مصر: الدولة والإخوان – جمانة غنيمات

2013 07 06
2013 07 06

946يَحتدم الخلاف والانقسام اليوم بشأن توصيف ما حدث في مصر بعزل الرئيس محمد مرسي؛ بين انقلاب عسكري، أو ثورة شعبية. ويستمر طرح الأسئلة حول شرعية ما تم، وهل هو انقلاب على الديمقراطية والدولة المدنية، أم استعادة لهما.

كان يمكن القول إن ما حصل هو انقلاب عسكري لو أن الملايين لم يكونوا في الشارع، ولو أنه دُبِّرَ بليل، كباقي الانقلابات العسكرية. كما يمكن أن يقال أيضا إن الرئيس المعزول، مع كل الأخطاء التي ارتكبها، وتحديدا سياسة الإقصاء، قد جاء بصندوق اقتراع، واختاره المصريون. ما حصل أن الملايين، بغض النظر عن خلفياتهم وخلافاتهم السياسية والثقافية، بقوا في الشارع لأيام بانتظار التدخل العسكري انتصارا لهم، كما حدث أيام حسني مبارك. فيما يرى المؤيدون للحكم أنه انقلاب على الشرعية وصندوق الاقتراع.

من الموضوعية القول إن الإسلاميين فشلوا في الحكم. كانت خطيئتهم الأولى اتباع سياسة الإقصاء بحق كثير من الفئات والقوى المصرية. والأهم هو الإخفاق الكبير في إدارة الملف الاقتصادي الذي لم يقنع شباب مصر بأن ثمة ضوءا في نهاية النفق. ففي عهد مرسي شهد الوضع الاقتصادي تدهورا كبيرا، رغم الثقة الزائدة بالنفس بهذا الخصوص. ودعم ذلك استسهال الحكم وكيفية إدارة الشأن العام، وعدم تمتع الفريق الحاكم بالمؤهلات المطلوبة لإنجاز المهمة.

يتمثل الخطأ الأكبر، كما يقول خبير الحركات الإسلامية صلاح الدين الجورشي، في أنهم فشلوا في تحليل وتحديد تحديات المرحلة، بهدف استكمال الشرعية الانتخابية بالشرعية التوافقية؛ والأخيرة هي الأهم، كونها ترسخ شرعية صندوق الاقتراع.

بالضرورة، الإجابات الشافية تستغرق وقتا، وقطع الشك باليقين يتطلب الانتظار قليلا إلى حين انجلاء الصورة، وظهور ما يدين الجيش المصري أو ينصفه في حال أسس لدولة ديمقراطية مدنية، وسلّم الراية لحكم مدني يعتمد مبدأ التشاركية وليس الأحادية القاتلة. إذ عندئذ سيرفع الجميع القبعات لهذا الجيش، والعكس إن التفّ على المطالب، وأعاد إحياء الدولة العميقة بكل تفاصيلها.

شباب مصر هم الذخيرة الحيّة لحماية مطالب الثورة، ووجودهم اليوم في الشارع عنصر ضغط على الإدارة المؤقتة والجيش، للسير بتنفيذ الوعود. فهؤلاء الملايين نزلوا مجددا للشارع بعد أن أُشعروا أن مبادئ الثورة (الكرامة، والحرية، والعدالة الاجتماعية) تضيع منهم.

اليوم، ينشغل الكل بتقييم ما حدث، رغم أن المهم هو مستقبل مصر الذي يرتكز على ما سيأتي؛ سواء من قبل الإدارة المؤقتة أو من الإسلاميين الذين أثبتت التجربة عدم قدرتهم على الحكم بعد عقود من الإقصاء، لم تنفعهم أبدا في تجربة الحكم.

بعض الأنظمة فَرِح وهلل لسقوط الإخوان في مصر بسرعة فاقت التوقعات. والجيش بدأ المرحلة الجديدة بأخطاء منها إغلاق بعض القنوات الفضائية، والبدء بحملة اعتقالات للإخوان. وعلى الناحية الأخرى نرى الإسلاميين مستفزين وغاضبين، يكيلون الاتهامات لمن ينتقد التجربة، وكأنهم معصومون من الخطأ وفوق النقد، وهم بذلك لا يختلفون عن السلطة وأنظمة الحكم التي لا تقبل النقد، ويظنون أن الدنيا لونان: أبيض وأسود.

الأنظمة ترى أن عصر الإسلاميين ولّى، وأن “موضة” الحكم هذه قد انقضت، وتُمنّي نفسها بأن ما حدث ليس إلا سحابة صيف غادرت بلا عودة. أما الإسلاميون فيظنون أن ثمة مؤامرة كونية ضد تجربتهم، ويغضون الطرف عن أخطاء ارتكبوها بحق المصريين.

بالمحصلة، تخطئ الثنائية التاريخية بين الدولة والإخوان في تقييم الحالة ونتائجها، ويبقى تفكيرهما محصورا في إطار تبادل الاتهامات وتقديم الحجج كل ضد الآخر.

ما يغيب عن الطرفين أن ثمة شعوبا استفاقت وتحلم بأوطان وقيادات تسمع صوتها، وباتت ترفض أن تكون أداة يستخدمها الطرفان متى شاءا، كل لمصالحه.

الكل يفسر ما حدث وفق هواه ومصالحه، ويتناسى أن الثورة ليست خطوة واحدة، بل هي أفعال وردات فعل كثيرة، حتى تستوي الأمور، ويتحقق للشعب ما يريد. jumana.ghunaimat@alghad.jo ( الغد )