معاناة – احمد محمود سعيد

2013 10 05
2013 10 05

671الاردنيون يعانون بعد ان طقّ عرق الحياء

الشعب الاردني تحكمه قيم ومبادئ الاسلام تعوّد عليها المواطنون منذ تأسيس الدولة الاردنيّة التي بدأت بإمارة شرق الاردن وثمّ بتأسيس المملكة الاردنيّة الهاشمية التي حلّقت بجناحيها الشرقي والغربي منذ اندماج الضفتين عام 1950 كيف لا وقد قادها ملوك هاشميّون ينتهي نسبهم الى احسن خلق الله على الارض .

ومع وقوع الصاعقة على رؤوس العرب ومنهم الاردن عام 1967 حيث كُسر جناحها الغربي بالاحتلال الاسرائيلي وكان عليها ان تُحلِّق بجناح واحد وبمزيد من المواطنين الذين وفدوا من الضفّة الغربية المحتلّة الى الضفّة الشرقية ونجح الاردنيون باستعادة هيبتهم وكرامتهم بعد ان تراجعت في حرب الساعات الست وكان لنا ما اردنا في معركة الكرامة خالدة الذكرى عام 1968 .

وبعد ان حاول العدو وزرّاع الفتنة من الداخل وبايحاء من الخارج ومن اناس ولائهم لقوى خارجيّة في العالم العربي وخارجه فكانت سنوات صعبة اجتازها الاردنيون بالصبروتحمّل الظلم من العرب اللذين اعطوا لمنظمة التحرير الفلسطينية بكافة فصائلها مهمة تحرير فلسطين وخاصّة الضفة الغربية وقطاع غزة لتأسيس الدولة الفلسطينية العتيدة التي لم تشرق عليها الشمس حتى الان وبالامس فقط ولاول مرّة سمحت المحكمة الاسرائيلية لاهالي برقة الفلسطينية قرب نابلس استعادة حق استخدام اراضيهم التي استولى عليها الجيش الاسرائيلي قبل خمسة وثلاثون عاما بحجّة انها اراضي عسكرية فهل يستطيع الفلسطينيون في برقة استخدامها ام سيعجزهم المستوطنون ويمنعونهم من استعمالها وهذا مثال للتعنّت اليهودي فهل تقدر المنظّمة ومن بقي على العهد فعلا وليس قولا لفلسطين التاريخية بعد ان تلّهى الشباب الفلسطيني بجمع الفلوس بالحلال والحرام وبالكورة والاغاني ولم يبقى سوى المجاورين للحرم المقدسي بالقدس والابراهيمي في الخليل فهم الذين يفتدون المقدسات بارواحهم والباقون من فلسطينيون وعرب متفرِّجون بل نائمون نومة اهل الكهف .

وعدّل الاردن اوضاعه بفك الارتباط الاداري والقانوني مع الضفّة الغربيّة عام 1988 ما عدا المقدّسات في القدس الشريف حيث يتشرّف الهاشميون برعايتها واعاد الحياة البرلمانية بعد تعديل الدوائر الانتخابية وبعض التشريعات .

ومنذ ذلك الزمان بدأت تظهر علامات الغنى والثراء السريع على بعض الفئات في الضفتين مثل تجّار الاراضي والعقارات والمسؤولين الحكوميّين والمتنفِّذين في الدولة ومع ان تلك العلامات كانت خفيفة إلاّ انها كانت في تسارع مضطرد بحيث زاد عدد الفاسدين وحجم الفساد المالي والاداري خاصّة في التعيينات في الحكومة والاجهزة الامنية والتعليم الجامعي وقامت اول هبّة شعبية على الحكومة الاردنية بسبب الغلاء ورفع اسعار الخبز عام 1989 التي اسقطت الحكومة ونُظِّمت انتخابات نيابية وبعد ذلك انشغل الاردن كباقي العرب في قضيّة احتلال العراق للكويت ولحق الاردن اذى لعدم فهم الموقف الاردني الذي كان يرفض بشدّة احتلال الكويت وحاول جهده ان لا يحدث ذلك وبعد الاحتلال حاول حث العراقيّين بسرعة الخروج لكي لا يدمّروا بلدهم ولكن العنجهية سادت وذهب العراق ادراج التقسيم والتدمير وتحمّل الاردن العائدين من الكويت وبعد ذلك ازداد الفساد في البلد وتوسعت رقعته وارتفعت مديونيّة الدولة وعجز الموازنة لارقام غير مسبوقة وزاد من التحديات مرض قائد البلاد رحمه الله واستلم الراية بعده جلالة القائد عبد الله الثاني اطال الله في عمره وباشر في تعلية ما بناه الحسين رحمه الله .

واستمرّت سياسة النظام في الاردن بارضاء الخصوم والزعلانين بتعيينهم بالمواقع المتقدِّمة وهي سياسة عدم الاقصاء وعدم الابعاد لاي طيف او حزب او مجموعة او فرد جامح او غيرهم بحجّة ان السياسة الاردنية والحكومة الاردنية والمناصب العليا تستطيع استيعاب الجميع وهكذا استشرى الفساد وانهك النسيج الاردني وآل الناس الى طبقتين احدهما معدمة تندرج حياء مع ما يسمى الشريحة الفقيرة والاخرى الشريحة الغنيّة والتي تضم كبار الموظفين في القطاعين العام والخاص اضافة للصوص والفاسدين في المجتمع وهذا أدّى كما في المجتمعات العربية الاخرى لىتصنيفات مختلفة على مر الازمان مثل الرجعية والتقدمية , العميلة والوطنية , الشريفة والفاسدة , المنتمية والمرتمية في حضن الخيانة , وغيرها من التصنيفات التي لا تبني اوطانا وإنما تهدم أمما بحالها وهذا نتيجة تغلغل الدول المعادية وخاصّة اسرائيل في مجتمعاتنا وقدرتها على شراء ضمائر البشروتغيير مفاهيمهم وقناعاتهم إضافة لقوّة اغرائاتهم .

