من الأمم المتحدة إلى مدارس التربية

2015 10 04
2015 10 04

imagesأقترح على وزير التربية والتعليم أن يعمم خطاب جلالة الملك في الأمم المتحدة على مدارس المملكة، وأن يكون موضوعا للبحث في معانيه، وأيضا لمقايسة مدى انسجام المفاهيم والقيم والأفكار التي يتلقاها اليافعون مع مضامين هذا الخطاب الوطني والإنساني الرفيع.

ليس لدي ما أضيفه على ما كُتب حول خطاب جلالته خلال اليومين الماضيين. لكنني أخشى أن تضيع بعض المعاني الأساسية في خضم ما يفترض أنها كتابة الشكليات المادحة والتزلف التقليدي للسلطة، أو ما ينظر إليه باعتباره -على الطريقة العربية- خطابا للخارج!

هذا خطابنا لأنفسنا وللعالم. خطاب قناعات أصيلة. وأنا أعرف أن جلالة الملك، وفي وقت مبكر منذ تصدر تنظيم “داعش” المشهد وتحولت الأزمة السورية إلى حرب وحشية، كان يقول هذا الكلام في الداخل والخارج؛ في الجلسات الضيقة والخاصّة عندنا، كما في المنابر الكبرى دوليا. ولذلك، أطلب تعميم الخطاب على المدارس، وإطلاق نقاش حر وحقيقي حوله في الصفوف. وقد تكون خطابات الملك الأخرى في المنابر الدولية، الى جانب وثائق مثل “رسالة عمان”، تحوي وبتوسع المضامين المقصودة نفسها، لكن لا حاجة للإغراق. إن بعض العبارات القصيرة في هذا الخطاب تكفي وحدها لقول كل شيء، وهي تحوي فيضا من الدلالات تنسحب على كل ما يتصل بالسلوك والمعتقدات والدين والحياة.

في مطلع الخطاب، قدم جلالة الملك نفسه: “إنسانا يحب الله ويخشاه، ويحب البشرية جمعاء. وأنا هنا أيضا، كأب يسعى لأن يعيش أبناؤه وبناته، وأبناؤكم وبناتكم، والبشر جميعا، في عالم يسوده السلام والرحمة والمحبة”.

ماذا تعني خشية الله؟ يقول الملك: “خلال إحدى جولاتي مؤخرا، لاحظت لافتة على جانب الطريق تقول: “خافوا الله”. وعلى بعد أميال قليلة، لافتة أخرى بنفس العبارة، ثم أخرى مماثلة، ثم ثالثة، أما الأخيرة فكانت تقول: “أو الجحيم هو المأوى”. وتساءلت: متى وكيف تسلل الترهيب إلى خطابنا بدلا من محبة الله؟ قد يعتقد معظم الناس أنه لا علاقة لهم بخطاب الكراهية الذي يحمله المتطرفون، لكن عالمنا عرضة للتهديد عندما يسيطر العنف والخوف والغضب على خطابنا، سواء في المدارس أو الخطب الدينية أو حتى في علاقاتنا الدولية”.

يكفي أن نعود إلى الخطاب السائد على المنابر وفي الفضائيات، وحتى في المدارس، لنتعرف على حجم العنف والترهيب والتخويف الذي يضخ في الخطاب الديني وغير الديني، مع مفاهيم رديفة أخرى قد تبدو لأول وهلة غير ذات صلة وغير مقصود بها الترويج للتطرف والإرهاب، بل تقوية التدين أو الانضباط، لكنها في الحقيقة تؤسس الأرضية الخصبة للقبول بالخطاب الأكثر تشددا والتفسير الأكثر تطرفا؛ وإلا كيف نفسر عثور قوى التطرف والإرهاب على مدد لا ينتهي، ليس من “المجاهدين” فحسب، بل ومن الانتحاريين أيضا؟! يمكن للتآمر أن يخلق جيشا من المرتزقة، لكنه لا يخلق انتحاريا واحدا.

لطالما قلنا إن “الداعشية” تجد جذورها البعيدة في قراءة مؤدلجة ومتحزبة ومسيسة اختطفت الدين، ووصلت به في النهاية إلى تنظيم “القاعدة” وأبعد من ذلك إلى “داعش”. والحرب على التطرف والإرهاب يجب أن تعود إلى هذه الجذور في التربية والثقافة وفهم الدين. وجلالة الملك يعني بعمق ما يقوله، حين يكرر أن المعركة ضد الإرهاب تُحسم في ميادين الفكر أساسا، وأن التحدي الأكبر ليس المعركة العسكرية، بل معركة كسب العقول والقلوب. وكسب العقول والقلوب لا يقتصر طبعا على قضايا الدين وتفسيره وفهمه، بل أيضا تقديم الحلول المقنعة والعادلة لقضايا الصراع المريرة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

جميل النمري – الغد