محمد القرعان.. الأمين المؤتمن

2015 05 14
2015 05 14

417_361145663975839_1392923746_nالحديث عن شخصية متميزة كشخصية محمد عودة القرعان ، يحتاج إلى المزيد من العلم والمعرفة عن علم الشخصية وصفاتها وطبائعها والبيئة ومؤثراتها والوسط الاجتماعي الذي عاش فيه صاحب هذه الشخصية ، كيف أثرت البيئة الاجتماعية والثقافية والفكرية والعلمية في محمد عودة القرعان لتكون شخصيته هذه التي كان عليها من الطفولة وريعان الشباب والحياة الجامعية وصناعة الفكر السياسي فيها ليكون وطنيا وقوميا في ظل أحداث حسام عصفت بالمنطقة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية وما بهدهما.

فهذه الشخصية التي ولدت في الطفيلة سنة 1916م وهي السنة التي انطلقت فيها الثورة العربية الكبرى ، حيث كان الناس بانتظار من يخلص المنطقة من الظلم والاستبداد ، ظلم الولاة واستبدادهم في فترة أصبحت فيه الدولة العثمانية في فترة الركود والمرض والانكماش ، بعد أن انشغلت في حروبها في مناطق أخرى تاركة العرب – وهم مادة الإسلام – في جهل وفقر وضياع حقوق واستنزاف لطاقات الشباب في تجنيدهم في حروب الدولة ومعاركها في غير هذه البلاد.

في هذه الظروف كانت حياة الأسرة التي ولد فيها محمد عودة القرعان فوالده لم يكن شخصا عاديا ،فقد كان معلما يحمل فكرا سياسيا لأنه كان مشتركا مع شخصيات وطنية في فترة من الفترات في تأسيس حزب وطني .

ونحن نذكر دائما في جلساتنا وحديثنا عن التعليم والمعلمين كيف نقل المعلم عودة القرعان من مدرسة صنفحة الابتدائية في الطفيلة إلى مدرسة في صنعاء في اليمن وعد هذا النقل نقلا داخليا لأن ذلك كان في عهد الدولة العثمانية وكانت هذه البلاد دائرة واحدة ينقل المعلم من مدرسة إلى أخرى دون النظر إلى بعد المسافة أو قربها

في هذه البيئة نشأت هذه الشخصية ، وتلقى تعليمه في مدارس الطفيلة بل مدرستها الوحيدة هنا ، لينتقل إلى مدرسة الكرك ومنها إلى مدرسة السلط الثانوية الوحيدة ، لينهي دراسته فيها عام 1934م ، حيث التقى على مقاعد الدراسة بالعديد من الشخصيات الوطنية الأردنية التي كانت تجمعهم هذه المدرسة حيث أصبحت موطنا لصناعة الحياة السياسية في الأردن ، ومواجهة الانتداب البريطاني والمطالبة بالاستقلال والوقوف ضد قرار تقسيم فلسطين وكل ما يحاك من مؤامرات ضدها .

بعد مدرسة السلط انتقل إلى دمشق لمواصلة دراسته الجامعية وتخرج في جامعة دمشق سنة 1940م ثم عاد إلى الأردن.

وعمل في وزارة المالية ، ثم كان”قاضي تسوية” في دائرة الأراضي حتى عام 1946م ، ولكنه ترك هذه الوظيفة مستقيلا احتجاجا على تجاوزه في الترقية ، والقوانين المتعلقة في ذلك الوقت .

. في عام 1950م عاد إلى العمل في دوائر الدولة وتحديدا في دائرة ضريبة الدخل وبقي فيها حتى عام 1958م ، حيث انتقل إلى وزارة المالية ليعمل وكيلا “مديرا” لدائرة الجمارك.ثم انتقل بعد ذلك إلى مؤسسة الإقراض الزراعي إلى أن أصبح مديرا لها

لم يرغب في الوزارة واعتذر عن قبول هذا المنصب في كل مرة يعرض عليه لأته زاهد في الحياة كما ينقل أصدقاؤه عنه ولا يحب العمل في الأضواء.

