مثلّث أبو عيد

2016 04 07
2016 04 07

د عودة (2)هكذا يسميّه أهل الجنوب منذ عشرات السنين , وهو تقاطع للطرق الآتية من معان والطفيلة وعمان , استقرّ ابو عيد , رحمه الله , فيه وافتتح بقّالة هناك , ولم يكن في المكان سواه , وكان لا بدّ للمسافرين أن يتوقفوا عنده , يستقبلهم في محلّه التجاري , يشتروا شيئا , أو يستريحوا من عناء السفر واذا أشتد البرد , وملأ بياض الثلج الارض , أو تقطّعت بأحدهم السبل , أو ادلّهم عليهم ليل , يستقبلهم أبو عيد في بيته , ينالوا كرما من رجل باش الوجه , حلو اللسان . يرحّب بالضيوف من دون ان يعرف من اين هم , او من اين اتوا , يطعمهم ويسقيهم , واذا تطلّب الامر أن يناموا ليلتهم عنده , يكون أسعد الناس , بأن منّ الله عليه في تلك الليلة بضيوف يكسب أجرهم , ولسان حاله يقول , انما نطعمكم لوجه الله , لا نريد منكم شكر , وكان الناس يتناقلون الأخبار عن حسن ضيافته , وكرم أخلاقه .

تغيّر الحال, وأصبح المثلّث جاذبا للناس , فأخذوا ينتقلون اليه من قرى يصعب الوصول اليها في الشتاء , وليس فيها خدمات جيّدة , ويفضّل بعض العائدين الى لواء الشوبك من المدن التي هاجروا اليها بسبب العمل , أو الالتحاق بالقوّات المسلّحة , بناء منزل في منطقة المثّلث والاستقرار فيه , وكثرت البيوت والمساجد والمحلاّت التجارية , وانتشرت أكثر من مدرسة فيها , وأخذت بعض المشاريع ترى النور , وكان ابو عيد , رحمه الله , ومن بعده ابناءه , يهللون كلّما بني حجر جديد ,أو ارتفع بناء من طوابق , أو شيّدت مدرسة أو دائرة حكوميّة , أو حتّى لو أنهم سمعوا عن اقامة مشاريع بعضها لم ير النور .

الذّي ينطلق الى أيّ جهة من المثلّث يرى أراضي الشوبك الزراعية , والتي تعدّ من أخصب الاراضي في منطقة الجنوب , وتتوفّر فيها مياه تستخرج من الآبار الارتوازيّة , و لذلك انشأت مزارع كبيرة وكثيرة , تنتج أجود أنواع الفواكه , وخصوصا التفّاح . ويرى أيضا قلعة الشوبك التاريخيّة , والكثير من المواقع الاثرية , وعلى الطريق الموصلة منه الى مدينة البتراء , يشاهد كليّة جامعية , أسست قبل عشرات السنين , لتدرّس العلوم الزراعية , يدرس فيها ابناء اللواء وكثير من الطلبة الوافدين اليها من محافظة معان والمحافظات الأخرى , لأنّ بها تخصصات بمستوى الدبلوم والبكالوريوس , لا توجد في كليّات أخرى , ولكن , وبالرغم من الميّزات التي يتمتّع بها لواء الشوبك فانّ كلّ قراه ومناطقه بحاجة الى مشاريع استثماريّة , تشاركية بين القطاع الخاص والحكومة , في المجالات الزراعيّة والسياحيّة , من أجل توفير فرص العمل لأبناء وبنات اللواء , الذّين لا يرغبون في المغادرة الى مناطق أخرى بحثا عن عمل .

سيبقى مثلّث ابو عيد شاهدا على أنّ الانسان يستطيع أن يؤسس , في مكان لم يكن يتوّقع أحد , أن يصبح جاذبا للسكّان , وأن يزداد فيه صخب الحياة يوما بعد يوم , وكلّ ساكنيه يتطلّعون الى حياة آمنة كريمة , تسودها المحبّة والوئام .

د . عودة أبو درويش