ناصر الدين: الجامعات تساهم في التنوير لمواجهة ثقافة التطرف

2015 02 11
2015 02 11

dr.yaqoob (11)صراحة نيوز – يعول الكاتب والباحث د. يعقوب ناصر الدين على الوعي والتنوير كوظيفة أساس للمؤسسة الأكاديمية، وهو كرئيس لمجلس أمناء جامعة الشرق الأوسط يراهن على بناء استراتيجية وطنية للبحث العلمي تشكل منطلقا لتنمية الخلق والإبداع وتوازن بين حاجات الإنسان ووجبات المواطنة، ولا ينسى خلال ذلك دور المنتديات الثقافية في تعميق الوعي الاجتماعي لتحقيق النمو والنهضة والتقدم والتنوير في مواجهة ثقافة الموت، عن دور المؤسسات الأكاديمية والمجتمع، ومحاربة التطرف، تالياً الحوار: غياب البحث العلمي، وكيف يمكن أن تساهم الجامعة بحثيا في التنمية ؟ منذ وقت بعيد لم يعد ينظر إلـى الجامعات أنها مجرد مؤسسات تعليمية ، بل إن أحد الشروط التي تجعل منها جامعة بالمعنى الأشمل يرتبط بمدى انفتاحها على مجتمعها المحلي أولا، وعلى المجتمع ، آخذة في الاعتبار أن الطلبة الذين يأتون إليها من جميع محافظات المملكة، هم في الحقيقة العنصر المشترك الأول بينها وبين المجتمع ، وواجبها لا ينحصر في تلقين المواد الدراسية، وإنما إعداد جيل الشباب وتطوير قدراته المعرفية، ومهاراته الذاتية ، لكي يكون قادرا على المشاركة في التنمية الشاملة. وبالطبع فالبحث العلمي، ليس عنواناً نضيفه للتعليم العالي فقط، بل عملية ترتبط بمتطلبات التنمية تتشارك فيها القطاعات كلها، بمعنى أن الجامعة تعلم الطلبة منهجيات البحث، وتوجههم في اختيار موضوعاتها، ولكن هذه المسألة تحتاج إلـى توجيه القطاعات الاقتصادية للتعاون والتنسيق بما يتيح فرصة الاستفادة من نتائج الأبحاث. وهنا لا بد أن نطرح على أنفسنا سؤالا مهما ، وهو هل نستفيد حقا مما لدينا من أبحاث ودراسات وتوصيات؟ إنها موجودة ومنجزة من خلال رسائل الدكتوراه والماجستير ومراكز الأبحاث والمؤتمرات والندوات وغيرها ، فنحن نتحدث أحيانا وكأننا في أول الطريق، والسبب في ذلك أنه لا توجد جهة مؤسسية يرسل إليها هذا الفيض من الأبحاث التي لا يستفاد منها على نطاق وطني، ولذلك فإنني أدعو إلـى إعادة النظر في فهمنا لأهمية هذه المسألة، والبدء بعملية توظيف لتلك الدراسات والأبحاث، وتحديد الجهات التي يجب أن تستفيد منها، والأهم من ذلك هو الاتفاق على استراتيجية وطنية للبحث العلمي تشكل منطلقا لتنمية الخلق والإبداع والتميز، وتعزيز الثقة بالقدرات الإبداعية الأردنية ، والاستفادة منها في التنمية الشاملة ، وعملية الإصلاح والتطوير.

كيف يمكن للجامعة أن تسهم في الارتقاء بالوعي ومحاربة التطرف ؟ نحن نعيش مرحلة تاريخية تتسم بالعنف ، بل في أسوأ أشكال العنف الذي يمارس فيه القتل والدمار في كل المناطق التي تحيط بنا، وإن لتلك الحروب القائمة في العراق وسوريا ، وما نراه من جرائم ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني مشاهد منقولة عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الإلكترونية ، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تساهم في نشوء حالة من التأزم النفسي والغضب واليأس، وخاصة في أوساط الشباب، سواء كانوا داخل الجامعات والمعاهد والمدارس أو خارجها، وهو ما يفسر ما حصل في كثير من الجامعات الأردنية حيث تشعل الشرارة مشكلات صغيرة بين الطلبة، وتتسع أحيانا لتشمل فئات من المجتمع. هنا لا بد من التطبيق الصارم للقوانين والأنظمة ، ولكن ذلك ليس كافيا لحل أسباب المشكلة، لا بد من وجود أيدلوجية تتصدى لتلك الظاهرة الناجمة عن التطرف، وقد أشار جلالة الملك عبدالله بن الحسين في مقابلة مع محطة « سي بي إس « الأميريكية إلـى البعد الأيدلوجي كأحد عناصر التصدي للإرهاب ، لأنها في أحد جوانبها ترتبط بالوعي الذي يجب أن نعمل من أجل الارتقاء به، وعلى الجامعات أن تتحمل مسؤولياتها على عدة مستويات، بتعميق الشعور بالإعتدال والسلوك الحضاري ، من خلال عملية التدريس والنشاطات اللامنهجية الأخرى، ونحن في جامعة الشرق الأوسط انتبهنا لهذه الظاهرة، ولمسؤولياتنا تجاه الطلبة والمجتمع، وحصلنا على تقدير الهيئة الوطنية للحوار ونبذ العنف، وأتحنا فرصة إطلاع الطلبة عليه لكي يشعروا بقيمة التقدير لهم ولإدارة جامعتهم على حد سواء.