اختاره جلالة الملك الحسين رحمه الله ليكون عضوا في مجلس الملك “مجلس الأعيان ” وأول مجلس كان فيه هو المجلس الثالث عشر في الفترة 1983-1984م ثم المجلس الرابع عشر 1984-1988م فالمجلس الخامس عشر 1988-1989م والمجلس السادس عشر 1989-1993م والمجلس السابع عشر 1993-1997م وكان معه في المجلس هذا الدكتور غيث الشبيلات .

وبقي محمد عودة القرعان شخصية وطنية أردنية ، تفتخر هذه المحافظة به لأنه ابن من أبنائها خرجتهم على الوفاء والإخلاص والنقاء والنظافة والنزاهة ، فكان نموذجا ومثالا للموظف الذي يحترم عمله وأمانته، ونموذجا للوطني المخلص الغيور على وطنه ، الرافض لكل أشكال الهيمنة والذل والاستسلام.

وبقي كذلك إلى أن توفاه الله .

شخصيته ونزاهته

يقول عنه راكان المجالي في مقالة له بعد وفاته بعنوان: `أبو عودة`.. النزاهة إلى حد الطهارة:

(سمعت عن محمد عودة القرعان الكثير قبل أن اعرفه شخصيا، وأدركت أن العفوية والبساطة والتواضع هي صفات أصيلة وراسخة في شخصيته وأدركت أن ما يحظى به من احترام وسمعة طيبة هي حصيلة مواقف وسلوك يومي في الحياة حيث كان رمزا للنزاهة وعنوانا للمسؤول الذي يجسد القدوة الحسنة.

وكما هو معروف فان »أبا عودة« هو من جيل البناة الأوائل جيل الرجال الذين بنوا وأشادوا وأنجزوا تجربة دولة المؤسسات في ظل سيادة القانون، وهم الرجال الذين عملوا بتجرد ولم تكن لديهم أجندة شخصية أو محاباة أو أي شكل من أشكال الانحراف بالسلطة أو استغلال الوظيفة العامة.. ورغم أن الغالبية الساحقة كانت تعطي كل جهدها وكل فكرها بل كل حياتها للوطن إلا أن »أبا عودة« في ذلك الزمن البريء الذي لا يخلو كما هي سنة الحياة من بعض الشوائب أو مظاهر الضعف الإنساني، كان مميزا عن بقية أقرانه، فقد كان الرجل الذي استقر في ضمير شعبه بأنه الرجل رقم واحد نزاهة وتجردا دون أن يشكل ذلك انتقاصا من رفاقه ومن زملائه ومن أكثرية أبناء جيله هذا الجيل الذي كان يفخر به لأنه كان نزيها إلى حد الطهارة ومتجردا إلى درجة إلغاء الذات. (جريدة الرأي 17/2/2003م )

تلك هي شخصية محمد عودة القرعان في مجال الإدارة والعمل والنزاهة ونظافة اليد رغم أحوال الفقر وضيق ذات اليد التي كان يعيشها طيلة فترة حياته الوظيفية مذكان موظفا صغيرا في وزارة المالية حيث عمل محاسبا بتاريخ 1/12/1939م وتدرج في وظائف متعددة كان يمكن له أن يكون ثريا من أثرياء عمان ، لو سمح لنفسه وليده أن تمتد كما امتدت الأيدي الأخرى ، ولكنه آثر أن تبقى سيرته في النزاهة والكرامة على كل لسان من جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله وحتى المواطن العادي الذي عرفه وعرف نقاءه .

والمواقف والأمثلة كثيرة على نزاهته ونظافة يده ، وعدم محاباته لأحد من الناس حتى أصحابه ، ولا يكون ذلك على حساب القانون أو المال العام الذي كان تحت مسؤوليته ، ولكنه في الوقت نفسه ، لا يغضب أصدقاءه ومحبيه وقد كان هؤلاء من رموز الحركة الوطنية الأردنية مثل سليمان النابلسي وسعد جمعة وعلي مسمار وبشارة غصيب ، وبدل أن يكوّن منهم شلة لنهب المال العام كان هؤلاء الذي ذكرت في قمة العمل الوطني والمعارضة الوطنية هم من يكفلوه حين يأخذ قرضا من صندوق الأيتام لمعالجته أوضاعه المادية التي لم تكن في يوم من الأيام بخير

في الفترة التي عمل فيها محمد القرعان في وزارة المالية وكيلا للجمارك ذكر أحمد الطراونه أن قضية جمركية كانت للسيد عاكف الفايز ولم يستطع الفايز الطلب من القرعان أن يساعده لأنه يعلم نزاهته ونظافته وعدم محاباته ، فكان أن طلب من الطراونه وكان وزيرا للمالية التدخل ، فاتصل بالقرعان وامتثل لأمر الوزير ، ولكن بعد أن استفسر الطراونه عن الحل الذي قام به القرعان وهو يعرفه تبين أن صاحبنا قد دفع من جيبه الخاص المبلغ المترتب على هذه القضية ، ولما علم الفايز بذلك ذهب إليه ودفع المبلغ .

