مهرجان جرش و ” أنهار الدم “- راتب عبابنة

2013 06 29
2013 06 29
11يكثر التندر والغمز واللمز وأحيانا النقد المباشر لمهرجان جرش والقائمين عليه. لقد كثرت الأصوات وتعالت مطالبة بوقف المهرجان تضاما مع ” أنهار الدم ” التي تسيل بفلسطين وسوريا. وهذه الأصوات صورت المهرجان أنه ” رقص على جراح فلسطين والشعب السوري “. لقد صار البحث عن أسباب لإدانة الدولة الأردنية وتحميلها خطايا وذنوب ما يقترفه الآخرون ديدن بعض الجهات التي تسلك طريق ” خالف تعرف “مدغدغة عواطف الناس مرة بالدين ومرة بفلسطين ومرة بالحرية ومرة بالديمقراطية وأخرى بحقوق الإنسان وغيرها من الأسباب التي باتت بمثابة رصيد تسحب منه هذه الجهات ما تحتاجه حسب الظرف المعاش. لا نتقاطع مع الدعوة للحرية والديموقراطية, وندعم المطالبة بالتوافق بين الأفعال والدين ولسنا من العازفين عما يتخذ بحق الفلسطينيين من تنكيل وقتل وسجن وتهجير. لكنا نتقاطع مع الذين يمتطون الحصان الفلسطيني بقصد كسب الوقت وسرعة الوصول للمبتغى ولا نقول كلمة الحق لنحقق بها باطلا.

بعض الحراكات استغلت مهرجان جرش والذي لا تخلو دورة من دوراته من النقد والجدل بحجة أنه يقام بالتزامن مع أحداث أليمة وحسب اعتقاد ورغبة هذه الحراكات الممولة والمدارة من جهات لاتوافق بينها وبين الدولة والشعب تتطلب إلغاء أو وقف المهرجان. عبارات استفزازية ومثيرة للإشمئزاز استخدمها الحراكيون تحمل دعوة مبطنة للتجييش والإستقواء لاستثارة فئات تحركها عند الحاجة. وتم التهويل والنفخ لتأجيج المشاعر والدفع نحو الفوضى. فهناك عبارتي “أنهار الدم” و “الرقص على الجراح” اللتان يشكلان افتراءا وباطلا لا أساس لهما ولا يؤديان إلا دعوة وتهييجا للتضخيم والإنقلاب على الواقع. وذلك أسلوب اعتدنا عليه بالأفلام الأمريكية عندما يتم تهويل أسباب الإنقضاض على جهة ما لتبرير ما سيتم اتخاذه من عنف وقوة مفرطة. كما اعتدنا الأسلوب نفسه مطبقا على الواقع في العراق وإفغانستان ويمهد لتطبيقه الآن بسوريا. أسلوب الإثارة وخلق المبررات السياسية والإسلاموية والعاطفية التي تتخذ من فلسطين والأقصى ذرائع للدفع بالوطن نحو المجهول, أسلوب أصبح ممجوجا وتقليديا يصلح لأيام الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم عندما كانت المنطقة تتقاذفها الأحزاب والحركات التقدمية. فكان “البعث العراقي والبعث السوري” و “الشيوعي” و “القومية العربية” و “الإخوان” و “التحرير” وكلها تدعي الصلاح وتتصارع لفرض نفسها على الشعوب ولا توافق بينها. وكانت مصطلحاتهم تدغدغ العواطف كمصطلحاتكم اليوم. فكانت الرجعية والتقدمية والعمالة والتواطؤ والإمبريالية والغطرسة كلمات تملأ منشورات وأدبيات وخطابات تلك الأحزاب التي لم تصمد أمام القوة والواقع والظروف المتغيرة. ألم تتعلم هذه الحراكات المدفوعة الدرس من التاريخ القريب؟؟ وحتى لا نظلمهم, نقر لهم مناداتهم الدائمة بالديموقراطية وهي مطلب كل إنسان بهذا الكون, لكنهم يريدونها ديموقراطية يصنعوها على مقاسهم وعلى الطريقة التي تناسب أهواءهم دون الأخذ بالحسبان توافقها مع بقية الناس. ويذكرنا هذا الطرح بمقولة أحد قياديي الحركة الإسلامية بالأردن “ربحنا مصر وسنربح الأردن”. فالمسألة ربح وخسارة بمعنى الربح هو استلام السلطة والخسارة تعني البعد عنها. المفاخرة تكون بالإنجازات وتحقيق المعجزات والرفاه والرخاء ولنا عبرة بماليزيا التي حققت ما كان يبدو مستحيلا بلغة الإقتصاد بإدارة مهاتير محمد الذي يتفاخر بما حققه لدولته ولم يتفاخر باعتلائه هرم السلطة التي قاربت على الربع قرن. لا عاقل ولا شريف ولا وطني ولا غيور على دينه ووطنه يقبل بالمجون والإنفلات والإنقلاب على الأعراف الإجتماعية وتعاليم الدين. وبالوقت نفسه لا غيور يقبل بأن تكون أسباب المعارضة ومنها مهرجان جرش مطية تستغل باسم الدين تارة وباسم فلسطين تارة أخرى بغرض تقريع الدولة وتصويرها على أنها دولة ماجنة. هذا رغم تحفظاتنا الكثيرة على نهج الدولة، وتحفظاتنا قائمة على أهداف نبيلة نتوخى بها الإصلاح الحقيقي الذي يعم الأردن وليس الإصلاح الذي يحقق المكاسب الشخصية والذي يفضي للإعتلاء والظهور وتحقيق الذات من خلال المزايدات الدينية والتشدق بالوطنية. كما الحلال بيِّن والحرام بيِّن, فالوطني بيِّن وغير الوطني بيِّن أيضا. مهرجان جرش ليس مهرجان طارئا بل عمره (28) سنة ينتظره العرب قبل الأردنيين ويساهم بتفعيل اسم الأردن ثقافيا وفنيا مثلما يأتي للأردن ببعض المردود المادي رغم تحفظنا على بعض نواحي البذخ والإسراف والتسيب التي تتزامن مع إنعقاه. ” أنهار الدم الفلسطينية ” عبارة مبالغ بها كثيرا لضمان توفير الظروف التي تؤدي لتحقيق هدف منشود غير سام. وأرجوا أن لا يفهم من ذلك التنكر لما يجري بفلسطين من قتل وتدمير، لكن أن تتم المبالغة بالأمر وتهويل الواقع وتزيينه للوصول لقلوب الناس حتى تسيطر على عقولهم وبالتالي الهيجان والإحتجاج، فهو ما لا يقبله غيور على وطنه. الإخوان المسلمون أدلوا بدلوهم بهذا الشأن ويليهم بالحماس الحراكات وعلى رأسها حراك جرش المغذى والمنظم والمدار من قبل الإخوان. الأردن بمهرجانه لا “يرقص على جراح فلسطين” ولا يتجاهل ” أنهار الدم “. والأردن أكثر دولة عربية قدمت وما زالت تقدم لفلسطين ولشعبها بالداخل والخارج. لا جميل لنا ولكن للتذكير بالحقائق, الأردنيون لم يتوقفوا يوما عن تقديم قوافل المساعدات الطبية والدوائية والإنسانية ناهيك عن تبني جلالة الملك للقضية الفلسطينية وطرحها بالمناسات الدولية وبلقاءاته مع قادة العالم كقضية مركزية. الأدوية الأردنية والأردن بلد مصنع لها نفتقدها بمستشفياتنا لتتوفر للفلسطينيين. ولا نمن بذلك عليهم بل هو لزوم الشيء وردا على هؤلاء المتنكرين للدور الأردني تجاه ما يجري بفلسطين. فلنتعقل ونبتعد عن التهييج والإثارة لأن الحياة يجب ألا تتوقف والمسيرة يجب أن تبقى مستمرة بالتزامن مع العمل على تقديم ما يمكن تقديمه لخدمة القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية. فما قول المعارضين من الحراكات وما قول محركيها من المنددين بمهرجان جرش باستقبال أهل غزة لمحمد عساف الذي فاز ببرنامج مسابقات غنائية استقبال الأبطال الفاتحين؟؟ وقد تزامن ذلك مع جريان نفس ” أنهار الدم ” بفلسطين وما قولهم بالإحتفالات التي أقيمت إبتهاجا بهذا “النصر” في عمان ورام الله ورفح وخان يونس والناصره وغيرها من قبل المتباكين على ” أنهار الدم الفلسطيني ” ؟؟ أليست حماس جزء منهم وتمتثل لنفس النهج الفكري والديني؟؟ أليس الإحتفاء بمحمد عساف من قبل حماس يأتي بنفس سياق الإعتراض على مهرجان جرش؟؟ فكيف نحلل للمتباكين ” الرقص على الجراح ” والتغاضي عن ” أنهار الدم الفلسطيني ” ونحرمه على الأردن؟؟ أليست هذه الإزدواجية هي مقتلكم؟؟ وهذا يذكرنا بموقف الرئيس المصري محمد مرسي عندما أعلن احترام مصر لكل الإتفاقيات ولم يستثني اتفاقية كامب ديفيد. والرئيس المصري من نفس الجسم الإخواني, بالمقابل اتفاقية وادي عربة ترفض والأردن مطالب بإلغائها. وإن قلتم لمصر شأنها الخاص ولا نتدخل بسياساتها, نذكركم بأنكم تنتمون لنفس الحركة الدينية وخرجتم من نفس الرحم الذي يحلل نفس الشيء بمكان ما ويحرمه بمكان آخر. لست بموقع المدافع عن الدولة الأردنية ولست من المؤيدين لنهجها بل أنا من أكثر الناقدين لها بقصد الإصلاح والتصويب ومقالاتي خير شاهد على ذلك. لكن ركوب الموجة واستغلال الظروف ودغدغة العواطف دينيا وإتخاذ القضية الفلسطينية مستودعا لتفجير الأحقاد وإثارة الشارع بقصد خلق الفوضى وزعزة الإستقرار وخلخلة الأمن، فهذا ما لا يرضى به الغيارى إذ نذكر بشعار ” الأردن أولا ” وأخيرا وليس هناك أولوية تتقدم على صون الأردن والحفاظ عليه لأنه الوطن والأم والأب والأخوة والعشيرة وما عداه يأتي ثانيا بترتيب الأولويات. مهرجان جرش لن يزيد منسوب ” أنهار الدم” وإيقافه لن يجفف أنهارالدم الجارية ولن يثني الصهاينة عن التمادي بإدامة الدم المراق. وإقامته لا تعني أن هناك تشفيا أو إذكاءا لجريان الدم المهدور. وللحقيقة, أيها الحراكيون المدفوعون والجرشيون بالذات، مشتري تذاكر الدخول للمهرجان غالبيتهم العظمى من المتباكين على الدم الفلسطيني سواء من الداخل أو من القادمين من خارج الأردن، فدود الخل منه وفيه . فلن تجدي المزايدات ولن تبلغ مداها المبالغات ولن ينفع التهويل والعويل. مطالبتكم بالإصلاح والتصحيح هي مطلبنا الذي لن نتوقف عن الحث والعمل على تحقيقه لكننا لا نصطاد بالماء العكر ولا نطمح لتحقيق مطالب آنية تحقق أهدافا ضيقة بل طموحنا الإصلاح الشامل والحقيقي الذي يخرج بالأردن من ضائقته الإقتصادية لنحيا الحياة التي نستحقها. رغم تحفظنا الشديد على نهج الدولة بالحكومة الحالية، إلا أن قناعتنا التي تشكلت على مر السنين تفيد أن الدولة مهما قدمت ومهما غيرت فلن تنتهي قائمة مطالبكم التعجيزية لأنكم تفتقرون للبرامج الإصلاحية القابلة للتحقيق ولم يعد لدى الأردنيين هامش يقبل مزايداتكم ووطنياتكم التي تظهر بالمواسم وشعاراتكم التهويلية وطرحكم المثير للمشاعر واستفزازكم للناس والدولة للدفع نحو الصدام الذي تعدون له العدة ليختلط الحابل بالنابل وكل ذلك باسم الوطنية وفلسطين. فدعكم من هذا النهج وتعقلوا لأن من تخطبون بهم وتدغدغون عواطفهم وتضربون لهم على وتر حساس، صاروا يعون ويدركون الحقائق والخفايا والمقاصد. فمهرجان جرش قائم وهو معلم من معالم الأردن وأداة لتسويق الأردن عربيا وعالميا، فاعرضوا عنه وابحثوا عن أسباب وجيهة تقنع الناس بطرحكم. حمى الله الأردن والغيارى على الأردن. والله من وراء القصد.