واقعيا يكون أدباً يستدعي الكثير من المناقشة، وهذا ما تجاوزه الروائي الراحل الكولومبي جابريل جارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل العام 1982.

سرد الحكايات في أعمال ماركيز تسجل جملة مكنونات قارة  أميركا اللاتينية بغرائبها ووقائعها من التاريخ الذي تفوح منه رائحة الدم وثورتها،  وتعاين سلوكيات الدكتاتوريين ذوي الطباع الغريبة الذين حكموا هذا المكان، والذين جسد شخوصهم في واقعية سحرية صنعتها كلمات ماركيز، وتسلط الضوء على ما بقي من دكتاتوريين يعيشون بين ظهرانينا!

وبَعد الثورة في عالم  الرواية من خلال مزج التاريخ بالأسطورة بالواقع، أي صنعتها رائعة ماركيز “مئة عام من العزلة” أراد أن يقدم عملاً يلفت الانتباه فكانت روايته “خريف البطريرك”، التي اعتبرها من أصعب أعماله، حيث ذكر في إحدى حواراته أنه كان بعد كتابة خمسة أسطر منها يلقي بها بسلة القمامة. ثم يعود ليبدأ من جديد.  تتمحور الرواية حول مجموعة من الأفكار والأحداث والغرائب، والتي لا يشعر معها القارئ إلا بروح الإدانة لنمط من الحكام الذين يشبهون الجنرال المستبد في عالمنا العربي، يكون الحاكم في رواية جابريل ماركيز ديكتاتورا أميا، مسلوب الإرادة لا يشعر بالقوة إلا بمقدار ما تكون أمه قريبة منه، ولهذا أعطاها صفة قديسة الوطن بمرسوم ملكي، يفعل ما يشاء وقتما يشاء.

“خريف البطريرك” تتناول الأيام الأخيرة للديكتاتور، وعودته إلى الماضي القريب أيام نشوته وانتصاراته على نساء إمبراطوريته، تلك الذكريات التي تصارحه بمواجهة الحقيقة “اخرج إلى الشارع وجابه الحقيقة يا صاحب السمو، إننا نقترب من المنعطف الأخير”.

يسرد ماركيز عدد الأطفال الذين أنجبهم البطريرك خلال حياته الطويلة بأكثر من خمسة آلاف طفل، ولدوا جميعاً من عشيقات دون حب، لا يحصى لهن عدد، ولم يحمل أي من أولئك الأطفال اسمه ولقبه. باستثناء ذلك الطفل الذي أنجبته زوجته الشرعية الوحيدة !

وفي ذروة خريفه يقول البطريرك: أعيش أنا ويموت ضحاياي، ويكتبها خلسة على جدران المراحيض العمومية في زوايا مملكته، ويطربه سماعها من أفواه الجوعى والمتسكعين والمشلولين والمتسولين على درجات سلم القصر الرئاسي تحت أشجار الورد: انثر على رؤوسنا ملح العافية سيدي البطريرك.

الغد