ما تيسر من أسرار التخاصية – د. مراد الكلالدة

2014 04 03
2014 04 03

52جاء في توصيات لجنة تقييم التخاصية/ الجانب الإستراتيجي منها، أن لا بديل عن المصداقية في مصارحة الشارع بمضمون الإجراءات التي تخص الوطن والمواطن، وكما أكد جلالة الملك في لقاءه بالأمس مع أعضاء اللجنة الملكية لمتابعة تنفيذ ميثاق النزاهة بأن لاشيء أهم من العدالة والمساواة والشفافية، ومن هذا المنطلق بالذات فأني سأكشف النقاب عن تجربتي مع بعض المسؤولين عن بيع ما نسبته 37% من أسهم شركة مناجم الفوسفات لمُضارب مالي تحت إسم (كاميل) مساهمة مني في الدفاع عن حصتي على الأقل من تراب وطني، وذلك لأن النتائج التي خلص إليها التقرير تدعو أبناء الوطن للمساهمة في تقييم هذه التجربة، وهذا ليس نبشاً في الماضي أو بحثاً عن ثروة تبخرت في سماء الأردن، وأمطرت في بنوك سويسرا، وإنما دعوة لإيقاف النزيف الدائر حالياً فما هي تلك الحكاية.

حدث وان دعيت يوماً ما (كاحد ممثلي حركة اليسار الإجتماعي) الى إجتماع تشاوري عقد في منزل دولة رئيس الوزراء الأسبق/ الدكتور معروف البخيت وذلك ضمن سلسلة من اللقاءات التي أجراها لتهيئة الرأي العام للمؤتمر الصحفي الذي سيعقده (عقد في آذار 2012) لتوضيح ملابسات بيع أسهم الحكومة في الفوسفات، وذلك كرد منه على نتائج لجنة التحقيق النيابية التي ترأسها الدكتور أحمد الشقران.

وكعادته، قام الدكتور البخيت بالإستعانة بالمختصين من فريقه الوزاري (السابق) لشرح المضامين الفنية لقرار الخصخصة، فحضر كل من وزير المالية، رئيس الهيئة التنفيذية للتخاصية محمد أبو حمور، ووزير العدل “محمد شريف” الزعبي، والدكتور إبراهيم العموش والسيد عبد الله أبو رمان والمهندس موسى المعايطة والدكتور هاني الملقي. وقد سمعنا كلاماً عن نجاعة الخصخصة وفوائدها على الإقتصاد الوطني وعن سلامة الإجراءات، وما أن اتيح المجال لي بالكلام، عبرت عن مخالفتي لما قيل وتبنيت موقف لجنة التحقيق النيابية بدون مواربة، لا بل أني قد انفعلت موجهاً نقدي الشديد للسيد شريف الذي اراد إقناعنا بأن الممارسة الإقتصادية الحصيفة تقتضي إدخال شريك (غير متخصص) بصناعة الفوسفات وأن (كاميل) هو الخيار الأفضل كشريك إستراتيجي.

صحيح أن الكثير من الناس يعملون بموجب قناعات وإرتباطات مسبقة، ولكن أن يتم لي عنق المفاهيم الإقتصادية الأساسية، وبشكل مبتذل، هو أمر أشعرني بالإشمئزاز مما دعاني للتندر على القيمة الأسمية للشركة والتي تبلغ جينيه واحد (يا راجل إحترموا عقول الناس) حيث أجاب النسيب إياه، إن المشتري (كاميل هولدنجيز) مسجل في جزيرة جيرزي، وعند سؤاله عن علاقة ذلك بوكالة بروناي للإستثمار، أدخلني بمتاهة بريمير سيركل ليمتد وسكند سركل ليمتد، ولأن هذه المفاهيم لها علاقة بالدوائر التي أفهمها كمهندس، أدركت أن الأخ يريد أن يدوخنا بالدوائر، وقمت بإستغلال وجود المحامي الى يميني وسألته عن صحة توقيع المفوضين على ملحق الإتفاقية (على ورق أبيض فارغ) ولم ينكر ذلك وهمّ بفتح الحقيبة اليدوية التي كانت بحوزته، إلا أنه تدارك وامتنع لغرض في نفس يعقوب.

لقد أثبت تقرير لجنة تقييم التخاصية بالوجه القاطع أن عملية بيع أسهم الحكومة في الفوسفات كانت الأبعد عن الممارسة الفضلى، وأنه من الأفضل إدارة الأصول وليس خصخصتها، وإن كان ولا بد عنها، فللشريك الفني المتخصص الذي يحسّن الإنتاج ويزيد القيمة الإضافية Added Value للمنتج وليس الإعتماد على إرتفاع سعر الطن الخام كما جرى في العام 2008.

