“مصلحة المواطن والوطن” من وجهة نظر ابو حسين

2013 10 13
2013 10 13

13عمان – صراحة نيوز – “مصلحة المواطن وصالح الوطن” عبارة تلخص المغزى من التوجيه الملكي السامي للحكومة للنظر والتعاون مع مركز الملك عبدالله الثاني للتميز على أنه أداة ووسيلة لتقييم وتحسين الأداء والمساءلة، وهو ما يتطلب التزاما حكوميا بمشاركة جميع المؤسسات بشكل فاعل في برامج المركز وجوائزه.

هذا التوجيه الملكي سبقه دعوة من جلالته للحكومة في خطاب العرش في شباط الماضي ان تبادر لإطلاق ثورة بيضاء تنهض بالأداء العام لمؤسسات الدولة ضمن خطة واهداف معلنة، الى ان وضع جلالته الحقيقة نصب أعين الجميع “بأن الإدارة الأردنية التي حظيت في السابق بمكانة رائدة في تميزها، شهدت مؤخرا تراجعا في الأداء وترهلا غير مقبول يجب العمل على تداركه وإصلاحه خدمة للوطن حاضره ومستقبله” عبر مأسسة ثقافة التميز في الجهاز الحكومي للنهوض بأداء القطاع العام.

مختصون قالوا ان واقع الامر يحتاج الى تشخيص، ومقارنته بما وصل اليه الآخرون وبعد ان تحدد تطلعات ورؤى وتوجهات القيادة المراقبة للتطورات في العلم في هذا المجال، وعلينا ان نعمق مفهوم العمل الجماعي الداعي لتعظيم التخطيط والتنفيذ المشترك، وأن نعيد النظر بالعلاقة التعاقدية بين الرئيس والمرؤوس على ارضية كلنا شركاء في تحقيق النجاح، والتأكيد على اهمية بناء وتطوير انظمة تقييم الاداء الفردي والمؤسسي والتكريم والمحاسبة بعيدا عن الموروث المجتمعي الذي تؤطره الرغبات الفردية والمنافع الخاصة.

خبير الاستشارات والتطوير المؤسسي الدكتور موفق الزيادات قال: عندما يشخص جلالته الوضع الراهن ويصفه بالتراجع فإن ذلك نقد علمي قائم على استبصار الغد الآتي، لذا فإن اطلاق برنامج للتميز من خلال جائزة تنشيطية للقطاعات المختلفة وخاصة القطاع العام، هو جزء من مسيرة الاصلاح الحكومي والاداري والانتقال بمؤسساتنا الى افضل الممارسات المعمول بها حكوميا على الصعيد الاقليمي والعالمي، الى ان كرست الممارسة ازدواجية بإدارة الاداء اعتمدت نهج التحضير لمتطلبات نيل الجائزة وابقت حال العمل الاداري الروتيني بصورته المألوفة، أي كرست ثقافة لم يرد لها جلالة الملك ان تكون فأصبح الهدف نيل الجائزة بسباق العمل المؤسسي لا تطوير وتحسين العمل بما يجذر ويعزز ثقافة التميز.

واضاف ان على المؤسسات ان تترجم دعوة جلالته الى برامج عمل حقيقية تسير بخط متواز بين الحماس قصير المدى والاستدامة التطويرية القائمة على التخطيط طويل المدى القائم على الحقائق العلمية والقياسات السابقة لمستويات الاداء.

وقال ان تطوير الاداء في جميع مؤسسات الدولة يحتاج الى وضوح في الرؤية الجماعية، وتحديد اهداف ذكية قابلة للقياس، وإعادة التوازن بين مدخلات ومكونات النظام الوظيفي وخاصة تعيين واستقطاب الموظفين الأكفياء، وترجمة القيم الى سلوكات حقيقية أساسها النماذج القيادية في العمل المؤسسي، وتفعيل الحاكمية المؤسسية (المساءلة والمحاسبة والشفافية) اضافة الى الاستفادة من موارد المؤسسة لإذكاء الابداع والابتكار على ارضية التحفيز والتكريم العادل من اجل تطوير وتحسين الاداء المؤسسي وتميزه.

