مواقف خالدة في رسالة الحسين إلى صدام

2014 11 01
2014 11 01

14 بقلم الدكتور حسين عمر توقه

لقد ترجل الفارس عن حصانه وسجد لله سبحانه وتعالى  وقبل تراب الوطن الغالي وأسلم الروح لبارئها . إن العين تدمع والقلب يحزن  والروح تخشع نحن الذين شرفنا الله  تعالى أن نخدم في معيتك أيها الحسين  قد تعلمنا منك أن نؤمن بالله عز وجل وأن نرفع راية الأردن خفاقة بالعز والإباء على جبين الزمن . وأن نحول الدمعة إلى بسمة والحزن إلى إرادة والإرادة إلى عزم وبناء . ستظل يا أغلى الرجال في القلب والروح والضمير أنشودة للحق ولحنا للكفاح  وشمسا للحرية  ولسوف  نسير على خطاك قمة في العطاء  والوفاء  وقمة في التواضع والكبرياء . فيا صقر قريش ويا سليل بني هاشم إلى جنات الخلد فهي خير مأوى وخير مآب ورحمة الله عليك  أيها الحسين  أيها الملك أيها القائد أيها الإنسان . هناك صفحات في التاريخ مطوية يتوجب علينا أن  نكشفها كي نهتدي بها  وندرس أبعادها ونتعلم من معانيها وعِبرها ما قد يرشدنا عبر حلكة الظروف التي تمر بها الأمة العربية . هناك مشاعل على الطريق أضاءها الحسين رحمه الله بفكره  وضميره وارتضاها مواقف خالدة لنفسه ولشعبه ولأمته وهو يحرق نفسه في سبيل أن يضيء للأمة  العربية طريقها وأن يبعد عنها نائبات الزمن الرديء . إن ما أناقشه اليوم يجب أن يعرفه الملوك والرؤساء والأمراء وكل الشعوب العربية  كي يدركوا المواقف الخالدة والرجولة المنقطعة النظير والتضحيات الجسام التي بذلها الحسين رحمه الله من أجل وأد الفتنة  بين الدول العربية . في ظل الظروف الراهنة  المليئة بالحزن الأسود وما تعانيه الشعوب العربية المسلمة في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر العربية  نعود إلى الفترة التي ابتدأت  صبيحة يوم 2/8/1990  حين شن الجيش  العراقي هجومه على الكويت   حيث تم الإعلان يوم 9/8/1990 عن ضم الكويت إلى العراق  وبين 17/1/1991  بداية الحرب  التي شنتها قوات التحالف المكونة من 35 دولة بقيادة الولايات المتحدة منها 9 دول عربية . بتاريخ 2/8/1990 فوجىء العالم بأسره بأنباء إحتلال العراق لدولة الكويت . ولقد اتصل الزعيمان المصري حسني مبارك والأردني الملك الحسين وقررا بأن لا تتعجل  جامعة الدول العربية في إتخاذ أي قرار  يتعلق بالإجتياح العراقي للكويت إلى ما بعد نجاح أو فشل مهمة  الملك الحسين في بغداد حيث اتفق الزعيمان أن يقوم الملك الحسين بزيارة  إلى بغداد للإجتماع مع الرئيس صدام حسين  في محاولة  لثنيه عن إحتلال الكويت  وإخراج قواته العسكرية منها  كما اتفق الزعيمان على أن يتم إستيضاح  موقف القيادة العراقية  وإطلاع كافة القادة العرب  على نتائجها . وفي اليوم التالي أي بتاريخ 3/8/1990 قام الملك الحسين بزيارة العراق والإجتماع بالرئيس العراقي صدام  وطرح عليه ضرورة  موافقته  على حل الأزمة في الإطار العربي  والموافقة على حضور  العراق لقمة مصغرة   في جدة  تضم زعماء مصر  والأردن والسعودية واليمن  . وبعد هذه الزيارة  وافقت الحكومة العراقية على مقترحات الملك الحسين والتي تضمن  إعلان إنسحابه من الكويت   وحضور العراق اجتماع القمة المصغرة شريطة ألا يتخذ  وزراء الخارجية العرب المجتمعون في القاهرة قرارا مسيئا للعراق . ولقد أرسل الملك الحسين رسالة على الفور من طائرته  يطلب فيها من وزير خارجية الأردن مروان القاسم  إخبار نظرائه  وزراء الخارجية العرب بالتريث قليلا  بعد إتصال يجريه  مع الرئيس المصري حسني مبارك  . وعند وصول الملك الحسين  إلى مطار عمان  فوجىء  بصدمة وصفها ” بأنها أقسى الصدمات  في حياتي ” . بعد علمه أن مصر  قد أصدرت بيانا  بإدانة العراق  بصفتها رئيسة المؤتمر الخاص بمناقشة الأزمة العراقية – الكويتية. وعند استفسار الملك الحسين من الرئيس المصري  عن سبب التسرع في الإدانة والخروج عن الإتفاق الذي تم  بينهما أجابه الرئيس المصري بأن قرار الإدانة كان استجابة للضغط الشديد  الذي يتعرض له ولكنه لم يذكر حقيقة مصدر هذا