لقد مضى (8) سنوات على صفقة إستحواذ كاميل هولدينج على ما نسبته 37% من أسهم شركة مناجم الفوسفات الاردنية (26% حصة الحكومة الاردنية، 16% الضمان الإجتماعي، 12% مستثمرون آخرون، 9% الكويت) حصد خلالها (كاميل) قرابة 155 مليون دينار، وهو ضعف المبلغ الذي دفعه ثمنا لهذه الأسهم (78810000 ثمانية وسبعين مليون وثمانمائة وعشرة آلاف دينار) وهذا إستثمار مالي قل نظيره في العالم … والمصيبة بالنسبة لنا أنه مستمر لغاية كتابة هذه السطور وحتى نفاذ آخر ذرة فوسفات في الأردن حسب الإمتياز الممنوح للشركة. نعم، حتى نفاذ آخر ذرة فوسفات، وحيث أن الأردن يحتل المرتبة السادسة عالميا في المخزون الإحتياطي للفوسفات، فإن إبن حفيدي سيحرم من حصته بالفوسفات.

نعم عزيزتي القارءة/ عزيزي القاري، هذه هي الحكاية المبسطة للأرقام، ويضاف الى الأذى المعنوي الذي تسبب به سماسرة متعجرفين هو ذلك الربح السنوي الذي يستلمه (كاميل)  والذي يخرج من البلد كعملة صعبة،بدون أن تُضاف الى الشركة مهارات فنية Technical Know-how كان معولاً عليها عند البيع ولهذا السبب أعطيت الأفضلية بشراء السهم بسعر تفضيلي بلغ (4) دولار، وهنا مكن الغبن والغصة في الحلق عند غالبية الأردنيين.

لقد تحرك الشعب الأردني بعد أن فاحت ريحة الفساد، وأصرت الحكومات المتعاقبة على الإنكار، الإ أن حكم القضاء الأردني النزيه بصدق ما كان يدعو اليه الحراك الشعبي من أن هناك فساد في صفقة البيع والإدارة والذي تأكد بصدور الحكم القضائي الذي يقضي بسجن أحد ممثلي شركة كاميل هولدينج المدعو وليد الكردي (المصدر: التقرير السنوي للعام 2010 والذي يسمي التالية: وليد الكردي، حاج هريتيني بنتي حاج عبد الله، جنيدي مرسي، طلال السعدي، د. حاج محمد أمين ليو عبد الله) لمدة سبعة وثلاثين عاما ونصف وتغريمه مبلغ (284) مليون دينار.

إن المنطق يقول بأن هذا الفساد ينسحب على مجمل أعمال هذا الشريك غير الإستراتيجي وأنه آن الأوان لإعادة تصويب أوضاع الشركة مع وجود شبهه بعدم دستورية الإجراءات لمخالفتها لنص المادة 117 من الدستور الأردني، وبما يحقق العدالة للشعب الأردني صاحب هذا التراب الوطني المُسمى بالفوسفات، وها هم أبناء الأردن الذين يتنفسون رمال الفوسفات ويكتون بلهيب شمس الجنوب، يرزخون تحت سياط الفقر والعوز فيما يتمصرف ويتنقل المحكوم وليد الكردي وشركائه من بلد لآخر دون حسيب أو رقيب. إن المبالغ التي حكمت بها المحاكم الأردنية والتي سرقها المحكوم عليه وليد الكردي تَصرُف لسنوات على العائلات المعوزة التي تكابد للوصول الى منتصف الشهر، وتقضي نصفه الاخر على الخبز الناشف والشاي، فما فائدة فوسفاتنا إن لم يكن لنا فيه نصيب عادل، فقد أشار تقرير لجنة تقييم التخاصية بأن إجمالي عائدات الخزينة في المتوسط من شركة الفوسفات على شكل رسوم تعدين وضرائب بلغ نحو 18% من أرباحها السنوية، إنتهى الإقتباس، بينما تبلغ حصة كاميل 37% من الأرباح، وباللغة البسيطة … فإن كاميل يستحوذ من الفوسفات على ضعف ما تجنيه الحكومة كممثل لستة مليون مواطن أردني.

وفي الختام، نشكر للدكتور عمر الرزاز وفريقه من أعضاء لجنه تقييم التخاصية بأن أكد على ما كنا ندعوا اليه، وبدون وثائق، فما بالكم لو تيسر لنا أن نطلع على التقرير الكامل للجنة … فستجدون ما لا يسر الشعب الأردني وما ينغص على المتسببين بضياع أصول الدولة الأردنية التي بنيناها طوبة على طوبة، فلن يهدأ لنا بال إلا بمحاكمة كل من تسبب بهذه الممارسة الخاطئة، فما مات ما فات، ولن يضيع حق وراءه مطالب.