وعندما كان مديرا لمؤسسة الإقراض الزراعي كان مثالا للنزاهة والحفاظ على أموال المزارعين التي وجدت المؤسسة من أجلهم ، وهي المؤسسة التي عين الناس عليها لأخذ القروض منها ، ومع ذلك حافظ على نزاهته فيها كما حافظ على أموالها واستحق على تجربته في العمل العام أن يلقب بمحمد الأمين والمواقف كثيرة على ذلك يذكر نصوح المجالي في المقالة السابقة ” في ذات مرة طلب منه صديقه دولة المرحوم سليمان النابلسي أن يمنحه قرضا بأربعمائة دينار مقابل أية ضمانات من أرضه الزراعية في حسبان وصدقه القول انه يريد أن يرسلها لابنه »فارس« لتغطية نفقات دراسته بعد أن استنفد أبو فارس فرص الاستدانة من كل البنوك فرد عليه »أبو عودة«: إن شاء الله خير، فما كان من »أبي عودة« إلا أن ذهب إلى أحد البنوك واستدان المبلغ وبعث به إلى صديقه النابلسي ” (المقالة السابقة ، جريدة الرأي 17/2/2003م )

ومما يعكس واقع حالته المادية ليس فقط عندما كان موظفا صغيرا بل حين كان مديرا لمؤسسة الإقراض الزراعي ما ذكره معالي المهندس سمير حباشنه في ندوة عقدتها وكالة الأنباء الأردنية (بترا) العام الماضي بعنوان : الأردن دولة ورجال في معرض حديثه عن رجالات الأردن حيث تحدث عن نزاهة محمد عوده القرعان الذي عمل معه في المؤسسة ، وكانت المؤسسة تصرف لموظفيها راتب الشهر الثالث عشر ،وقد ذكر له المدير المالي أن مدير المؤسسة (القرعان) في العشرين من كل شهر يستدين من الموظفين ما يكفي بقية أيام الشهر .

ومن مواقفه وسلوكاته التي تنم عن حرصه على المال العام أنه كان يصرف سيارته الحكومية بعد انتهاء الدوام الرسمي ولا يستخدمها لشؤونه الخاصة .

كان القرعان يجمع إلى هذه الصفات في شخصيته صفات العدل والصراحة وحفظ الحقوق للموظفين الذين يعملون معه ، دون محاباة أو شللية ، وكان محاربا للفساد والمفسدين ، وحين كان بعض الموظفين في الدولة يعتقلون لأسباب سياسية في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات وكان المسؤولون عنهم في المؤسسات الأخرى يفصلونهم من العمل دون انتظار للقرار النهائي من المحكمة إلا الموظفين الذين يعملون في المؤسسة التي يكون القرعان مسؤولا فيها ، فقد كان ينتظر حتى يفرج عنهم فيعيدهم إلى وظائفهم السابقة مع صرف رواتبهم كاملة وكافة مستحقاتهم المالية .

كان يرفض الظلم إن وقع عليه أو وقع على غيره من أحد المسؤولين ، ويدفع دائما ثمنا غاليا هو فقدانه للوظيفة التي يعتاش منها فقد اضطر في 5/1/ 1946م إلى تقديم استقالته وكان يعمل بوظيفة قاضي تسوية في الأراضي احتجاجا على تجاوزه في الترقية . ولم تقبل استقالته وبتاريخ 10/1/ 1946م اعتبر فاقدا لوظيفته ، ويبدو أن هذا التجاوز في الترقية كان مقصودا ودوافعه سياسية لأنه كان من أقطاب الحركة الوطنية الأردنية والمعارضة الأردنية ، ففي هذه الفترة كان منشغلا في تأسيس حزب سياسي مع رفاقه وعلى رأسهم سليمان النابلسي ولم توافق الحكومة على ترخيصه .