الضغط  أو طبيعته . وبتاريخ 3/8/1990 صدر قرار رقم 5036 عن جامعة الدول العربية  وتبعه قرار القمة الطارىء الذي تم عقده في القاهرة بتاريخ 9-10/ 8/1990  وهو المؤتمر الذي فرض على القادة العرب المجتمعيين  قرارات لم  تصدر ضمن شرط الإجماع العربي  حسب نص المادتين السادسة والسابعة  من ميثاق جامعة الدول العربية . إن رسالة الحسين إلى صدام  حسين توثق تسلسل الجهد الذي بذله الحسين  منذ فض مؤتمر القمة  الطارىء بتاريخ 9-10/8/1990  وحتى تاريخ الرسالة  22/9/1990  في سبيل حل قضية إحتلال العراق للكويت حلا عربيا عادلا . ولا بد لنا من كشف ما ورد في هذه الرسالة وإطلاع العالم العربي والإسلامي  بأسره على دقائق ما جاء فيها والمواقف النبيلة التي نبضت في قلب الحسين وفي فكره وفي ضميره وسوف نعمد إلى مناقشة كل فقرة وكل معنى تماما كما أرادها الحسين في ذلك الوقت العصيب ومحاولاته لرأب الصدع وإعادة الوحدة إلى الأمة العربية المسلمة 1: إن الحسين قد أكد بما لا يقبل الشك أن قيام العراق بإحتلال الكويت  هو فعلا عملية إحتلال عسكري من بلد عربي لبلد عربي شقيق . ” فقد عدتُ لتوي من لقاء الرباط الذي دعاني إليه جلالة الملك الحسن الثاني مثلما دعا إليه فخامة الرئيس الشاذلي بن جديد وقد كان موضوع اللقاء البحث في أزمة الخليج التي أصبحت أزمة الأمة العربية  منذ تفجيرها في الثاني من آب الماضي  حين احتلت القوات العراقية الكويت وبدأ الإنزلاق نحو  المظلم المجهول “. 2:  إن الحسين كان صاحب فكر ثاقب وبعد نظر يستطيع استشراف المستقبل وما تخططه الدول فمن يصدق أن الحسين قد استطاع أن يدرك وأن يحذر في ذلك الوقت  من إنبثاق حقبة جديدة تتشكل فيها ملامح نظام عالمي جديد حسب قواعد وقوانين للعبة دولية جديدة . ” ويحدث ذلك بعيد إنتهاء فترة الحرب الباردة  وفي الوقت الذي يعيش العالم فيه مرحلة إنبثاق حقبة جديدة  تتشكل فيها ملامح نظام عالمي جديد  وتوضع للعبة الدولية فيه قواعد وقوانين تختلف عما عهدنا في الحقبة التي انحسرت ثم غربت ” . 3: لقد أدرك الحسين أهمية كون العالم العربي  أوسع الأسواق التجارية في العالم وأهمية المخزون النفطي العربي الهائل والذي يقدر بثلثي إحتياط النفط العالمي أو يزيد  وأكد أهداف وأطماع العالم بأسره  وبالذات الدول الصناعية الكبرى في السيطرة على النفط العربي . ” وبناء عليه فإن منطقتنا العربية  وفق مقاييس الحقبة الجديدة  قد أصبحت ذات أهمية قصوى لهذا العالم ليس فقط بسبب موقعها وإتساع رقعتها وحجم سوقها التجاري  . بل لمخزونها النفطي الهائل الذي يقدر  بثلثي إحتياطي النفط العالمي أو يزيد ” . 4: لقد أدرك الحسين أن علاقة الدول العظمى مع العرب هي حسب الأطر والشروط  والمصالح التي ترتضيها الدول الصناعية الكبرى ومحاولاتها التحكم في مسار نهوض الدول العربية الإقتصادي والإجتماعي والعسكري والعلمي والثقافي بحيث لا يتعارض مع  مصالح وأطماع  هذه الدول الكبرى . ” وينعكس الإهتمام العالمي بمنطقتنا على أمور شتى  من أهمها الحرص على استقرارها ضمن الأطر التي ترتضيها  الدول الصناعية  الكبرى  ومنها محاولات التحكم في مسار نهوضها الإقتصادي والإجتماعي والعسكري والعلمي والثقافي  بحيث ينسجم مع تصورات هذه الدول ومطامحها ولا يتعارض مع مطامعها ” . 5: لقد أدرك الحسين أهمية دول الجوار من غير العرب ومن بينها إيران وتركيا وإسرائيل  وأن الدول الكبرى سوف تعزز علاقاتها مع هذه الدول  كي تبقى مصادر تهديد وإزعاج  وابتزاز للعرب  سواء فيما يتعلق بقدرتها على التحكم بمصادر المياه المنسابة إلى الأرض العربية  أو فيما يتعلق بقدرتها العسكرية كما هو الحال مع إسرائيل ” ومنها تعزيز علاقاتها مع دول الجوار   من غير العرب  كي تبقى هذه الدول مصادر تهديد  وإزعاج وابتزاز  للعرب ” . 