وقال الدكتور زيادات ان الهدف الرئيس من جوائز التميز هو الانتقال المخطط له من ثقافة مؤسسية ترتكز على البيروقراطية في تقديم الخدمات وتفرد العمل الاداري الى ثقافة مؤسسية تركز على المتعاملين وتقوم على تجويد الخدمة بشكل يفوق توقعات المعنيين كافة، وهذا يتطلب قدرة فائقة على ادارة التغيير والعمل بروح الفريق للسير في رحلة لا منتهية على طريق التميز بتغيير نماذج قيادية يحتذى بها تمتلك منظومة اخلاقية وقيمية تؤثر بكافة المعنيين من موظفين ومتعاملين، وتنعكس بسلوكات جماعية قادرة على تفهم معنى التغيير المنشود وتذلل التحديات الناجمة عن مقاومة التغيير، وهذا لن يتأتى الا من خلال اعادة النظر بنموذج الاعمال– إن وجد- الذي تطبقه تلك المؤسسات وتخضعه للنقد والتطوير والتحسين بشكل مستمر.

وزاد ان مأسسة ثقافة التميز هي خيار لكل من ينتمي لثرى الوطن ويدرك كم التحديات التي تعترض مسيرته، والبداية بتحليل واقعي لبيئة العمل ترتكز على فهم القدرات الحقيقية للمؤسسة وطبيعة عملها والأهداف التي أنشئت من أجلها، وفهم حقيقي للاتجاه المستقبلي الذي نخطط لبلوغه تحقيقا للتطلعات.

واضاف كما ينبغي على تلك المؤسسات لضمان عوامل النجاح ان تنتقل من عقلية التقوقع الى عقلية الاشراك والانفتاح والتخطيط مع كافة المعنيين لدراسة احتياجاتهم وتطلعاتهم بدءا من الداخل مرورا بالقطاع وانتهاء بالمجتمع الاكبر، والأهم من ذلك بناء وتطوير الانظمة الداعمة للنجاح مثل انظمة الموارد البشرية الداعمة للإبداع، مرورا بتحسين وتبسيط العمليات التي تخفف العبء على المتعامل، وانتهاء بأنظمة الحوكمة الرشيدة التي تضمن قاعدة وسلامة العمل الاداري الاخلاقي القائم على ترسيخ سلوكيات العدل والمساواة والشفافية.

واشار الدكتور زيادات الى ان المواطن الاردني يشهد له اقليميا وعالميا بقدراته وتميز مهاراته، فلماذا يتدنى مستوى تميزه الوظيفي داخليا؟.. ببساطة مطلقة ينقص الموظف من المستوى القيادي الدعم ونقل الخبرات والمعارف وتفويض الصلاحيات بمفهومها الاداري، وخطط الاحلال الوظيفي ووضوح المسار الوظيفي أمام الموظف، والاهتمام ببيئة العمل القادرة على اطلاق الامكانات الابداعية الكامنة لدى الموظفين بجو يسوده التحرر المنضبط والاقتراح المرحب به، وتبني المقترحات التطويرية على قاعدة الحقوق الملكية الفكرية وتعظيم التحفيز والمكافآت والتركيز ثم التركيز على العمل الفريقي لا العمل الفردي المتفرد.

وبين انه على الرغم من كل اشكال التحديات القهرية التي تمارس على الموظف وفقا للهرم الوظيفي الا ان الكثير من موظفي القطاع العام يشار اليهم بالبنان وتؤثر انجازاتهم ايجابا في مسيرة عمل مؤسساتهم لكننا نحتاج الى تعظيم العدد والكم والانتقال من قاعدة المتميزين 20 : 80 من مجموع الموظفين، الى 80 متميزين : 20 اقل تميزا.

وللنهوض بالجهاز الحكومي قال: نحتاج الى جلسات مطولة من العصف الذهني والتأمل والتفكر ليس فقط لأصحاب الرؤى السياسية بل وكذلك الادارية والاجتماعية والاقتصادية باستغلال العوامل الدافعة للنجاح والتي تبدأ من الرؤية الاستراتيجية الموحدة للقطاع الحكومي، بمعنى على أي صورة نود ان نرى قطاعنا الحكومي مستقبلا “هنالك دول انتقلت من الحكومة الالكترونية الى الحكومة الذكية ونحن ما زلنا بطور متوسط في بلوغ الحكومة الالكترونية”.

