مفهوم التعصب ..د سهام حلوة

2014 01 12
2014 01 12

مفهوم  التعصب بين البيئة المحيطة …. والفطرة ___ê___ê 1

إن واقع التحولات السياسية والاجتماعية التي تمر فيها منطقتنا، قد تم استغلالها من قبل أعداء هذه الأمة من أجل تغذية الفتنة الطائفية والإقليمية؛ معتمدة على سلاح فتاك وهو التعصب.  من هنا فقد ارتأيت أن أكتب عن هذا المرض للمساهمة ولو بجزء بسيط في الجهد الذي يبذله المثقفون  وأصحاب الرأي لمعالجة هذه الظاهرة الخطرة. يرفض معظم الفكرون مفهوم التعصب ويعتبرونه جزءاً مغايراً لمفاهيمهم، لذلك يشخصونه كشكل من أشكــــال الباثولوجية الاجتمــــاعية (مرض اجتماعي)، أو هو اتجـــــاه نفسي جامد (مشحون انفعالياً) ضد جماعة أو شيء أو موضوع، وهو لا يقوم ولا يرتكز على أساس منطقي أو معرفة كلية أو حقيقة علمية اذا فهو صعب التعديل. كما أنه يرتكز في كثير من الأحيان على الخرافات والأساطير فيضيق من رؤية الجماعة أو الفرد فلا يرى الأمور بإطارها الشمولي, وبذلك فهو يشوه إدراك الواقع ويعمم نتائجه المغلوطة على أفراد الجماعة. فالتعصب يحكمه موقف معادي ضد الجماعات الخارجية, خاصة عندما لا يكون هناك تفاعلاً مباشراً بينها وبين جماعات أخرى. أن التعصب هو تلك المعتقدات والاتجاهات المتعلقة ببعض المساوئ التي يراها فرد أو جماعة ضد أقلية عنصرية قومية أو دينية فهو مشكلة حيوية في التفاعل الاجتماعي، يترك أصحابه على مسافة بعيدة عن التطور المتلاحق للبشرية. ويعتبر حاجزاً أمام كل فكر جديد، ويعزل أصحابه عزلاً يكاد يكون تاماً عن الواقع المحيط, وتتجلى أبرز صوره في التعصب العنصري والديني والقومي. إذا التعصب ظاهرة مكتسبة، فليس هناك أي دليل على وجوده غريزياً أو بالفطرة, فهو انفعال نفسي تحدده المعايير والقيم الاجتماعية المكتسبة عن طريق الوالدين والتربويين وأعوام التنشئة ووسائل الإعلام بقصد أو بدون قصد, فهو ينمو مع الفرد بالتدريج عند ملاحظة الأخير اختلاف جماعته أو دينه أو معتقداته عن الجماعات الأخرى. عندها يصبح الفرد مستعداً لملاحظة الفروق الاجتماعية أو الدينية بين جماعته أو دينه والآخرين, ولا يتطلب ذلك وجود احتكاك مباشر مع الجماعات أو المرور بتجارب أليمة مع الآخرين, مع أن  التجارب الأليمة تعزز وجود التعصب المكتسب, والتعميم يلعب دوراً هاماً في تثبيت دعائم التعصب ضد الآخرين، لأن الفرد يكتسب أسباب وجذور التعصب في المراحل الأولى المبكرة من حياته, حيث يبدأ بالتمترس خلف ذاته ومن ثم حول أسرته وأخيراً جماعته وينمي شعور النحنوية ( مصطلح خاص بالدكتور سمير عميش ) لديه. إن وضوح المسافة الاجتماعية بين جماعة المتعصب والجماعات الأخرى مرهوناً بشكل خاص في التربية والتي تكون السبب الرئيسي في (الشحن الانفعالي) السالب ضد الآخرين خاصة إذا كانوا يختلفون عن جماعته في  المعايير والأخلاق والدين, مضافاً إلى ذلك الجذور التاريخية للتعصب والتي حكمتها أحداث وظروف تاريخية.

ومن خلال ذلك فهو يؤدي وظيفة نفسيه خاصة تتلخص في التنفيس عما يعتلج في النفس من توتر وكراهية وعدواناً مكبوت عن طريق عملية الإزاحة والإبدال ونفي الآخر ومحاولة تهميشه والتصغير من إنجازاته ومساهماته دفاعاً عن الذات والجماعة والدين والقومية والطائفية، وفي كثير من الأحيان شكل من أشكال التعبير عن خصوصية ومهابة جماعته. التعصب الديني هو رد فعل و تكوين عكسي لرغبة عنيفة عن الإيمان، تتوجس النفس من عواقبها شرا, ويكون رد فعلها عنيفاً متمرداً على الكفر والسلطان معا أو على جماعة دينية أخرى أي كان جنسها أو معتقدها. فهو مكتسب ديني ناقص يفوت على صاحبه فرصة حل مشكلته حلاً رشيداً مجزياً. من هنا فإن التعصب الديني يسقط نقائص الفرد ومشاعر الذنب والمهابة الدينية على الآخرين، وهذا يسبب تعصباً متطرفاً عنيفاً وحباً للذات نرجسي الطابع، وهو يخدم مشاعر التفوق لدى الجماعة وخاصة الذين يعتقدون بصحة دينهم. هذا التفكير الجامد النمطي يميل إلى أن يتصف بالتسلطية والديكتاتورية وعدم التسامح بالنسبة إلى الديانات الأخرى، ويؤدي إلى عنف مفرط مبرر أيدولوجياً لدى الجماعة التي ينتمي إليها. وهو بذلك يعتبر من أخطر أشكال التعصب وصوره, ويعتمد في عملية الممارسة الفعلية للعنف على مبررات ذاتية وموضوعية خارجة عن مفهوم الاختلاط الفطري المركوز غريزياً في عقله .

مخاطر التعصب:- إن التعصب كما أسلفنا الذكر مرض اجتماعي (الباثولوجيا الاجتماعية) يؤدي إلى تناحر عنيف بين الجماعات والأفراد والأمم والطوائف والديانات، وسنتطرق هنا إلى أبرز مخاطره: 1-    ترسيخ مفهوم العنصرية والطائفية والنرجسية القومية. 2-    توسيع دائرة التناحر بين الجماعات. 3-    دفع المتعصبين لسلوك لا أخلاقي مضاد للمجتمعات والأفراد سمته الغالبة العنف  المفرط. 4-    النظر إلى ضحايا التعصب على أنهم أقل مكانة وقدرة عقلية أينما وجدوا. 5-    نسف مبدأ التعاون والتكامل بين المجتمعات وترسيخ مفهوم النرجسية القومية. 6-    تهيئة الظروف الموضوعية والأرض الخصبة لصدام الحضارات والأديان. 7-    القضاء على التكامل المعرفي للبشرية  بإطارها الشمولي .

احتواء  التعصب:- ليس هناك أصعب من إيجاد وسيلة ناجعة لاحتواء التعصب، ولكننا هنا سنبين أهم الطرق لمقاومته والتخفيف من أثاره: 1-    نشر التعاطف بين الأفراد عن طريق التربية التقدمية والاجتماعية السليمة منذ الطفولة المبكرة 2-    نشر المبادئ الديمقراطية الصحيحة والقيم الإنسانية ومبادئ التسامح الاجتماعي. 3-    محاولة إيجاد طرق للحوار مع الجماعات التي يصدر منها التوتر والتطرف. 4-    نشر المعلومات الصحيحة عن مبادئ وأهداف ومعتقدات الجماعات المتطرفة وتفنيدها. 5-    التركيز على التعليم الأكاديمي للأفراد. 6-    إتاحة الفرص الاقتصادية والتوزيع العادل لثروات الشعوب ونشر التعاون الدولي من أجل الارتقاء بالمستوى المعرفي للجماعات والأقليات. 7-    تشجيع الإتصال الفعلي والاختلاط بين القوميات. 8-    التواصل الحضاري ونشر المعرفة حول التكامل في الإنجاز البشري الشامل. 9-    تعميم مبدأ التسامح الديني والتعايش المشترك بين الشعوب والحضارات. 10- القضاء على القطبية الثقافية والتحالفات الدينية والعرقية المضادة للآخرين 11- العمل على إنشاء وعي اجتماعي وتربوي دولي يرتكز على التسامح والتكامل المعرفي للبشرية بجميع دياناتها وقومياتها وأجناسها وبيان ما قدمته من إنجازات على صعيد البشرية جمعاء.

هذه هي الخطوط العريضة والعامة الكفيلة بتخفيف الاثارالسلبية للتعصب، وذلك لأن الفرد في كثير من الأحيان يعتبر نفسة محمياً, حتى أنة لا يكترث لموقف الحلقة الأوسع من الناس تجاهه, وهذا يتطلب إعادة تشكيل وعيه ليس الاجتماعي فقط، ولكن وعيه البشري، والقدرة على تقدير تصوره الذاتي ومنزلته في مجموعته تقديراً صحيحاً, والتي إن اتيح لها المجال تفصح عن نفسها بمعزل عن إدراك المرء في سلوكه ونشاطه وتلقيه, وهذه التجليات هي التي تصبح الورق الكاشف الذي يساعد على رفض الانفعالات الحقيقية لنفسية الفرد المتعصب ومعالجته, إذاً فليس هناك حد أدنى من الاستقلالية النسبية خاص بمفهوم الفرد للعصبية, وذلك لان إدراك مقومات العالم الداخلي للفرد بشكل كامل مستحيل نسبياً، لأن هذه المقومات لا نهائية ومعقدة جدا فهي تغير ثوابتها بلا انقطاع ولا يمكن أن تكون من الثوابت والحقائق المطلقة. على هذا الأساس فإنه من المفيد بالنسبة لكل فرد منا أن يقوم بين فترة وأخرى بعملية فحص ومراجعة لقوالبه الجمالية والخُلقية، وأن يحاول تطهير نفسه من قشور الترسبات التربوية السلبية البالية وينبذ ماهو غير واقعي معتمداً على حسه الفطري المركوز في عقله منذ الأزل والذي ميزه به الله سبحانه قال تعالى{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }التين4 فسمة الوجود الأبرز وحدانية الخالق وتعدد الخلائق قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13 صدق الله العظيم

باحثة اجتماعية