6: من يصدق أن الحسين قد كتب هذه الكلمات قبل 24 عاما  وأكد على تطلعات الكثير من الدول في القضاء على  البعد القومي العربي وحلم الأمة الموحدة  بإسم الدين والعمل على تمزيق الجسم العربي ضمن الأطر العرقية . ” أو فيما يتصل بتطلعات بعضها للقضاء على البعد القومي العربي وحلم الأمة العربية  الموحدة وتذويب الشخصية العربية  المتميزة بإسم الدين أو تمزيق الجسم العربي بالعمل على تجزئة المنطقة ضمن الأطر العرقية ” . 7: من يصدق أن الحسين قد تحدث عن العهد الجديد عام 1990 في منطقتنا العربية  وأدرك أن الدول الكبرى قد وضعت مخططات خبيثة  لإعادة تنظيم المنطقة العربية تتناسب مع مصالحها  على حساب الشعوب العربية ” على هذه الخلفية  التي أعلم أنكم أكثر من يدرك تفاصيلها وأبعادها جاءت أزمة  الخليج لترى فيها الدول الكبرى والصناعية الفرصة الذهبية لإعادة تنظيم المنطقة  وفق مخططات خبيثة  تتناسب مع تطلعاتها ومصالحها على حساب تطلعات ومصالح الشعوب العربية . ولترى فيها أيضا الفرصة السانحة لوضع وترسيخ قواعد اللعبة الدولية وبلورة نمط التعامل مع منطقتنا في العهد الجديد ” . 8: لم يترك الحسين مجالا إلا وطرقه بكل وضوح  كي يكون وسيطا شريفا نظيفا بين دولتين عربيتين يبحث عن حل عادل يرضى به القادة العرب  وترضى بها الشعوب العربية المسلمة . ” ماهي الطلبات العراقية  بحدوده النهائية  والواقعية والتي يمكن أن تلقى قبولا  لدى القادة العرب ” . 9: لقد حذر الحسين  الرئيس صدام  حسين من عدم التوصل إلى حل عربي للمشكلة والتي ستؤدي في نهاية المطاف إلى وقوع مجابهة عسكرية  مدمرة  تجلب الخسائر والكوارث ليس للعراق وحده بل للأمة العربية بأسرها . “سعيا للتوصل إلى  حل عربي للمشكلة  قبل فوات الأوان  وضياع الفرصة  التي أخشى ما أخشاه  أن تضيع  وينزلق الوضع  في هوة المجابهة العسكرية  المدمرة  التي ستجلب الخسائر والكوارث ليس لعراق الأمل والرجاء وحده بل للأمة العربية بأسرها ” . 10: لقد أوضح الحسين التزامه بمبدأ عدم جواز إحتلال أراضي الغير بالقوة ليس فقط من  حيث المبدأ ومخالفته لكل القوانين الدولية  المجمع عليها عالميا  بل أيضا من حيث الواقع الأليم في مواجهة الأطماع الصيونية  والإحتلال الإسرائيلي القائم للأراضي العربية في فلسطين والأردن ومصر وسوريا ولبنان . ” ولا ريب أن سيادة أخي يعلم بأننا ملتزمون  بمبدأ عدم جواز إحتلال أراضي الغير بالقوة  ليس فقط من حيث المبدأ المجمع عليه عالميا  بل أيضا من واقعنا في مواجهة الأطماع الصهيونية  والإحتلال الإسرائيلي القائم للأراضي العربية ” . 11: لقد حذر الحسين الرئيس صدام حسين بأن هناك اجماعا عربيا  على عدم القبول بإجراءات الضم وبخاصة إذا أدت إلى إزالة  دول قائمة عضوة  في الجامعة العربية والأمم المتحدة . ” فهناك إجماع عربي على التمسك بهذا المبدأ الذي يعني عدم القبول بإجراءات الضم  وبخاصة إذا أدت إلى إزالة دولة قائمة عضو في الجامعة العربية والأمم المتحدة ” . 12: كما حذر الحسين بأن الولايات المتحدة  قد تستغل التوافق الدولي الواسع  تحت شعار تحرير الكويت   لتحقيق أهداف وأغراض مبيتة غير هدفها المعلن . ” وهذا ما يفسر  التوافق الدولي الواسع ووقوف دول العالم وراء الولايات المتحدة  التي نعلم جميعا أن لها أغراضا مبيتة غير هدفها المعلن بتحقيق إنسحاب العراق من الكويت وعودة الشرعية إليه ” . 13: لقد حذر الحسين الرئيس صدام حسين بأن شركا قد نُصب له ووقع فيه من أجل تهيئة الفرصة ومنح الحجة لأعداء الأمة لضرب العراق وتدميره تحت غطاء الإنتصار لدولة الكويت وبإسم الشرعية الدولية بينما هم في الحقيقة ساعون لتدمير العراق وإنهائه  وأن لقاءه بالسفيرة الأمريكية  أبريل جلاسبي ما هو إلا بداية لهذا  الشرك . ” ومن المهم أن يعرف أخي أن معظم العرب يخشون بصدق ( ولهم الحق في ذلك ) على العراق . العراق الظاهرة الجديدة بإمكاناته العلمية  والبشرية والعسكرية والمادية . وتصل خشية بعضهم  على العراق ظاهرة الأمل  والرجاء حد الإعتقاد بأن شركا قد نُصب له  ووقع فيه . مهيئا بذلك الفرصة التي  طالما انتظرها أعداء الأمة  لضربه وتدميره تحت غطاء الإنتصار لدولة الكويت وبإسم الشرعية الدولية  بينما هم في الحقيقة  ساعون لإنهاء العراق وسحق آمال أمتنا العربية  فيه وفيما يمثل  وتدمير ثقة أمتنا المتجددة بنفسها ” . 