يمتلك شخصية خاصة لا تستطيع العمل في جو موبوء غير نظيف ، يسوده الظلم والمحسوبية والرشاوي وغيرها ولذلك يضطر إلى مغادرة الوظيفة ، إن شعر بشائبة فساد أو ظلم ينقل محمود الكايد عن أحمد الطراونه قال: (كنت رئيسا لديوان الموظفين وكان هو عضوا في لجنة انتقاء الموظفين ،وحينما عين آخر بديلا لي استقال صاحبنا على الفور لأنه لا يستطيع أن يعمل مع أي كان ) خارج النص صور قلمية لشخصيات لها حضورها ص 98

“يقول عنه الكايد مصورا مكانته كشخصية أردنية تجاوزت مسقط رأسه الطفيلة بل تجاوزت في رؤاها الأردن إلى ما هو أبعد من ذلك ، ” إذا كان هناك من ركائز للبلد ورجالات كبار واكبوا تاريخ الأردن يوما بيوم وسنة بسنة فإن صديقنا واحد من هؤلاء الأعلام والمشاهير الذين سجّلوا صفحات بيضاء في الصدق والأمانة والنزاهة والانتماء لهذا الوطن الغالي “المرجع السابق ص 99. رفض أن يكون وزيرا لأنه كما يقول أصحابه لا يحب الأضواء ، وهو زاهد في مثل هذه المناصب ، طبيعة شخصيته تفرض عليه أن يعمل بصمت ، بعيدا عن الشهرة ، حيث صنعها لنفسه من سيرته ومسلكه وصفاته

مواقفه السياسية

كانت الأحداث التي تعصف بالبلاد بيئة صالحة لظهور حركة وطنية تطالب بالحفاظ على فلسطين وطرد اليهود وتقديم السلاح للمجاهدين وتشكلت حركة معارضة في الأردن .

وكانت مدرسة السلط الثانوية التي تخرج منها محمد عودة القرعان مركزا خصبا للوطنيين الأردنيين الذين كانوا يعقدون المؤتمرات ويشكلون الأحزاب وجماعات الضبط السياسي ضد الحكومة لتحقيق مطالبهم ورعاية توجهاتهم .

واللافت للنظر أن الشخصية التي نتحدث عنها ( القرعان ) وهو طالب في جامعة دمشق ، يشارك في الحياة السياسية ويكون في صف المعارضة مع الحركة الوطنية التي كانت لها مطالب عديدة داخلية وخارجية .

وليس غريبا أن يكون القرعان في هذا المستوى من النضج السياسي فقد كانت الطفيلة في هذه الفترة بيئة خصبة للنضال السياسي وكان لرجالات الطفيلة دورهم البارز في الحركة السياسية والمشاركة في صناعة القرارات السياسية من خلال المشاركة في المؤتمرات الوطنية وتشكيلهم للأحزاب التي كلنت تضع الهم الوطني والقومي في مقدمة أولوياتها ، وإذا عرفنا أن حكومة محلية قد شكلت في الطفيلة في فترة تشكيل الحكومات المحلية وكانت بزعامة صالح العوران وكان مصطفى المحيسن قاضيا شرعيا فيها فلا نستغرب من هؤلاء إذا ما كانوا سياسيين على مستوى الوطن ، وكان والد محمد القرعان معلما في الطفيلة وكان من الشخصيات الوطنية والسياسية على مستوى الوطن وليس على مستوى الطفيلة فقط فقد انضم للعمل الحزبي و شكل مع مجموعة من الشخصيات الأردنية حزبا أطلقوا عليه اسم (حزب الإخاء الأردني ) وذلك في 25/9/1937م وكان ممن شارك معه في تأسيس هذا الحزب رفيفان المجالي ، وموسى المعايطة وسالم عرار ، وحمد بن جازي ، وغيرهم ، ومن الطفيلة : صالح العوران وحسن العطيوي

وكان من أهم أهداف هذا الحزب ما يلي :

تحقيق استقلال الأردن

توحيد المساعي القومية مع البلاد العربية الأخرى من أجل تحقيق الوحدة العربية .

وكان أبناء الطفيلة قبل هذه الفترة قد ساهموا بتشكيل أحزاب أخرى مع شخصيات أردنية منها حزب اللجنة التنفيذية لمؤتمر الشعب الأردني الذي تأسس بزعامة حسين الطراونه في 6/8/1933 م ، وكان من رجالات الطفيلة في هذا الحزب هذا الحزب مصطفى المحيسن وصالح العوران.

وكان للمعاهدة الجائرة التي وضعتها بريطانيا مع الأردن سنة…1928م دور في نشوء هذه الحركة الوطنية الأردنية التي ناضلت من أجل إلغائها أو تعديلها بما يتفق والمصالح الأردنية ، وقد جوبهت هذه المعاهدة بوسائل متعددة منها تشكيل الأحزاب الأردنية وعقد المؤتمرات ورفع العرائض والاحتجاجات .

ففي مدرسة السلط التي درس فيها القرعان وتخرج فيها عام 1934م كانت المظاهرات والحركة الطلابية فيها فقد مثلت المعاهدة الاردنية البريطانية الموقعة عام 1928 ووعد بلفور أحد ابرز محركات الوعي السياسي لدى الطلبة في حقبة العشرينيات والثلاثينيات، …..وكانت مدرسة السلط مسرحا للمظاهرات التي قام بها الطلبة منذ عام 1928 وحتى عام 1935م وكان محمد القرعان أحد طلابها في هذه الفترة ، وقد ساهمت هذه المدرسة في تشكيل الوعي السياسي لدى القرعان فكان لقاءه بالرموز الوطنية هناك من معلمين يغذون عقولهم بالقضايا الوطنية والسياسية أما في سوريا عندما انتقل إليها للدراسة ، فقد درس الحقوق في جامعة دمشق وتخرج فيها عام 1940م وهناك كان نضوج تجربته السياسية حيث كانت هذه الجامعة ملتقى الوطنيين والأحرار العرب من مختلف البلاد ، وكانوا قد اجتمعوا على محاربة المستعمر الفرنسي والبريطاني ، وتشكلت هناك حركات التحرر والمقاومة والمعارضة لكل مخططات المستعمرين وخلال دراسته في دمشق كان الطلبة الأردنيون في سوريا ولبنان ومصر على تواصل دائم ،وقد تداعوا في ايار من عام 1937م إلى عمان ، وعقدوا مؤتمرا حضره طلبة الثانوية العامة في الأردن وهم من مدرسة السلط الثانوية واختار المؤتمرون محمد عودة القرعان ليرأس المؤتمر وخرج المؤتمر ببيان سياسي يعكس المستوى السياسي الرفيع للطلبة في هذا السن وكانت مطالبهم ما يلي :

تعديل المعاهدة البريطانية الأردنية

قبول الأردن دولة في عصبة الأمم المتحدة

تأليف حكومة أردنية دستورية مسؤولة أمام المجلس التشريعي

استنكار الحركة الصهيونية ووجودها في فلسطين والاحتجاج على قرار تقسيم فلسطين

وبعد أن عاد القرعان إلى الأردن انضم إلى صفوف المعارضة الأردنية التي كانت يتزعمها د. محمد صبحي أبو غنيمة ،وكان معه عدد كبير من الشخصيات الأردنية التي كانت تطالب بإلغاء المعاهدة البريطانية ،والوقوف ضد الوجود اليهودي في فلسطين ومنهم :

(حسين الطراونة ، الدكتور صبحي أبوغنيمة ، طاهر الجقة ، عادل العظمة ، نجيب ابو الشعر ، سليمان السودي ، راشد الخزاعي ، سالم الهنداوي، تركي الكايد عبيدات، مثقال الفايز ، بخيت الإبراهيم ، سعيد الصليبي ، حامد الشرايرة ، شمس الدين سامي ، سليم البخيت ، علي خلقي الشرايري محمد علي العجلوني هاشم خير.).