ماذا عن البرامج الثقافية والفنية واللامنهجية التي تنظمها الجامعة لإغناء المشهد الثقافي المحلي والعربي ، وإبراز المبدعين في الفن والثقافة؟ نحن نحرص كثيرا على هذا النوع من متممات الحياة الجامعية، ولو نظرت لأي كتاب من كتب «الحصاد الثقافي» الذي نصدره في نهاية كل سنة جامعية، سترى الحجم الكبير لتلك الأنشطة وتنوعها، ذلك أننا على يقين أن التدريس في حد ذاته ليس كافيا لكي يؤهل الطالب لخوض غمار الحياة العملية، بل إنه بحاجة إلـى الانغماس في حرم الجامعة من خلال النشاطات والفعاليات لكي يتعرف عليها ويتفاعل معها بما يتيح له الفرصة لتطوير مهاراته واكتشاف قدراته، قبل أن يتخرج من الجامعة، وهذا نوع من التأهيل اللازم المرتبط بجدوى التعليم الجامعي، والجوانب المرتبطة بتنمية الروح الإبداعية لدى الطالب كثيرة ومتنوعة، فهناك فضاءات مثل الموسيقى والتمثيل، والأمسيات الشعرية وإنتاج البرامج الإذاعية والتلفزيونية، والمهارات الصحفية، وغير ذلك مما هو من مسؤوليات شؤون الطلبة بالتعاون مع جميع الكليات.

ضعف التعليم المدرسي وتراجعه، وانعكاسه على التعليم الجامعي، ما هو دور الجامعة في معالجته ؟ هذه مشكلة عامة يعاني منها العالم العربي بأكمله، وحتى في أوروبا وأميريكا نطلع على دراسات حول تراجع أهم عنصر في التعليم المدرسي، وهو تغير مفهوم التربية تشكل مع التعليم الثنائية المثالية لتأهيل الطالب تأهيلا راقيا منذ الصف الأول حتى نهاية التعليم الجامعي ، فالأصل في هذه العملية هو إعداد الأجيال لتكون قادرة على إحداث التغيير الإيجابي داخل المجتمع وتحقيق تطوره وازدهاره ، وتطوير قدراته البشرية التي تنعكس بعد ذلك على القدرات العامة. ويجب أن نتذكر دائما الجهود التي بذلت لمكافحة الأمية في العالم أجمع، وما حققناه نحن في الأردن على هذا الصعيد، لأن المجتمعات الأمية لا يمكن لها أن تتقدم، وهذا لا يعني أن مجرد التعليم في حد ذاته يضمن عملية التقدم بصورة مطلقة، بل إن نوعية التعليم هي التي تحدد وتيرة التقدم ومستواه. وفي هذا السياق لن أزيد شيئا عما قاله وزير التربية والتعليم د.محمد ذنيبات عن مستوى الطلبة في مرحلة التعليم المدرسي الذي يبعث بمخرجاته إلـى التعليم الجامعي، وبالتالي مخرجات التعليم الجامعي إلـى المجتمع، هنا نحن نتحدث عن المستوى بشكل عام، ولكن الجامعات يجب أن تأخذ ذلك في الإعتبار وأن تعمل على إعادة التأهيل قدر استطاعتها، دون أن نغض النظر عن ضرورة صياغة استراتيجية وطنية شاملة لمعالجة المشكلة من أساسها.