14: لقد تم وضع العراقيل أمام مساعي الملك الحسين  في مسعاه للتوصل إلى حل عربي  وتم التآمر على الحل العربي من قبل بعض الدول . وأدرك أن هناك تصميما  من قبل الولايات المتحدة وحلفائها من أجل تدمير العراق وتدمير قوته العسكرية ” وقد وضعت  العراقيل أمامي وما زالت توضع  وتدهورت الأمور  بشكل متسارع لم يعرف العالم له مثيل حتى غدت المنطقة  على حافة الإنفجار . وفي الحقيقة  لا أرى أمامنا كثيرا من الوقت  فنحن في سباق مع الزمن لتفادي الكارثة ” . 15: ولقد حذر الحسين الرئيس صدام حسين بأن إيران  ستكون إحدى الأطراف المتربصة والمؤهلة لوراثة العراق  ولتسديد الضربة القاسية لما دافع عنه العراق نيابة عن الأمة العربية  وهو ما حصل فعلا بعد قيام الولايات المتحدة بإحتلال العراق وأنسحابها . ” فنحن في سباق مع الزمن لتفادي الكارثة . وإذا وقعت – لا قدر الله-  سيفتح المجال أمام الفريق الذي حاربنا لمدة ثمانية أعوام  وعلى خلفية الدمار وما سيجره  من إحباط ونقمة ويأس ليكون أحد الأطراف المتربصة والمؤهلة لوراثة العراق  ولتسديد الضربة القاسية لما دافع عنه العراق نيابة عن أمته العربية وقدم في سبيل ذلك  أغلى التضحيات وأعطى بكل كرم وسخاء ” . 16:  لقد حذر الحسين  الرئيس صدام حسين من نتائج الحرب إذا نشبت وكان يدرك أن الخاسر الحقيقي  هم العرب المؤمنين بحق أمتهم في الحياة سواء كانوا في العراق أو في أي بقعة من الوطن العربي الكبير . و كان يعرف  نتيجة الحرب قبل أن تقع  وكان يعلم أن لا أمل للجيش العراقي في التصدي للتآلف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة  وأكد أن الخسارة لن تكون للعراق وحده وإنما لكل الأمة العربية . ” والحرب إذا نشبت  فلا بد أن يكسبها في النهاية طرف مهما كانت خسائره . أما الخاسر الحقيقي  فيها فسنكون نحن العرب المؤمنين بحق أمتنا  في الحياة ” 17: لقد أكد الحسين أنه في حال نجاح مسعاه في التوصل إلى حل عربي  فإن العراق سيكون قد نجح  في الحفاظ على منجزاته  لشعبه ولأمته  ويكون العراق قد حل المشكلة مع إيران . ويكون قد فوت  على الأعداء  الإستفادة من إنقسام الأمة العربية . ” أما إذا كتب لنا النجاح  بعون الله في تجنبها وتمكنا من التوصل إلى حل عربي  فيكون العراق قد حقق  الكثير  بالرغم من الآلام والخسائر التي رافقت الأزمة ” . 18: لقد أصر الحسين أن أي تسوية  سلمية يتم التوصل إليها  وتقبلها الأطراف العربية  لا بد وأن تكون تسوية  يتم فيها احترام إرادة الكويتيين بملء حريتهم  ما يريدون . وأكد على مبدأ عدم استخدام السلاح العربي ضد العرب وأن كل دولة  عربية شقيقة  مهما صغرت في حجمها هي بنفس حجم الدولة العربية الكبيرة في حقوقها . ” إذا توصلنا إلى تسوية سلمية  في إطار عربي تقبلها الأطراف العربية المعنية – تسوية تحترم فيها إرادة  الكويتيين ليقرروا بملء حريتهم ما يريدون – بقيادتك الشجاعة مبدأ عدم جواز  استخدام السلاح العربي ضد العرب وأن كل دولة شقيقة  مهما صغرت في حجمها  هي بنفس حجم الدولة العربية الكبيرة في حقوقها ” . 19: لقد تعرض الحسين إلى عملية دس  رخيصة من قبل بعض الأخوان العرب بمشاركة من البعض خارج المنطقة والذين حاولوا أن يروجوا أن الأردن كان متآمرا مع العراق في غزو الكويت ولقد نسوا أو تناسوا أن الحسين هو الذي أصدر أوامره عام  1961  للجيش العربي بالتوجه إلى الكويت للدفاع عن سيادة واستقلال  الكويت ضد التهديد بضمه حسب البيان الذي أصدره الرئيس عبد الكريم قاسم بضم الكويت بتاريخ 26/6/1961  ولا زال  إسم معسكر العبدلي الذي أسسه الجيش العربي في الكويت  قائما في ذات الموقع حتى الآن . ” لقد تكشفت هذه الأزمة  عن حقائق كثيرة  كان أكثرها مرارة على النفس  ما اتضح لي أنني  وبلدي كنا فريسة لعملية دس رخيصة  لدى عدد من أشقائنا  وقد كان أبطال عملية الدس هذه بعضا من أخواننا العرب ممن كانوا موضع الثقة والتقدير بمشاركة من البعض من خارج المنطقة الأمر الذي فسر  الكثير من المواقف المعادية لنا ” . 