ويقول الأستاذسليمان الموسى  كتابه المشترك مع المرحوم منيب الماضي، (الأردن في التاريخ : إنعشرات الموظفين والمثقفين كانوا يناصرون الدكتور صبحي أبو غنيمة ويتعاونون معه، وهم الرموز الحقيقية للمعارضة والحركة الوطنية المناوئة للاستعمارالبريطاني وسياسته المهيمنة على قرار السلطة الحكومية والجيش والأجهزة الأمنية،

ويذكر من هؤلاء الموظفين (سعيد المفتي وبهجت التلهوني وسليمان النابلسي وفرحان شبيلات وعلي مسمار وبشارة غصيب ومحمود الخالد الغرايبة واحمد التل (أبو صعب) وعبد القادر التل ومصطفى وهبي التل (عرار) وعبدالكريم الخص وحسني فريز والدكتور محمد حجازي ومحمد عودة القرعان وصبحي زيد الكيلاني وبشير خير وسعد جمعة ومنيب الماضي ومدحت جمعة وصلاح طوقان والدكتور مصطفى خليفة وسعيد الناصر وعبد الرحيم الواكد ومحمد أخو رشيدة وصالح النجداوي وعلى الهنداوي وأمين محمد الخصاونة. ) وقد كانت هذه المعارضة منظمة ولها هيئة سرية منكبار الموظفين ،ومن أشهر أعضاء الهيئة السرية : (محمد المحيسن ، عبد الرحيم الخطيب،عبد الستار السندروسي ، عبدالله نمر الحمود ، توفيق سنو ، محمد الشريقي، عارف عنبتاوي ، أحمد التل (أبو صعب) ، علي الهنداوي ، صالح النجداوي ، سليمان النابلسي) .

وقد حاول محمد عوده القرعان مع أحمد التل وشفيق ارشيدات وسليمان النابلسي وأمين الخصاونه وغيرهم من أعضاء الحركة الوطنية الأردنية تأطير حركتهم هذه في شكل حزب سياسي أطلقوا عليه اسم (الحزب العربي الأردني)وقد تقدموا بطلب ترخيص لتأسيسه في 7/6/1946م وهو حزب يلتقي في أفكاره ومبادئه وبرنامجه ونظرته إلى القضايا العربية والوطنية وخاصة قضية فلسطين يلتقي مع الحزب العربي الفلسطيني الذي يتزعمه جمال الحسيني في فلسطين .

وتمثلت أهداف هذا الحزب وبرنامجه السياسي بما يلي

وضع دستور ديمقراطي للدولة على أساس مبدأ التفريق بين السلطات

إجراء انتخابات حرة لمجلس نيابي حر

تشكيل حكومة ديمقراطية

إطلاق الحريات وحمايتها وشجب جميع القوانين الاستثنائية .

الإخلاص لميثاق الجامعة العربية

السعي حالا لتعديل المعاهدة البريطانية الأردنية وإلغاء الاحتلال .

وعندما قدم طلب الترخيص ـ كما يذكر محمد عوده القرعان ـ رفض مجلس الوزراء ترخيص هذا الحزب والموافقة على تأسيسه .

ولكن المؤسسين لهذا الحزب رفضوا عدم الترخيص واعتبروا الحزب قائما واختاروا د. محمد صبحي أبو غنيمة رئيسا له .

لم يتوقف القرعان عن العمل السياسي ففي عام 1952م أسس مع حمد الفرحان ونجيب الرشدان وعبد الوهاب المجالي ومجموعة من الشخصيات الأردنية حركة القوميين العرب

كما كان له وجوده على مستوى الوطن وكان على اتصال مستمر فيما بعد بوصفي التل وعبد الوهاب المجالي ود.عبدالسلام المجالي وإبراهيم القطان ، ورغم اتصاله وصداقته لشخصيات شكلت الحكومات الأردنية فيما مثل النابلسي ووصفي التل وعبد السلام المجالي إلا أن كان يرفض أن يكون وزيرا ولكن هؤلاء كانوا في بيته يضعون تشكيلة الحكومة وتجري المشاورات لها عنده فقد ذكر إبراهيم القطان أن عبد الوهاب المجالي قد اتصل به داعيا أن يكون معه عضوا في الحكومة التي كلف وصفي التل بتشكيلها عام 1962م ثم أفاجأ في اليوم التالي باتصال من محمد عوده القرعان يدعوني لتناول طعام الغداء في بيته فوافقت وعند حضوري وجدت أن المدعوين هم وصفي التل وعبدالوهاب المجالي ود. عبدالسلام المجالي وتباحثنا في أمور كثيرة دعاني وصفي التل في اليوم التالي للقائه في نادي عمان ليعلن في اليوم التالي عن تشكيل الحكومة الجديدة وكنت وزيرا للتربية والتعليم فيها

الهلال نيوز