مياه الديسي ومحافظات الجنوب
د باسم الطويسي

2013 02 23
2013 02 23

لا توجد حصة واضحة من مياه الديسي لمحافظات الجنوب التي تعاني من أزمة مياه متنامية ومتفاقمة، إضافة إلى تردي نوعية المياه المتوفرة حاليا، إلى درجة أنها لا تصلح للشرب في بعض المناطق، وتحديدا في كل من محافظات معان والطفيلة والكرك. وعلى الرغم من تصريحات رسمية سابقة وعدت بوجود حصة لهذه المحافظات التي يمتد الحوض المائي فيها، وتُسحب المياه فوق أراضيها، إلا أن تصميم المشروع الحالي، والذي أنجز منه أكثر من 90 %، لا يشير إلى وجود نية لشمول هذه المحافظات؛ فقد أبعد خط نقل المياه عشرات الكيلومترات عن بعض المدن.

ومع اقتراب المشروع من أيامه الأخيرة، ازداد إدراك المجتمعات المحلية في تلك المحافظات لهذه النتيجة، وأن التطمينات الرسمية التي بقيت غامضة وغير واضحة وتؤجل الحديث عن مسارات الخطوط التي تخص هذه المحافظات، لم تكن إلا محاولة لشراء الوقت وتمرير استكمال الشركة المنفذة لأعمالها؛ الأمر الذي يضيف المزيد من التعقيد على مستقبل التنمية وعدالتها في تلك المحافظات، ويزيد من شعور المجتمعات هناك بأنها مستهدفة ومحرومة من أكثر ما تحتاجه من مواردها.

تشكل مياه الديسي آخر ما تبقى للأردنيين من مخزون مائي استراتيجي صالح للشرب. والخط الجديد الذي تبلغ قدرته الاستيعابية 100 مليون متر مكعب سنويا، هو الناقل الوطني للمياه من جنوب المملكة إلى وسطها. وعلى الورق، وفي التصريحات الإعلامية، فسيزود الخط جميع محافظات المملكة بالمياه من خلال فتحات في كل محافظة؛ وعلى الورق، وفي التصريحات الإعلامية، فإن حصة العاصمة من الخط ستكون 60 %، فيما تذهب نسبة 40 % لبقية محافظات المملكة. لكن الوقائع على الأرض لا تشير إلى ذلك.

على مدى سنوات طويلة، صمتت الدولة، بمؤسساتها التنفيذية والرقابية، عن واحدة من أكبر جرائم الاعتداء على الموارد الوطنية، المتمثلة في هيمنة حفنة من الشركات الزراعية على حوض الديسي، ما أدى إلى خسارة الخزينة العامة أكثر من مليار دينار، منها نحو 467 مليون دينار خلال آخر عشر سنوات، نتيجة عدم امتثال تلك الشركات لنظام مراقبة المياه الجوفية الصادر العام 2002، إضافة إلى التأثيرات العميقة والخطيرة على نوعية المياه. هذه الخسائر دفع الجميع ثمنها، لكن تأثيراتها البالغة على التنمية في محافظات الجنوب ما تزال أكثر وضوحا وعمقا.

الموارد الوطنية العامة، بكل أنواعها، وأينما كان توزيعها؛ في الشمال أو الوسط أو الجنوب، هي ملك للمواطنين كافة. ولا نريد نشر ثقافة المحاصصة في الموارد الوطنية على محدوديتها، ولكن هناك حاجة إلى سلوك رسمي أكثر كفاءة في رسم خرائط توزيع الموارد بعدالة ومسؤولية.

إن فتح ملف السياسات التنموية الوطنية يعني قبل كل شيء إعادة تسيير التنمية على قدميها بدلاً من رأسها، وذلك بإعادة تعريف إدارة الندرة في الموارد، وتأهيلها وطنياً، وإعادة صياغة القدرات التوزيعية للدولة؛ أي إعادة اكتشاف المحافظات وترميم ما أصابها من اختلالات في تاريخ التنمية، تعود إلى عقود من الإهمال والاستنزاف. وأبسط مضامين العدالة التوزيعية يتطلب النظر بأثر رجعي إلى الفجوة التنموية والوقائع الراهنة؛ ولعل جراح الفوسفات والبوتاس تكفي للتدليل على حجم الكارثة.

السؤال الحري بالإجابة حول مستقبل المجتمعات المحلية المحيطة بمشروع الديسي، في البادية والأرياف الجنوبية، هو: هل ستلحق هذه المجتمعات بمياهها، فنشهد موجة جديدة من النزوح والهجرات الداخلية صوب عمان، بعدما اتضحت الصورة أكثر؛ فلا خطط أو مشاريع تنموية مرافقة، ولا مجتمعات عمرانية جديدة تتوفر لها أسباب الحياة والاستقرار، كما يحدث في كل المشاريع الاستراتيجية في العالم، ولا حتى مياها تشربها؟!