ما بين إعتصام الأمل وحنان الألم …!

2016 03 17
2016 03 17

Abdulrahman Badran 08-2015 (2)منذ ما يزيد عن الأسبوعين ونحن نسمع ونقرأ عن الاعتصام الذي ينفذه بعض طلبة الجامعة الأردنية الرافضين لقرار زيادة أسعار البرنامج الموازي والدراسات العليا في الجامعة، تضاربت الآراء في الاعتصام والقائمين عليه فذهب البعض لوصفهم بأوصاف قاسية مسيئة بينما توخى آخرون الحرص بوصفهم بأوصاف متوازنة بعيدة عن الإساءة .

وفي الأمس ذهب ضحية للأمر على ما يبدو رئيس الجامعة الذي ترك بصمة محترمة ومتميزة عند الكثيرين ممن تعاملوا معه وإن كان حمل البعض تحفظات على أسلوب إدارته، ويدخل الاعتصام أسبوعه الثالث وسط محاولات نيابية للتوسط بين الطلبة ومجلس أمناء الجامعة لإيجاد حل يرضي جميع الأطراف، والذي نتمنى أن لا يكون بعيداً أكثر من ذلك وبعيداً تماماً عن أي حلول أمنية أو تعسفية تجاه الطلبة .

فهذه المجموعة لم تخرج لتكسر أو تخرب أو تشتم أحداً، وإنما جلست في بيتها الثاني “جامعتها” المحببة أم الجامعات الأردنية لتعترض على حق كان ومازال من أكبر أسباب تميز الشعب الأردني، ذلك أن حق التعليم يوازي شربة الماء ولقمة الخبز بالنسبة لكل من ينتمي للتراب الأردني.

لذلك ننتظر من المسؤولين المحافظة على هذا الاعتصام ومنع المساس به بأي حال من الأحوال كحق طبيعي لطلبة الجامعة في التعبير عن رأيهم بكل إحترام ورقي وتحضر، فهؤلاء الطلبة هم أمل المستقبل ومستقبل الأمل فينا، والعمل على الوصول إلى الحل الذي يرضيهم بالدرجة الأولى سيحفظ للجامعة أحد أهم أسباب إرتقائها، بالمحافظة على رقي طلبتها وتميزهم إلى جانب تميز أساتذتها وإدارتها بكل تأكيد، فمثل هذا الإعتصام علامة جديدة على تميز الشعب الأردني ورقي العلاقة بينه وبين إدارة مؤسساته، بعيداً عن كل تخريب وتجريح وإساءة .

ومن هنا كان على الحكومة والقائمين على التعليم إحتواء هؤلاء الطلبة والوصول معهم لما فيه خير التعليم في بلادنا، مما ينعكس خيراً لمستقبل وأمل البلاد، ولعلنا رأينا مثالاً جديداً على أهمية رسالة التعليم في أي مجتمع قبل أيام قليلة، بفوز المعلمة الفلسطينية التي خرجت من وسط الألم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني لحصد جائزة أفضل معلمة في العالم، والتي بالكاد إلتفتت إليها بعض وسائل الاعلام العربية، فهي لم تفز بجائزة التميز في الغناء أو الرقص لتتسابق لها كثير من الوكالات الاخبارية العربية وتسلط الضوء عليها للأسف الشديد، حتى أن البعض لم يكلف نفسه معرفة السر الذي أهل هذه البطلة من بنات فلسطين لتحصل على هذا اللقب، فتعالوا نقرأ قصتها التي تعتبر أهم من كثير من القصص يتم تسليط الضوء عليها لا تستحق حتى الوقوف عندها .

فحنان الحروب المعلمة الفلسطينية الأفضل على مستوى العالم لعام 2016، والتي تم تكريمها في مدينة دبي بحضور رسمي عربي ودولي نظراً لدورها الرائد في مجال التعليم بمدينة رام الله الفلسطينية، والتي رددت بعد فوزها: «هنا أمام فوهة الوقت، نفعل ما يفعل السجناء، فهذا الحدث يعبر بعمق عن هذه الرسالة، أن نربي الأمل»، رافعة إسم بلادها “فلسطين”عالياً وإسم العالم العربي بأكمله، ومرددة كلمات للشاعر الفلسطيني محمود دوريش من قصيدة «حالة حصار»، فرحاً باللقب ونصراً على العدو، والتي إرتفعت لها أيادي الحضور مصفقة وحاملة العلم الفلسطيني الذي رفرف عالياً، داعية لأن يكون هذا العام عام المعلم الفلسطيني.

