ما كتبته السفيرة جوانا رونيكا بمناسبة يوم أوروبا

2015 05 09
2015 05 09

47b800cc5ed9aa51631a69786d8ee1c36c53007a“لن نتمكن من حماية السلام العالمي دون بذل جهود مبتكرة توازي المخاطر التي تهدده.” كانت تلك الكلمات الأولى التي نطق بها روبرت شومان في إعلان التاسع من أيار عام 1950.

حين دعا شومان أمم أوروبا إلى الاتحاد ككتلة صلبة تجعل من محاولات شن الحروب ضد قارتنا مهمة مستحيلة، لم تزل رسالته التي تدعو لبناء السلام مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بما يحدث اليوم. حيث وضعت دعوة شومان إلى تجاوز الانقسامات الأزلية، والتي أطلقها بعد خمس سنوات فقط من الحرب العالمية الثانية، أسس ما يسمى الآن بالاتحاد الأوروبي. وعلى مر السنين، نمت وحدتنا من ستة دول إلى 28 دولة لتصبح أكبر مسعى للسلام في العالم أجمع. وقد تحققت فعلاً أحلام الآباء المؤسسون.

لكن السلام والازدهار المبنيان على الالتزام العميق بالحقوق الأساسية والديمقراطية وسيادة القانون، أمران لا يجوز التسليم بهما. فالعمل لتحقيقهما عملٌ متواصل ومن الواجب رعايتهما وحمايتهما باستمرار. وحيث أن هاجس الحرب يعود الآن إلى قارتنا، لم تزل وحدتنا من أعظم نقاط قوتنا. عندما تنتهك القوانين الدولية وتستهان كرامة الإنسان، تقع على عاتقنا مسؤولية الوقوف مدافعين لحماية القيم والمصالح الأساسية التي نتقاسمها مع كافة شعوب العالم.

يعد الاتحاد الأوروبي مشروع يومي للسلام. لكل عضو، كبيراً كان أم صغيراً، قديماً كان أم حديثاً، مكان مضمون على طاولة تتساوى فيها الأصوات. قد يكون بناء الوحدة من صُلب التنوع أمراً مرهقاً، غير أن التعاون المستمر والتفاوض الذي يتحلى بمزايا الصبر يقودنا إلى اتفاق جماعي ثابت ثبوت الجبال. هذا ما نسعى لتحقيقه اليوم على مستوى عالمي. فقد أنشأنا “هيئة العمل الخارجي الأوروبي” (EEAS) لنعمل مع شركائنا حول العالم – في إفريقيا والعالم العربي، والأمريكيتين وآسيا – من أجل تحقيق هذا الهدف.

إن إنهاء الحروب أمر يتحقق بتجاوز الانقسامات وتوحيد الأطراف التي تعادي بعضها بعضاً. ويرتبط ذلك أيضاً بإعطاء الأجيال الشابة فرصة المشاركة في صنع مستقبلهم. وإننا لهذا السبب نقف متحدين في مجابهة التطرف والجريمة المنظمة، ومعالجة الآثار السلبية للتغيير المناخي، وضمان مستقبل الطاقة لدينا.

يعتبر عام 2015 عاماً مميزاً للاتحاد الأوروبي، إذ نحتفل فيه بالعام الأوروبي للتنمية. ويعكس هذا جهودنا ليس من أجل ضمان أعلى مستويات المعيشة لمواطنينا فحسب، بل للارتقاء بمعايير العيش العالمية ليتمكن الجميع من شرب مياه نقية، وتنشق هواء نظيف، والتنعم بأرفع درجات المعيشة وبمنتجات ذات جودة عالية. كما نعمل مع شركائنا حول العالم للاستثمار في مجالات التعليم والابتكار لكي نخلق فضاءاً من الفرص حتى لأولئك الذين رأوا النور في بيئة ملؤها الفقر والنزاع.

يواصل الاتحاد الأوروبي تولي دوراً حيوياً في العالم سعياً لترسيخ مبادئ وقيم أساسية مشتركة، وذلك بواسطة التعاون التنموي والمشاركة السياسية مع شركائنا. وفي ظل الأزمة الاقتصادية العالمية وحالة الاضطراب في المنطقة العربية، يعمل الاتحاد الأوروبي مع شركائه من أجل تحقيق السلام وتعزيز الأمن خارج حدوده حرصاً على الاستقرار الداخلي في المنطقة. كما يلتزم الاتحاد بتقديم دعم طويل الأمد لمساعي التطور الديمقراطي المستدام والتنمية الشاملة.

ويعد الأردن أنموذجاً جيداً في هذا السياق، حيث تمتد شراكتنا إلى ما هو أبعد من علاقات التعاون الثنائية والدعم المالي. إن المملكة التي حصلت على “الوضع المتقدم” لدى الاتحاد الأوروبي منذ عام 2010، خاضت العديد من الاتفاقيات التي تصب في المصلحة المشتركة لكلا الطرفين. فنحن لا تربطنا علاقة جوار فحسب، بل بيننا شراكة مستمرة منذ زمن طويل تسعى إلى مستقبل أفضل. وهنا أستحضر بكل وضوح كلمات جلالة الملك عبدالله الثاني التي ألقاها في خطابه الأخير أمام البرلمان الأوروبي: “لا يمكن لمنطقتينا وشعوبنا أن تحظى بشركاء وجيران أفضل مما يمكننا أن نوفره لبعضنا البعض. ومعاً يمكننا بناء ركائز الاحترام المتبادل التي من شأنها ضمان المنفعة المشتركة للأجيال القادمة.”. وهنا لا يسعني إلا أن أتفق مع جلالته تمام الاتفاق. إن شراكتنا وعلاقتنا مع المملكة ستبقى دائماً مرآة لمصالحنا الثنائية تتجلى فيه الأسس المشتركة التي تجمعنا معاً.

وكما هو الحال مع المملكة، يواصل الاتحاد الأوروبي دعمه لكافة الشركاء في المنطقة والعالم ابتغاء تعزيز الاستقرار والسلام. ولأن الاتحاد الأوروبي مشروع للحاضر والمستقبل، نحتفل بيوم أوروبا لنستعيد الذكريات من جهة، ولنتطلع إلى المستقبل من جهة أخرى. وعلينا هنا أن نضع السلام العالمي على سلم أولوياتنا، وهو ما أشار إليه شومان في إعلانه.

والواقع أن ذكرى إعلان شومان هي فرصة ذهبية للاحتفال بما أنجزنه الاتحاد الأوروبي من تجاوز للخلافات والنزاعات القديمة من أجل صياغة مستقبل مشرق مشترك. أتمنى أن تنضموا إلينا، حول العالم، للعمل معنا لخلق بيئة متحابة تجمع الناس من مختلف الأجناس والبلدان للعيش بحرية تمكنهم من تحقيق أحلامهم.

أتمنى لكم يوماً سعيداً في ذكرى “يوم أوروبا”!