محاضرة للحباشنة ” تأملات في المشهد الوطني والعربي”

2015 05 29
2015 05 29

121539141_S2_-------------1- ذكرى الاستقلال

أبارك بالذكرى 69 لاستقلال البلاد، للمواطنين الاردنيين والعرب جميعا، وعلى رأسهم عميد آل البيت مليكنا المفدى، حفظه الله، وهي مناسبة رائعة نستذكر بها الجيل الذي صنع الاستقلال والذي ورّثنا دولة بكل ما تعني الكلمة، حفروا بأظافرهم موقعها وأساساتها في الخريطة الجيوسياسية… وبجهود استثنائية، حيث حولوا شح الموارد وغضب الجغرافيا الى تجلِّ وطني طموح يسعى الى التقدم والمواكبة، ويلتزم دائما بقضايا الامة، وفي مقدمتها القضية الأولى والأخيرة للعرب/ فلسطين… وأقول الاخيرة لأنّ اعادة الحق الفلسطيني انما يحمل معه حلولا لكل قضايانا الأخرى العالقة.

-2- الحالة العربية

حالة العرب بقدر أنها لا تسر صديقا، فانّها بالتأكيد تُفرح العدو، وهي حالة مثالية بالنسبة له. فقد توارى الفكر النظيف الذي يدعو الى تغليب الهوية العربية وتجسيد حقيقة الأمة في وعاء سياسي واقتصادي واجتماعي، وانهاء التجزئة كحالة استثنائية والعودة الى اللقاء كحالة طبيعية، والسعي الى نموذج عربي يحترم خصوصية أقطارنا في اطار جامع، يحقق أشواقنا ومصالحنا الواحدة كعرب.

نعم توارى هذا الفكر النظيف الطموح، وتحوّل الربيع العربي من فرصة للنهوض الى شرك للسقوط والتخلف والاندحار. وها نحن نشهد حروبا أقسى من حروب الردة، وأصعب من معركتي الجمل وصفين، ونشهد احياء لفتنة الشيعة والسنة والخوارج التي مضى عليها قرون، وكدنا أن نعتقد أنها ماتت ! نشهد حروبا مذهبية مجنونة قاتلة بلا نتائج، لن ينتصر بها أي طرف، بل سيخسر الجميع، ونفقد حتى الحلم بمستقبل افضل.

فالعرب في هذه المرحلة هم مادة لصراعات الآخرين، فايران تسعى الى مصالحها بغلاف شيعي، وتركيا كذلك تسعى الى مصالحها بغلاف سني، وبالمقابل فان الدم المهدور الذي ينسفح على روابينا وباديتنا وصحرائنا وشواطئنا وجبالنا هو دم عربي، فالقاتل والمقتول/ عرب أو باسم العرب، والمستفيد الأول اسرائيل، وتركيا تستفيد كذلك بتعظيم أملها بتحقيق مشروعها الطوراني العثماني، وايران تستفيد أيضا نحو تحقيق مشروعها الفارسي الصفوي، والخاسر الوحيد بالطبع هم العرب بكل أقطارهم وأديانهم ومذاهبهم وطوائفهم !.

هذه هي الحالة العربية، حيث يقتضي الأمر وقفة تاريخية شجاعة، تعمل على الخروج من دائرة الغيبوبة الفكرية والسياسية، يتجسد ذلك بمبادرات عربية رسمية تسعى الى جمع أطراف المعادلات الوطنية في كل بلد من بلدان الكوارث العربية، للتوافق على مناهج من شأنها وقف تلك الحروب المجنونة التي لا فائد منها لحماية الانسان العربي مما يتعرض له من ذبح ولجوء ونزوح وجوع، وانني أعتقد أن الاردن ومصر يمكن أن تكونا في مقدمة المبادرين بوقف التدهور واستئناف النهوض المنتظر.

كما أن من المطلوب أن تتحرك قوى الفكر والثقافة والسياسة ومؤسسات المجتمع المدني بمبادرات شعبية تدفع باتجاه وقف الاحتراب العربي والتوافق على برامج وحكومات يكون للكل مكانه فيها، بحيث ترص الصفوف لدحر قوى الارهاب والتشدد المتمثلة بمدعي الاسلام من دواعش وغيرهم. وهنا فانني أدعو لمساندة جهد بدأ يتبلور نحو مبادرة « لنداء عربي»، تحمل هذا المضمون وتقوم عليها شخصيات سياسية وثقافية وفكرية عربية، حيث انطلقت تلك المبادرة من عمان… وسوف تعلن عما قريب.

-3- الحالة الوطنية

ان استعراض حالتنا الوطنية في الاردن يحتم علينا أن ندقق في الجانب المشرق والجزء الممتلئ من الكأس، فالدولة الأردنية ورغم أنها تقع في عين العاصفة، وتهب عليها رياح سوداء من كل الاتجاهات، مصدرها قوى شر وتطرف وجنون، شوّهت الاسلام واختطفته، تستحكم على حدودنا الشمالية والشرقية، اضافة الى اسرائيل على حدودنا الغربية والتي لا تخفي مطامعها من قضم كل فلسطين وتهجير شعبها العربي الفلسطيني وفق سياسة عنصرية بغيضة، بالرغم من ذلك، فان بلدنا بحمد الله آمن ومستقر وواحة شكلت الملاذ لاشقائنا العرب الذين ابتلوا بنار السلاح وفكر التطرف والانقسام المذهبي.

وأعتقد أن مرد هذا الامن والاستقرار يعود الى عوامل ثلاث، أولها أن الشعب الأردني شعب واع وغير متهور دفعه الحرص على بلده أن يضع فرامل لحراكه الشعبي حين رأي ما اصاب اشقاءه، وثانيهما نظام هاشمي متسامح لا ثأرية بينه وبين شعبه، فبتاريخ الدولة الأردنية لم يسل الدم بل ولم يقتل شخص لأسباب سياسية. وثالثها مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية يقظة ومقتدرة وحرفية لم تتدخل في الشأن السياسي فكان أن صنفت بأنها للوطن ولكل المواطنين.

الا أن هناك جانبا يحمل محاذير ويمثل الجزء الفارغ من الكأس، ويتمثل اساسا بالوضع الاقتصادي والاجتماعي السائد، فالدولة تعاني من مديونية متزايدة ومن عجز تجاري ومن تعثر في الصادرات، ومن تطفيش للاستثمار «عكس ما يدعو اليه الملك» ومن بطالة وخصوصا في أوساط الشباب، وأسبابها كثيرة، منها اللجوء السوري الكثيف وعدم ربط العمالة الوافدة بالحاجة الفعلية بل وتعديها على الوظائف المخصصة للأردنيين، ومن فقر شديد بل وفئات مغرقة بالفقر.

يكتمل هذا المشهد حين أن عمان «وبالتالي الأردن» أغلى مدينة في الوطن العربي وأفريقيا ! رغم تواضع الدخول حيث أن دخول 90% من الاردنيين دون 500 دينار شهريا، وان 7% منهم أقل من 200 دينار ! بل وتعاني الدولة من تباين كبير في المداخيل، ووجود فئة قليلة تتحصل على «الجزء الأكبر من الكعكة» ويكفي ان ننظر الى تقرير أي من الشركات وبالذات التي تساهم بها الحكومة، لنرى تلك الرواتب الضخمة التي يتقاضاها رؤساء وأعضاء مجالس الادارات وذلك على سبيل المثال لا الحصر، وهو ضرب من النهب المشروع للمال العام.

-4- وبعد.. انّ الامر يحتاج الى

1. مراجعة جذرية لنهجنا وسلوكنا الاقتصادي والاجتماعي، وهي دعوة كان جلالة الملك أطلقها منذ سنوات ولم تجد طريقها للتنفيذ، مراجعة تهدف الى اعادة التوازن الاجتماعي وتعزيز الطبقة الوسطى وتشجيع الاستثمار وتوليد فرص العمل ودحر الفقر والتخفيف من هذا البون الواسع في دخول الاردنيين،

2. تحقيق مقولة أنّ الأمن بلا حرية يتحول الى قيد، وانّ الحرية بلا أمن تتحول الى انفلات وذلك في اطار تحقيق مقولة «الوحدة الوطنية» فعلا لا قولا، لأنها بتقديري هي الجدار الصلب الذي نواجه به اطماع اسرائيل التوسعية ورغبتها الدائمة والكامنة بتحويل الصراع من شكله الراهن من صراع عربي/اسرائيلي الى صراع عربي/عربي،

3. وانّ الحاجة ملحة الى قانون انتخاب يفضي الى مجالس نيابية ترى المشهد الوطني بكليته، كبديل لحالة الانحياز العائلية والمناطقية السائدة،

4.ونحتاج الى اعادة الخدمة الوطنية بطبعة جديدة تعزز روح الاعتداد الوطني لدى الشباب، وبنفس الوقت يؤهلهم لأن ينخرطوا بسوق العمل والغاء ثقافة العيب وعزوف الشباب عن العمل في الكثير من المواقع،

5. ان من الملح دفع الشباب وحفزهم الى الانخراط في العمل في الشأن العام واطاراته التي تعمل وفق القانون وتحت يافطة الدستور،

6. ومراجعة المناهج وكل ما يتسلح به الشباب من فكر في الجامعات او في المدارس او في خطب الجوامع او اماكن تحفيظ القرآن… وخلافه.

انّ هذه الافكار في المختصر هي ما تحمله وتسعى اليه ورقة «نداء الوطن» التي نأمل أن تكون عنوانا نلتقي معا عليه للتعامل مع المرحلة القادمة، وذلك من أجل أردن لكل أبنائه مستقر قوي متقدم، قادر على أن يكون عنصر قوة في الجسد العربي.

محاضرة بدعوة من بلدية وهيئات المجتمع المدني في مدينة سحاب المركز الثقافي، 23/5/2015