وفي عام 2011 تغيرت الصورة تماما بدءا من حادثة حرق البوعزيزي لنفسه في تونس لرفض موظّفة البلدية اعطائه ترخيص ليبيع في السوق ادى الحريق لموته بعد ايام وقيام حركات غضب واعمال شغب ادت الى فرار الرئيس وتغيير القيادة الحاكمة واستشرت تلك الشرارة وامتدّت عبر الحدود الى ليبيا ومصر وغيرها من الدول في مسلسل كأنه مدروس وموجّه الابعاد بل ومحدّد النتائج ومجهّز البدائل وهكذا حتّى انتهى الجزء الاول منه بالدراما السوريّة التي اوضحت شيئا من التفسيمة للمنطقة بين الشرق والغرب , ذلك الربيع الدامي الذي ازهق حتى الان ما يقارب من مائة وثمانون الف قتيل عربي على امتداد ساحات الربيع الدموي وما زال الحبل على الجرار وما زال الاردن يعاني من تامين الايواء لمئات الآلاف من اللاجئين السوريّين على اراضيه.

وتميّز ذلك الربيع بتحقيق الحلم الغربي المعادي بتكريس العداء الاسلامي بين الستّة والشيعة في الشرق الاوسط واوصلت شعوب وحكام الدول العربية وخاصّة المحيطة بإسرائيل الى قناعة ان لا بدّ لها من التحالف مع الكيان الصهيوني لضمان الإستمرار بالعيش الكريم لها حسب المفهوم الصهيوني .

وقد لجأ الاردن إلى المبادرة بإصلاحات تشريعية وإدارية ودستورية لكي تتجاوب مع الرغبة الملكية والمطالب الشعبية وتم تغيير الحكومات بشكل متسارع ومحاولة البعد عن النمطيّة في اختيار رؤساء الحكومات بشكل تقليدي فكلّف جلالة الملك احد البرلمانيّين المخضرمين الرافضين منح الثقة للحكومات الاردنية والرافضين للكثير من القرارات الحكوميّة وهو دولة عبدالله النسور وقد اوشك على منتصف السبعينات من عمره ومشهود له بنظافة اليد خلال تبوئه الكثير من المراتب العليا في الحكومة وقد استبشر المواطنون خيرا واعتبروا ان مرحلة الإصلاح الحقيقية والتخفيف على معيشة المواطنين قد ابتدأت خاصّة ان تلك هي رغبة الملك وتوجيهاته المتكرّرة للحكومات السابقة .

ولكن وقع ما لم يكن في الحسبان فبدل من ان تتغير السياسات الحكومية لتعمل على التسهيل على المواطنين والتضييق على الفاسدين فقد عملت بالعكس حيث غيّر الرئيس ما عُرف عنه من نزاهة بحيث ضيّق على المواطنين في عيشهم المرير وفشلت في التضييق والكشف عن الفاسدين ومحاسبتهم .

وهكذا وقع المواطن في الفخ فاختيار الوزراء كان بنفس الطريقة بل اسوأ من ذي قبل واسعار السلع ارتفعت بجنون واصبحت المعيشة لا تطاق للكادحين بل ولبعض من الطبقة الغنية وبقي دولة الرئيس ووزرائه وبعضا من كبار الموظفين ذوو الرواتب والمداخيل والعلاوات المُتخمة غير شاعرين ببرد المواطنين وجوعهم وشعر المواطنون انهم شربوا المقلب واصبحوا من البائسين واصبح الاغتراب والهروب خارج الوطن هو الطموح بل الحل للشباب القادر على العمل الذي لا يطيق الظلم ولا يجد العدل في وطنه وقد سارعت الحكومة لاضافة كلمة المغتربين لوزارة الخارجية كديكور بلا مضمون .

ومن خلال ما يجري وبعد ان طقَّ عرق الحياء نرى ان الفساد استشرى ونهب البلد ولا رادّ له لأنّ الكثيرين من الفاسدين هم من اصحاب القرار في الحكومات المتكرِّرة ولا يمكن ان يتخلّوا عن مكاسبهم او يُعرّضوها للخطر ولا يمكن لأي رئيس ان يحاسبهم لأنهم اقوى منه كما ان الوضع المالي للبلد لا يمكن ان يتعافى إلاّ بتغيير جذري للسياسات والخطط والبرامج الاقتصاديّة افضل من ان يتحوّل البلد لتبعيّة احدى الدول او مجموعة دول القادرة ماديّا او إقتصاديا اي بالتبنّي وليس بصفقات التنازل المستمرْ .

حمى الله الاردن ارضا وشعبا وقيادة من اي اخطار ورزقه  الصالحين من ابنائه ليديروا شؤونه .