هي التي كانت وصلت إلى قائمة ضمت عشرة أسماء من مختلف أنحاء العالم، تضمنت ثلاث معلمات وسبعة معلمين، من الهند وباكستان وأستراليا وكينيا وفنلندا واليابان والولايات المتحدة وبريطانيا، بعد أن تقدم للجائزة آلاف المعلمين من دول مختلفة .

وهي التي عاشت طفولة صعبة في مخيم «الدهيشة» للاجئين في مدينة بيت لحم، وكانت تنتقل من مخيم إلى آخر، وتعيش بداخل أزقة المخيمات بفلسطين، ورغم ذلك إستطاعت أن تنهي المرحلة الجامعية وتتخرج من جامعة القدس المفتوحة عام 2005، ثم عملت معلمة للصف الثاني الابتدائي، في مدرسة سميحة خليل الثانوية الحكومية في البيرة، وقد تميزت عن معلمي جيلها، بمبادرة خرجت بها تحت شعار «لا للعنف في التعليم»، إستخدمت فيها جهودها المضنية لمنع ممارسة الضرب ضد الطلاب، خاصة بالصف الثاني الابتدائي في مدرستها، كما قامت بتأليف كتاب تحت عنوان: «نلعب ونتعلم»، وهو كتاب تعليمي موثق بالصور والأنشطة الصفية يتضمن ألعاباً ووسائل تعليمية أخرى كثيرة يفيد الطلاب الصغار بتقسيم أوقاتهم بين التعليم واللعب.

وركزت حنان في كتابها على منهج تنمية الثقة والاحترام والأمانة والعلاقات الرحيمة مع طلابها، مؤكدة على أهمية القراءة، ومشجعة طلابها على العمل الجماعي، كما أولت إهتماماً كبيراً للاحتياجات الفردية والسلوك الإيجابي لدى الطلبة، إضافة إلى إعدادها معرضاً لوسائل وألعاب تعليمية به أكثر من 70 وسيلة ولعبة تعليمية وتربوية علاجية وإثرائية في مجالي الرياضيات واللغة العربية .

وفي منتصف العام الماضي، تعرض أطفالها ووالدهم إلى حادث إطلاق نار خلال عودتهم من المدرسة إلى المنزل، وأصيب أطفالها بصدمة شديدة بعد هذا الحادث، ما أثر سلباً على سلوكهم الإجتماعي وأدائهم الدراسي، ورغم ذلك قادتها هذه التجربة للمشاركة في اللقاءات والإستشارات التي تحدث في فلسطين لمناقشة سلوك وأداء الطفل الأكاديمي والتنموي، حتى خصصت جهودها لمساعدة الأطفال، لاسيما الذين عاشوا في ظروف محيطية مشابهة ويحتاجون معاملة خاصة في المدرسة .

وعلقت «الحروب» على تلك الأزمة خلال حوار سابق لها مع وكالة «رويترز»، قائلة: «شعرت أني وحيدة، وتساءلت ماذا يمكن أن أفعل كي أخرج أولادي من الصدمة، لم أضع يدي على وجنتي، ولكني إستدعيت أولاد الجيران إلى بيتي كي يلعبوا مع أطفاله، ولعبت معهم، وإبتكرت ألعاباً تعلم الأطفال وتنمي ذكائهم، وإستطعت أن استعيد أطفالي من صدمتهم، ويذكر أن مؤسسة «فاركي» التعليمية الخيرية الموجودة في المملكة المتحدة، تمنح كل عام الجائزة إلى معلم متميز قدم مساهمة بارزة في مهنة التعليم، وتسعى للاعتراف والاحتفاء بجهود المعلمين حول العالم، ويحصل الفائز باللقب على جائزة مليون دولار أمريكي تقديراً لجهوده.

وفي ختام سطورنا يظهر لنا جلياً ما بين إعتصام الأمل وحنان الألم، فالمسافة ما بين النموذج المشرف للأستاذة حنان الحروب التي خرجت بأروع رسالة وأكبر تميز من وسط الألم والحرب والدمار، وبين شبابنا الذين يحملون ويحلمون بأمل المستقبل بكل رقي وتحضر في إعتصامهم للحفاظ على التعليم متاحاً لكل طبقات مجتمعهم تبقى هي ذاتها المسافة التي تفصلنا عن حجز مكاننا في مقدمة صفوف الأمم الراقية المبدعة والمتميزة باذن الله. م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران