من آذى مسيحيا فقد آذانا – محمد سلمان القضاة

2014 05 06
2014 05 06

590من كانت تجيد مهنة الخياطة مع بدايات القرن الماضي كانت كأنها اليوم تعمل في مصنع فاخر للنسيج وحياكة الملابس، ومن كانت تملك آلة خياطة “ماكينة” في زمن الأجداد، فهي أشبه ما يكون بمن يملك مصنعا للحياكة والنسيح هذه الأيام.

نسوق هذه المقدمة لنقول إن صداقة متينة نشأت بين الشابة المسلمة فضية التي أصبحت والدتي، والشابة المسيحية جوليا التي أصبحت أم إدوارد عويس.

خالتي جوليا علّمت صديقتها فضية فن تفصيل وخياطة الملابس، فكلاهما من بنات عجلون وأصبحتا صديقتين تزوران بعضهما في كل المناسبات. حافظت الصديقتان الودودتان على علاقة الصداقة بينهما، وكبرت الشابتان وتزوجت جوليا من توما وتزوجت فضية من سلمان، وأصبح لجوليا أسرتها ولفضية أسرتها. ومرت السنون، فأصبحت الأسرتان صديقتان، فجوليا وفضية تمكنتا من نقل بذور الصداقة والمودة إلى الجيل الثاني، ثم مرت السنون، لتمتد عرى الصداقة إلى الأحفاد من الجهتين.

سردنا هذه القصة الحقيقية الواقعية، كي نقول إن علاقة الصداقة الصادقة بين آل سلمان القضاة في عين جنا وآل توما عويس في عجلون لا تزال قائمة وإنها بعون الله باقية وستبقى. علاقة متينة بدأت مع بدايات القرن الماضي ولا تزال قائمة وستبقى ممتدة إلى الأجيال القادمة بعونه تعالى. زوجتي التي عادة ما أناديها -بأم المهندس راني القضاة- كانت تعرف في تسعينيات القرن الماضي توقيت برامجي لتدريس اللغة الإنجليزية وقواعدها إلى أبنائي وبناتي في عجلون وعين جنا وما جاورهما في منازلهم، وكانت تعرف أنني في المساء أكون في منزل الأستاذ إدوارد توما عويس في عجلون، حيث حصة الابنة الفاضلة ليال في التوجيهية، وبالمناسبة، ليال كانت ابنة ذكية و”شاطرة” ولم تكن بحاحة إلى جهد كبير في تعلم الإنجليزية.

اشترت أم راني أغراضها من سوق عجلون، وعرجت إلى منزل الأستاذ إدوارد عويس على اعتبار أنني هناك في ذلك التوقيت، لكنني كنت قد أكملت حصتي وغادرت، استقبلتها الأخت الفاضلة الأستاذة نهيل حداد أم عمرو إدوراد عويس بكل الحفاوة، وجلست أم راني، واجتمعت الأخوات الفاضلات، ومر الوقت في أطيب الحديث وأحلاه.

ربما كان يمكن لأم راني القيام بطلب تاكسي للعودة إلى المنزل في عين جنا، ولكن الأخت أم عمرو أصرت إلا أن ترافق أم راني ومعهما الأخت الفاضلة سهام عويس إلى عين جنا، وذلك حفاظا منهما على أم راني واحتراما منهما لها بكل تأكيد.

أذكر أنه كان يحين وقت الإفطار في رمضان، وكانت أختي الفاضلة الأستاذة نهيل حداد أم عمرو تصر على إعداد طعام الإفطار لي، فأجرها على الله.

سردنا بعض القصص الواقعية للتدليل على أننا نعيش في عجلون منذ أقدم الأزمان أحبة وإخوة وجيرانا مسلمين ومسيحيين، فهل تؤثر فينا حادثة عابرة هنا أو قصة مبهمة هناك؟!

وتالله ما خط قلمنا من جملة أعلاه، إلا للتعبير عن التسامح وحسن التعايش وحسن الجوار الذي بيننا. فوالدتي كانت تصلي أثناء زيارتنا لدار “أبو إدوار”، وكانت تهلل وتكبر، ثم يجلس الجميع يتحدثون، ولقد كنت طفلا صغيرا أرافق أمي، ربما بعمر السادسة أو ما شابه. كما بلغني أن الأستاذ إدوارد عويس رخمه اللخ كان يذرف الدموع عند المقبرة عند دفن والدي رحمه الله.

تُرى أهكذا علاقات وطيدة تسمح باشتعال فتنة لأي سبب كان؟!! نسيت القول إنني مدين لأستاذي إدوارد عويس في اللغة العربية، ومدين للأستاذ سمعان الربضي وللأستاذ جريس الربضي والأستاذ عيسى عويس والدكتور يوسف بدر الذين تتلمذت على أيديهم أجمعين، ومدين بحسن الزمالة والصداقة للأستاذ إسعيّد الربضي والأستاذ نصري الربضي والأستاذ راجي قيقيه والدكتور سامر عويس والزميل كامل سهاونة وغيرهم كثيرون مما لا يتسع المقام لذكرهم أجمعين. نعود إلى توقيت هذه المقالة، ونسأل الله أن يرحم الشهيدة بتول حداد ويغفر لها ويتقبلها شهيدة في فسيح الجنان مع الشهيدات والصدّيقات البارّات. وكم كنت أتألم وأن أقرأ بعض التعليقات التي تحاول تغيير الحقائق وتحاول الإشارة إلى الشهيدة بما ليس فيها. فالشهيدة العذراء الطاهرة بتول حداد ابنة فاضلة نظيفة شريفة طاهرة عفيفة استشهدت ورايتها بيضاء ناصعة، وهي تحمل لقب سيدتنا فاطمة بنت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولقب سيدتنا مريم العذراء عليها السلام، وهي صارت ابنة الأمة ولم تقترف ذنبا عندما ألهمها خالقها بأن تنطق بالشهادتين. وأما قاتلها ومن حرّضه على فعلته، فأمرهم متروك للقضاء العادل. كما أن ضميره سيعذبه مدى الحياة على إصغائه لمحرّضيه. ويتحدث البعض عن اشتعال فتنة هنا أو هناك، فنقول لهم إن روح الطاهرة الشهيدة بتول حداد تستنهضكم جميعا مسلمين ومسيحيين إلى نجدة أخواتها اللواتي يتعرضن للتنكيل والتعذيب والتقتيل والاغتصاب في سوريا على أيدي الطاغية ومن يدعون الإسلام من المرتزقة والشبيحة وحزب الشيطان ومن قم وكربلاء والضاحية الجنوبية وجنوبي لبنان.

هناك في سوريا هو الميدان يا حميدان، فتالله ولبعلم الجميع، أن من آذى مسيحيا في جبل عجلون أو الأردن أو العالم كافة من آل حداد الكرام خاصة أو من كل العشائر الكريمة الأخرى عامة، فهو خصمنا وعدونا إلى أبد الأبدين، وإنا على ردعه وإيقافه عند حده بعون الله لقادرون. ترى ماذا تقولون بطالب من أبنائي المسيحيين، والذي فتح النافذة أثناء الحصة كي أتمكن من سماع الأذان من جامع عجلون الكبير ولكي أردد وراء المؤذن. ذاك هو ابني الفاضل إيهاب.

قال تعالى: “وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ” (التكوير: 8و9).

وقال تعالى: “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى” (الزمر:7) صدق الله العظيم.

إعلامي أردني مقيم في دولة قطر