20: لقد اكد الحسين لصدام حسين أنه ما زال يأمل أن يلبي صدام دعوته ودعوة كل الشرفاء في الإنسحاب من الكويت   ووقف التهديد والأخطار التي تحيق بالعراق والأمة العربية . ”  وغادرت بغداد إلى الأردن  مهموما  محزونا فيما كنت أتمنى أن أواصل التحرك لمنع التدهور  الذي ما زال يجري منذ ذلك الوقت  فهل تسمع ندائي ونداء كل عربي مخلص قبل فوات الأوان ” . 21:  لقد أكد الحسين على أن هناك قادة  هم أشِقاء العراق  وأنهم يعانون أكثر مما يعاني العراق  ويتألمون مما يهدد العراق  ومما يحيق بالعراق والأمة العربية من أخطار وهم يطالبون صدام بمنحهم الفرصة الأخيرة لتصويب الأمور . ” إن لكم أشقاء يعانون أكثر مما تعانون  منه مباشرة تألما مما يهددك  ومما يحيق بالعراق والأمة  من أخطار فهل تعطينا الفرصة لنتحرك  نحو تصويب الأمور ” . 22: كان الحسين حين يشير في رسالته إلى الأخوة من قادة الخليج كان يشير إليهم أنهم أشقاء وأخوة ” فهل تعطينا الفرصة لنتحرك نحو تصويب الأمور وفتح أقنية التواصل بينكم وبين أشقائكم  في منطقة  الخليج الذين أصيبوا بالذعر والصدمة مما حدث فوقعوا مثلما وقع العراق في حبائل التواجد العسكري الأجنبي الضخم والمتزايد ” . 23: كان الحسين صاحب خلق  يتمتع ببعد نظر وحكمة  وإنني مهما بلغت من البلاغة فلن أفي الحسين حقه وإنما أتـرك للقارىء العربي  قراءة الكلمات التي أنهى بها الحسين رسالته المليئة بالتضحية والإيثار ووضع المصلحة العربية فوق كل شيء ” هذه الأسئلة أوجهها لسيادتكم كتابة ولا أعتقد أنه يخفى على أخي حجم المسؤولية التاريخية المترتبة  على جوابه . فإن شئتم وحددتم إجاباتكم بشكل إيجابي  فسأتحرك للإلتقاء بكم  وأخذ الأجوبة منكم مباشرة  وإذا ارتأيت  أن ترسلها مع رسول منكم فأرجو أن يتم ذلك بأسرع ما يمكن . أما إذا ارتأيتم خلاف ذلك  فلا حول ولا قوة إلا بالله . وحينئذ لا أجد حاجة للتحرك نحوكم حتى لا أكون مضطرا عند عودتي أن أقول بأن لا أمل في حل عربي وهو ما طلب مني أن أقوله بإلحاح ورفضته ورفضه أخواني الذين زرتهم  سابقا ولاحقا  وحتى لا يشكل مثل هذا القول  الضوء الأخضر  والمبرر للإنفجار  الكبير الذي جرت التهيئة له  بكل إتقان وحتى لا نكون سببا في الأقدار التي نخشى أن تكون على درجة عالية من القسوة ” . واسمحوا لي في نهاية هذا المقال أن أضع رسالة الحسين إلى صدام حسين بين يدي القارىء الكريم كي يرى ويسمع ويدرك ويتحدث ويلمس تلك المواقف الخالدة لرجل نذر نفسه لخدمة أمته ودينه  ووطنه سيادة الأخ العزيز  الرئيس صدام حسين حفظه الله ورعاه تحية المودة والأخوة عربية هاشمية أبعث بها إليك وبعد فقد عدت لتوي من لقاء الرباط  الذي دعاني إليه  جلالة الملك الحسن الثاني مثلما دعا إليه فخامة الرئيس الشاذلي بن جديد  وقد كان موضوع اللقاء  البحث في أزمة الخليج  التي أصبحت أزمة الأمة العربية منذ تفجيرها  في الثاني من آب الماضي حين احتلت القوات العراقية  الكويت وبدأ مسلسل الإنزلاق نحو المظلم المجهول  وما رافقه  من قلق لا ينتهي بل يزداد حدة  مع كل يوم وساعة  ونحن نرى أن ما تمكنت أمتنا من تحقيقه  بنضالها في مطلع هذا القرن  مهدد بالزوال أو الإندثار . ويحدث ذلك بعيد إنتهاء فترة الحرب الباردة وفي الوقت  الذي يعيش العالم فيه مرحلة إنبثاق  حقبة جديدة تتشكل فيها ملامح نظام عالمي جديد  وتوضع للعبة الدولية فيه قواعد وقوانين تختلف عما عهدنا في الحقبة التي انحسرت  ثم غربت. وفي ظل هذه الأجواء  ومع بواكير حقبة الأمل والوعد الجديد تأتي أزمة الخليج  بالشكل الذي تطورت إليه لتمتحن العالم في توجهه ونزوعه  وأقول العالم لأن أزمة الخليج  تتمحور حول النفط الذي تحتاجه كل الشعوب ويشكل أكثر من أي وقت مضى  أهم مرتكزات  الحقبة الجديدة  التي تتطلع فيها  الشعوب للعيش في عالم يسوده السلام والتعاون والبناء من أجل حياة  أفضل للإنسان في منأى عن المجابهة والمنازعات