ودعا الدكتور زيادات الى تفعيل الشراكة الحقيقية بين كافة مؤسسات القطاع الحكومي مبتعدين عن عقلية الأنا المؤسسية، وأن ننظر الى الاتجاه العالمي واتجاهات السوق سيما فيما يتعلق بالمشروعات الخضراء بدءا بالاجتماعات الخضراء وسياسة المكاتب الخضراء واستخدامات التكنولوجيا والابنية الخضراء لضمان الاستدامة في ظل شح الموارد وهذا لن يتأتى الا من خلال اعادة النظر بمؤهلات الموظف الذي نريد والكفاءات من المواهب البشرية الواجب علينا تطويرها وتنمية جدارتها وكفاياتها لمواكبة تلك المتغيرات.

وطالب الدكتور الزيادات وهو قائد فريق تقييم معتمد من المجلس الاوروبي للجودة وعدة برامج مختصة بإعادة القطاع الحكومي الى نشاطه الثقافي – العلمي واعادة الهيبة المعرفية والانتاج المعرفي لمؤسساته عن طريق تنشيط البحوث العلمية وصولا للمؤسسات المتعلمة كأحد منتجات الاقتصاد المعرفي التطبيقية، وتنشيط بيئة اجتذاب المؤتمرات العلمية الاقليمية والعالمية والتركيز على قوة وطننا الطبيعية والاستفادة من جغرافيته الفريدة ومجالات تميزه الدينية والعلاجية والسياحية والتعليمية بالشكل الاساسي.

ورأى أن هناك ملاحظات يجب معالجتها القطاع الحكومي منها غياب انموذج الاعمال الخاص بالقطاع الحكومي والمطور لكل مؤسسة في القطاع وفقا لمجال عملها، وقلة الثبات الزمني لشغر الوظائف في المستويات القيادية، غياب المساءلة والمحاسبة على ضوء مستويات الانجاز الكمية والنوعية للمستهدفات التي تم تحديدها وفقا لخطط العمل طويلة ومتوسطة وقصيرة المدى، وضعف ترجمة المنظومة القيمية المتبناة الى سلوك وظيفي قابل للقياس والنقد والتحسين، وغياب البيئة المحفزة للابتكار والابداع وثقافة القياس القائمة على الالتزام بتنفيذ برامج التحسين والتطوير المستمر.

استاذ الادارة العامة في كلية الاقتصاد والعلوم الادارية بجامعة اليرموك الدكتور احمد حسن الشياب قال ان ثقافة التميز تقوم على أركان رئيسة يشترك فيها المؤسسات والافراد وفق منهج حكيم راشد، يؤسس لبناء مجتمع متميز بحيث ينعكس ذلك من خلال مناهج التعيين والعمل في المؤسسات ويسوغها الافراد لتنفيذ مهماتهم بشكل مخلص وأمين يكسبها صفة التميز فعلاً لا قولاً، ويحتاج هذا الى تكوين ارادة التميز وتنفيذ برامج وخطط وطنية متميزة يلمسها المواطن في كل المواقع، فلا خيار بين الضعفاء في صفاتهم وقدراتهم يبعث على التميز.

وقال ليس هناك ما يمنع وجود متميزين في القطاع العام اذا أحسنا الاختيار في مواقع القيادة والمسؤولية ذات المساس بالوظائف المباشرة لهذه المؤسسات، ولا ينطبق ذلك على ما هو قائم في مؤسساتنا التي تخلو من وجود هذا الهدف حيث تسير هذه المؤسسات بشكل روتيني.

واقترح الدكتور الشياب للنهوض بالجهاز الحكومي اختيار الكفاءات القادرة علمياً وأخلاقياً على بعث العوامل الخلاقة في نفوس المواطنين المتعاملين مع مؤسسات القطاع العام بشكل مباشر لخلق الدافعية لديهم والابتعاد عن الاختيار القائم على أسس لم تقرها حتى الادارات البدائية في ميادين بناء المجتمعات في قطاعاتها المختلفة.

فالأسس الأسرية والعائلية والفئوية والقطاعية هي التي تحول دون النهوض بأي قطاع، وتجعل من القيادات المكلفة قيادات هرمة عاجزة لن يسعفها سرج ولا حصان.

ورأى ان مقولة جلالة الملك عبد الله الثاني “ان الادارة الأردنية حظيت في السابق بمكانة رائدة في تميزها” في مكانها تماما، لأن الناظر المتأمل في الادارة الاردنية السابقة يجد أن المسؤوليات التي أنيطت لبناء الدولة الأردنية عهد بها الى رجال أكفياء يعرفون معنى بناء الوطن، فكانوا يعتمدون في بنائهم للوطن على قدرات تتكافأ مع حجم المسؤوليات وحجم الوعي الوطني وحجم الفهم للمهمة، لم تقم نظرتهم على عوامل مادية أو مصالح تتناقض تماماً مع مهمة البناء بادعاء أن ذلك يخدم المصالح الوطنية.

واضاف، هذا أدى بدوره الى بناء ادارات مهنية تتكامل بالحقوق والواجبات التي تتطلبها المصلحة الوطنية، لا تنطلق من مصالح ضيقة بعيدة عن المفهوم الصحيح لمتطلبات بناء الوطن وبناء مؤسساته والذي أدى الى ترهل غير مقبول وهذا يحتاج لمعالجة تقوم على اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب فعلاً لا قولاً وليس اختيار المكان المناسب للرجل غير المناسب، وهو بحد ذاته يعتبر واحدا من أدوات تطوير الادارة في جميع مؤسسات الدولة لاسيما اذا أخذنا بالاعتبار توفر الارادة لذلك والمؤهلات للكفاءات المطلوبة لهذه المرحلة وغيرها من المراحل التي يستهدفها التغيير.

واشار الى ان مبادرة جلالة الملك بإعلان هذا الخطاب الاداري الثوري فهي دعوة للحكومة (أية حكومة) للالتزم بالأداء الوطني والتطوير والبناء للمستقبل للتخلص من الوضع الاداري المترهل والنهوض بالأداء الحكومي في قطاعه العام، وذلك يعتبر تقييما للقائم من الأعمال التي تسودها العشوائية والعبثية الادارية من مدعي قادة الادارة، وهم بعيدون كل البعد عنها وعن المفاهيم الادارية والأسس التي تعتمدها المؤسسات ذات القيمة العلمية في تقييم الترهل ووضع الطرق والخطط المناسبة للقضاء عليه والبناء للمستقبل.

ونوه الدكتور الشياب الى ان الاستثناءات في بناء منظومة الادارة الحديثة سواء ما يتعلق منها بالتقاعدات أو إعادة التعيين أو ايجاد المبررات والحجج، واطلاق مسميات كثيرة هي العامل الاخطر من كل ما ذكر، ويبتعد بالمجتمع عن حالة التقييم الحقيقي لأوضاعه وأسباب ترديه وترهله.

اما المحلل الاقتصادي والخبير المالي عبد المنعم الزعبي فأكد ان الجهاز الحكومي يعاني من ترهل اداري اثر سلبا من جهة على جودة الخدمات الحكومية ومن جهة اخرى على موازنة الدولة.

ورأى ان الامر ينطوي على مفارقة هنا وهي ان تضخم الجهاز الحكومي والذي بات يشكل 40 بالمئة من الاقتصاد الكلي لم يترافق مع تحسن نوعي في الخدمات الحكومية خاصة على صعيد التعليم و الصحة، بل ان وصول النفقات الجارية على الرواتب الى 80 بالمئة من موازنة الدولة لم يمنع غياب الكوادر التعليمية في معظم مناطق المملكة ونقص الاطباء في اخرى، و هو ما يعكس ترهلا اداريا غير موجه و بلا اهداف و لا تخطيط.

واشار الزعبي الى انه بالترافق مع تراجع مستوى الخدمات الحكومية، شكل الترهل الاداري ضغطا على موازنة الدولة مانعا اياها من التوسع في انفاقها الرأسمالي ما اضعف من عجلة النمو ومستويات التنمية المحلية.

وقال ان اهم الحلول المقترحة إعداد خطة شاملة لإعادة توجيه الموارد البشرية في الجهاز الحكومي نحو ما يحقق اهداف التنمية المستدامة ويغطي مواطن النقص والخلل في مختلف الوزارات والهيئات الحكومية وعلى سبيل المثال يمكن توجيه جزء كبير من البطالة المقنعة نحو التحصيل الضريبي ويمكن اعادة توزيع المعلمين على المحافظات لسد النقص في التخصصات المطلوبة والمناطق المحتاجة.

واقترح الزعبي ان تلتزم الحكومة بوقف كافة اشكال التعيينات والسيطرة على مؤسساتها المستقلة بالخصوص، كما يمكن ان تلعب عملية اعادة دمج المؤسسات المستقلة دورا ايجابيا في سيطرة العقل المركزي للحكومة على توجيه الموارد البشرية.