التي أنهكته  واستنزفت طاقاته في العهد الذي مضى . وبناء عليه فإن منطقتنا العربية  وفق مقاييس هذه الحقبة الجديدة  قد أصبحت ذات أهمية  قصوى لهذا العالم  ليس فقط بسبب موقعها وإتساع رقعتها وحجم سوقها التجاري . بل لمخزونها النفطي الهائل الذي يقدر بثلثي  إحتياطي النفط العالمي أو يزيد  . وينعكس  الإهتمام العالمي بمنطقتنا على أمور شتى  من أهمها الحرص على استقرارها  ضمن الأطر التي ترتضيها الدول الصناعية  الكبرى  ومنها محاولات التحكم في مسار نهوضها الإقتصادي  والإجتماعي والعسكري والعلمي والثقافي  بحيث ينسجم  مع تصورات  هذه الدول ومطامحها ولا يتعارض مع مطامعها  ومنها تعزيز  علاقاتها مع دول الجوار  من غير العرب  كي تبقى هذه الدول   مصادر تهديد  وإزعاج وابتزاز  للعرب سواء  فيما يتعلق بقدرتها على التحكم  بمصادر المياه المنسابة إلى ألأرض العربية أو فيما يتعلق بقدرتها العسكرية  كما هو الحال مع إسرائيل  على شن الإعتداءات المسلحة ومواصلة التوسع على حساب الأرض العربية أو فيما يتصل  بتطلعات بعضها للقضاء على البعد القومي العربي وحلم الأمة العربية الموحدة  وتذويب الشخصية العربية المتميزة بإسم الدين  أو تمزيق الجسم العربي بالعمل على تجزئة المنطقة ضمن الأطر العرقية . على هذه الخلفية التي أعلم أنكم أكثر من يدرك تفاصيلها وأبعادها جاءت أزمة الخليج لترى فيها الدول الكبرى  والصناعية  الفرصة الذهبية  لإعادة تنظيم المنطقة  وفق مخططات خبيثة تتناسب مع تطلعاتها ومصالحها  على حساب تطلعات ومصالح الشعوب العربية  . ولترى فيها أيضا الفرصة  السانحة  لوضع وترسيخ قواعد اللعبة الدولية وبلورة نمط التعامل مع منطقتنا في العهد الجديد . ولا يخفى عليكم والحالة هذه مجمل المخاطر التي ينطوي عليها  هذا التوجه  بالنسبة إلى ما أنجزته  أمتنا حتى الآن على تواضعه ومهما كانت مآخذنا على الكيفية التي كان يعمل فيها نظامنا العربي حتى 2/8/1990 فإن ذلك في رايي لا يبرر التضحية بمنجزات أمتنا . والأهم من ذلك لا يبرر  التضحية بالكثير الكثير الذي أنجزه  العراق بقيادتكم ليغدو بحق محط  إعتزاز العرب  وكبريائهم . وليستقر العراق  في وجدانهم  قاعدة الأمل والرجاء  لنهوضهم وتقدمهم كي يحتلوا المكانة العالمية والإنسانية الجديرين بها . إن هذا ليس رأيي فقط بل هو رأي جلالة الملك الحسن الثاني  والرئيس الشاذلي بن جديد  وبالتأكيد هو رأي الجماهير العربية . فالعراق الذي يحتل هذا الموقع المتميز  في القلوب يجعلنا نؤمن بأن العراق ما عاد ملك نفسه وأن قيادته  ما عادت للعراق فقط . فالعراق وقيادته  أصبحا لكل العرب  في كل أقطارهم . ومن هنا يأتي  شعورنا الصادق بالقلق عليهما وبضرورة حمايتهما والحفاظ عليهما وبحقنا في إبداء رأينا  بما يدور  كيلا تقع الكارثة التي إذا أصابت العراق  – لا سمح الله –  فإنها ستصيبنا جميعا . وبناء على هذا  الفهم والتحليل والتقييم الذي  شاطرني إياه جلالة الملك الحسن الثاني وسيادة الرئيس  الشاذلي بن جديد  وعلى ضوء تطور الأزمة  ووعينا الكامل  على مضاعفاتها ومكتنفاتها التي ذكرت  ومن منطلق حرصنا  الأكيد على المحافظة على سلامة العراق وما يمثل  فلقد كلفت من قبلهما بطرح السؤال التالي على سيادتكم  كبداية لجهد عربي  جماعي مخلص وكلنا أمل ورجاء  بالتكرم بالإجابة السريعة  عليه . ما هي طلبات العراق المحددة والمعقولة والمقبولة من دولة الكويت ؟ سواء بالنسبة إلى حدوده معها  وحاجته إلى ممر حر  للمياه العميقة  في الخليج  أو بالنسبة للديون  والتعويضات  المالية  عن نفط حقل الرميلة أو غير ذلك إن وجد  ؟ وبمعنى آخر : ما هي الطلبات العراقية بحدوده النهائية  والواقعية والتي يمكن أن تلقى قبولا لدى القادة العرب الذين اجتمعت بهم  قبل زيارتي الأخيرة لكم كي أتبناها مع جلالة الملك الحسن الثاني والرئيس الشاذلي بن جديد  ونتحرك بها لإقناع الطرف المعني بها والقادة العرب الآخرين سعيا للتوصل إلى حل عربي للمشكلة قبل فوات الأوان   وضياع الفرصة  التي أخشى ما أخشاه أن تضيع وينزلق الوضع  في هوة المجابهة العسكرية  المدمرة التي ستجلب الخسائر والكوارث ليس لعراق الأمل والرجاء وحده بل للأمة العربية بأسرها . ولا ريب أن سيادة أخي يعلم بأننا ملتزمون بمبدأ عدم جواز إحتلال أراضي الغير بالقوة  ليس فقط من حيث المبدأ  المجمع عليه عالميا  بل أيضا من  واقعنا في مواجهة الأطماع الصهيونية والإحتلال الإسرائيلي القائم للأراضي العربية . إذ أن التهاون في الإلتزام بهذا المبدأ  وبخاصة في منطقتنا  سيشكل سابقة خطيرة  تستفيد منها إسرائيل بكل ماينطوي عليه ذلك من مضاعفات تهدد  أمن الأردن ووجوده  مثلما تهدد الأمن القومي  بشكل عام . وكما تعلم فهناك إجماع عربي  على التمسك بهذا المبدأ  الذي يعني  عدم القبول بإجراءات الضم  وبخاصة إذا أدت إلى إزالة  دولة  قائمة  عضو في الجامعة العربية والأمم المتحدة . كما لا يخفى على أخي  أن هذه الحالة  هي الأولى من نوعها  في ظل الأوضاع الجديدة  السائدة في العالم . الأمر الذي  لا يمكن أن يرضى به أحد  لأنه في حالة السكوت عليه سيغدو سابقة  قد تشجع آخرين  في مناطق أخرى على إعتمادها  مما سيؤدي إلى نشوب نزاعات وحالات من عدم الإستقرار  في أقاليم متعددة وفي زمن يتجه فيه العالم  نحو حل النزاعات لا تفجيرها . وهذا ما يفسر  التوافق الدولي الواسع ووقوف دول العلم وراء الولايات المتحدة التي نعلم جميعا أن لها أغراضا مبيتة غير هدفها المعلن بتحقيق أنسحاب العراق من الكويت وعودة الشرعية إليه . ومن المهم أن يعرف أخي  أن معظم العرب يخشون بصدق ( ولهم الحق في ذلك ) على العراق  . العراق الظاهرة الجديدة بإمكاناته  العلمية والبشرية والعسكرية والمادية  . وتصل خشية بعضهم على العراق  ظاهرة الأمل والرجاء  حد الإعتقاد بأن شركا قد نصب له ووقع فيه . مهيئا بذلك الفرصة التي طالما  انتظرها أعداء الأمة لضربه  وتدميره تحت غطاء الإنتصار لدولة الكويت وبإسم الشرعية الدولية  بينما هم في الحقيقة  ساعون لإنهاء العراق وسحق آمال أمتنا العربية  فيه وفيما يمثل وتدمير ثقة أمتنا المتجددة بنفسها . لقد أدركت ذلك شخصيا  منذ البداية  وعلى أساسه شرعت بالعمل  المضني باذلا كل ما في جهدي للتوصل إلى حل عربي  من أجل إحباط ما يراد بالعراق ومن بعده بأمته . وقد وضعت العراقيل أمامي وما زالت توضع وتدهورت الأمور بشكل  متسارع لم يعرف له العالم  مثيلا  حتى غدت المنطقة على  حافة الإنفجار . وفي الحقيقة لا أرى أمامنا كثيرا من الوقت  فنحن في سباق مع الزمن  لتفادي الكارثة . وإذا وقعت – لا قدر الله – سيفتح المجال أمام الفريق الذي حاربنا لمدة ثمانية أعوام  وعلى خلفية الدمار وما سيجره من إحباط ونقمة  ويأس  ليكون أحد الأطراف المتربصة  والمؤهلة لوراثة العراق ولتسديد الضربة القاسية لما دافع عنه العراق  نيابة عن أمته  العربية وقدم في سبيل ذلك  أغلى التضحيات وأعطى بكل كرم وسخاء . والحرب إذا نشبت فلا بد أن يكسبها في النهاية طرف مهما كانت خسائره . أما الخاسر الحقيقي  فيها فسنكون نحن العرب  المؤمنين بحق أمتنا  في الحياة سواء كنا في العراق أو في أي بقعة من وطننا العربي الكبير . أما إذا كتب لنا النجاح بعون الله في تجنبها  وتمكنا من التوصل إلى حل عربي  فيكون العراق  قد حقق الكثير  بالرغم من الآلام والخسائر التي رافقت الأزمة . ويكون العراق قد نجح في الحفاظ على منجزاته  لشعبه ولأمته ويكون العراق قد حل المشكلة  مع إيران ويكون العراق قد أوصل  رسالته  بتجسير الفجوة بين أغنياء العرب وفقرائهم  وثبتها كقضية قومية  في نفوس الشعب العربي  وكسب بها الأنصار والمتفهمين  حتى على الساحة الدولية ويكون العراق قد حقق مطالبه المشروعة التي كانت موضوع الخلاف  مع دولة الكويت الشقيقة  ويكون العراق  قد نجح في إحراج العالم الذي أهمل القضية الفلسطينية  وفي حمله على تحمل مسؤولياته  بما فعله إزاء الكويت بإلتزامه بتنفيذ القرارات الدولية  ويكون العراق قد فوت  على الأعداء الإستفادة من إنقسام الأمة العربية  وفوق هذا وذاك فإننا الآن على عتبة  عهد عربي جديد  لن تعود الأمور إلى ما كانت عليه إذا ما توصلنا  إلى تسوبة سلمية لإي إطار عربي . فهل يوفقنا الله جميعا  في صون هذه المكتسبات  ؟ نعم أعتقد أن بإمكاننا أن نصونها  بل نبني ونؤسس عليها  إذا توصلنا إلى تسوية  سلمية في إطار عربي  تقبلها الأطراف العربية المعنية  – تسوية تحترم فيها  إرادة الكويتيين ليقرروا بملء  حريتهم ما يريدون – بقيادتك الشجاعة  مبدأ عدم جواز استخدام السلاح العربي ضد العرب وأن كل دولة عربية شقيقة مهما صغرت في حجمها   هي بنفس حجم الدولة العربية الكبيرة في حقوقها – تسوية  تبين أن إحتلال العراق للكويت  لم يكن إلا من قبيل الدفاع عن النفس  وليس من قبيل التوسع والهيمنة- تسوية كفيلة  بتصويب ما حدث وبتطويق الأزمة  تمهيدا لحلها  ووصولا لإستعادة الثقة بين الأشقاء –  وإرساء قواعد الإستقرار  في المنطقة  وتنظيم صفوف الأمة في بداية عهد جديد واعد. لقد وقفت معك – يا أخي – بكل صدق وأمانة وإخلاص كما لم أقف مع أحد من العرب بما وجدته فيك من نبل وأصالة وعروبة صافية ورجولة حقة وأنا واثق من إدراكك لذلك . لقد تكشفت هذه الأزمة عن حقائق كثيرة كان أكثرها مرارة على النفس ما اتضح  لي أنني وبلدي كنا فريسة لعملية  دس رخيصة لدى عدد من أشقائنا . وقد كان أبطال عملية الدس هذه بعضا من أخواننا العرب ممن كانوا موضع الثقة والتقدير  بمشاركة من البعض من خارج المنطقة  الأمر الذي فسر لنا الكثير من المواقف المعادية  لنا . لقد أشاع  هؤلاء  بأن القيادات الأردنية والعراقية  واليمنية تتآمر على أقطار عربية أخرى وعلى قياداتها وخيراتها . أخي أبا عدي لقد أصابني والأردن مثلما أصاب أخوتك  في اليمن  ضر بالغ  لا يقل في حدته  وحجمه عما أصابك وأصاب العراق الحبيب فهل تتجاوب معنا  لما فيه مصلحتك وخيرك ومصلحة وخير العراق  وشعبه الذي وحدت وقدت والذي قدم تحت قيادتك  وبكل الرضا والسخاء  ما قدم من تضحيات جسام ودماء زكية ؟ هذا ما أرجوه من صميم فؤادي . لقد قلت لك  عند وداعي لك في آخر مرة سعدت بزيارتي فيها لك : أرجو أن تطلبني  إذا شعرت بحاجة إلي . وغادرت بغداد إلى ألأردن  مهموما محزونا فيما كنت أتمنى أن أواصل التحرك  لمنع التدهور الذي ما زال يجري منذ ذلك الوقت  فهل تسمع ندائي  ونداء كل عربي مخلص قبل فوات الأوان ؟ وهل يمكن  أن نعمل معا لإستعادة الأصدقاء الذين فقدنا منذ تفجير الأزمة  وكسب أصدقاء جدد ؟ إن لكم أشقاء يعانون  أكثر مما تعانون منه مباشرة  تألما مما يهددك ومما يحيق بالعراق والأمة من أخطار فهل تعطينا الفرصة لنتحرك  نحو تصويب الأمور  وفتح أقنية التواصل  بينكم وبين  أشقائكم في منطقة الخليج الذين أصيبوا بالذعر والصدمة  مما حدث فوقعوا مثلما وقع العراق في حبائل التواجد العسكري الأجنبي الضخم والمتزايد ؟ . هذه الأسئلة  أوجهها لسيادتكم كتابة ولا أعتقد أنه يخفى  على أخي حجم المسؤولية التاريخية المترتبة  على جوابه . فإن شئتم وحددتم  إجاباتكم بشكل إيجابي فسأتحرك للإلتقاء بكم  وأخذ الأجوبة منكم مباشرة  وإذا ارتأيت أن ترسلها مع رسول منكم فأرجو أن يتم ذلك  بأسرع ما يمكن . أما إذا ارتأيتم  خلاف ذلك فلا حول ولا قوة إلا بالله  . وحينئذ لا أجد حاجة للتحرك نحوكم حتى لا أكون مضطرا عند عودتي أن أقول  بألا أمل في حل عربي وهو ما طلب مني أن أقوله بإلحاح ورفضته  ورفضه أخواني الذين زرتهم سابقا ولاحقا  حتى لا يشكل مثل هذا القول الضوء الأخضر  والمبرر للإنفجار  الكبير الذي جرت التهيئة له بكل إتقان وحتى  لا نكون سببا في الأقدار التي نخشى أن تكون على درجة عالية من القسوة . وفقكم الله وأعانكم وألهمنا جميعا سداد القرار وصواب العمل وأخذ بأيدينا  في سعينا لنيل مرضاته وتقبلوا صادق مودتي ومحبتي والله يحفظكم ويرعاكم. والسلام عليكم ورحة الله وبركاته الحسين بن طلال عمان في 3 ربيع الأول سنة 1411 هجرية الموافق  22  أيلول  سنة  1990 ميلادية

باحث في الدراسات الإستراتيجية والأمن القومي