ما هي العوامل التي تجعل جامعة ما قادرة على أن تصنع هذا الفرق الذي أشرتم إليه؟ اتحدث هنا عن مسألة هي في صميم رسالتي والدور الذي أقوم به حاليا في المجالين الوطني والقومي ، وهو» حاكمية الجامعات العربية « التي أصبحت اليوم مبادرة عربية كلفني برئاستها المؤتمر الأخير لاتحاد الجامعات العربية الذي انعقد في رحاب جامعة الشرق الأوسط بالتعاون والتنسيق مع الأمانة العامة التي تتخذ من عمان مقرا دائما لها ويديرها بحكمة د.سلطان أبو عرابي. لقد تبنى المؤتمر ثلاث مبادرات أبرزها صياغة دليل موحد لحاكمية الجامعات العربية من أجل تعزيز قدراتها التنافسية بناء على ورقة عمل تقدمت بها وتمت الموافقة عليها مع تشكيل أمانة عامة للمبادرة برئاستي لوضع إطار مفاهيمي للحاكمية في الجامعات العربية تستطيع من خلاله معالجة المعيقات القائمة وتحديد المتطلبات المستقبلية من خلال عملية التفكير الاستراتيجي وإدارة التغيير وتفعيل الإمكانيات المتاحة والاستفادة من تجاربنا وتبادلها بما يحقق عملية النهوض الشاملة التي من شأنها أن تضع الجامعات العربية على خارطة التعليم العالي على المستوى الدولي. لقد أنجزنا مسودة مشروع الحاكمية وفق خطة متكاملة الجوانب سيتم عرضها على المؤتمر القادم المقررعقده في بيروت أذار 2015، وسيتم تعميمه على الجامعات العربية لإبداء رأيها وملاحظتها تمهيدا لصدور الدليل في صورته النهائية ، وبعد ذلك ستعمل الأمانة العامة للمبادرة التي سيكون مقرها في جامعة الشرق الأوسط على متابعة الالتزام بهذا الدليل مع الجامعات الراغبة في تطبيقه وذلك من خلال اللقاءات والندوات وورشات العمل التي ستعقد من أجل هذه الغاية. وأشير هنا بعجالة إلـى المبادرات الأخرى التي تقدمت بها جامعة الشرق الأوسط كدليل على أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به الجامعات في إطار القضايا القومية ذات الأهمية، ومن بينها الاهتمام باللغة العربية وتطويرها من خلال مشروع (التنال العربي) وهو مشروع تربوي عربي على غرار المناهج العالمية في مقاربة اللغات والإطار الأوروبي المرجعي المشترك لـ(ICDL.TOFFL) أي أن المشروع العربي يقوم على الاختبار المعياري في اللغة العربية وهو موجه للناطقين بها في المرحلة الأولـى ولغير الناطقين بها في المرحلة الثانية وهو مرتبط كذلك بمعايير القبول الجامعي والحقل الوظيفي أيضا. والمبادرة الأخيرة تتعلق بمساق عن القدس تلتزم الجامعات العربية كلها بتدريسه نظرا لأن القدس تشكل حجر الزاوية في الصراع العربي الإسرائيلي لهذه المدينة المحتلة التي تتعرض للتهويد بشكل متواصل وهو ما يفرض علينا أن نعمق تلك القدسية في قلب ووجدان الطلبة العرب وبالتالي وجدان الأمة كلها.

مشاريع الجامعة المستقبلية، وخصوصاً في ظل ثورة المعلومات والاتصالات وشبكات التواصل الإجتماعي. لا أبالغ إذا ذكرت أن كل خطوة نتقدم بها إلـى الأمام مرتبطة بشكل أو بآخر بثورة المعلومات والإتصالات، ولا أريد الحديث بالتفصيل عن الدور الذي تقوم به الكليات المتخصصة، أو المراكز ذات العلاقة، لكن أتوقف عند نقطة واحدة أراها غاية في الأهمية، خاصة وأننا تحدثنا عن مستوى التعليم الدراسي والجامعي، وضعف البحث العلمي، وهي أن جيل الشباب في معظمه منفتح أصلا على هذه الثورة الإتصالية، ولذلك عملت الجامعة على تعزيز هذه المهارات لدى الطالب من خلال العملية الأكاديمية، وأصبح لدى هيئة التدريس معايير إضافية في توصيل مواد التدريس، وفي تقييم الطالب أيضا. ثمة مشاريع كثيرة في هذا الشأن ترتكز على عقد الشراكات والإتفاقيات مع الجامعات والمراكز الدولية وشركات الإتصالات، والأهم أننا نسعى إلـى اعتماد الجامعة الإلكترونية في جميع أعمالها.

دور الأكاديمي في بناء المجتمع المدني ونهضته ؟ لقد تم تأسيس منتدى الخليل للتنمية الشاملة، هو جمعية تطوعية مسجلة لدى وزارة التنمية السياسية، وغايته منسجمة مع اسمه، ومهامه الأساسية، وهي نشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتوسيع القاعدة الشعبية في اتخاذ القرار من خلال تشجيع المجتمع على الممارسة الإنتخابية على أساس البرنامج الإنتخابي. لقد تزامنت فكرة المنتدى مع الانتخابات البرلمانية لمجلس النواب السابع عشر، وتم عقد العديد من اللقاءات التشاورية مع النخب الاجتماعية وبشكل خاص من أبناء الخليل من أجل دعوتهم إلـى ممارسة حقهم الانتخابي ترشحا أو انتخابا، وتحفيزهم على المشاركة في اتخاذ القرار وهو حق من حقوق المواطنين جميعا وتعزيزا لدورهم في الحياة العامة واختيار ممثليهم بناءً على برنامجهم الإنتخابي أولا وأخيرا وليس بناءً على صلة القرابة أو الاعتبارات الإجتماعية الأخرى.

ككاتب عمود صحفي، كيف ترى المستقبل العربي في ضوء الراهن، ومؤشرات المستقبل؟ المستقبل العربي ليس منفصلا عن مستقبل العالم كله في ما نشهده من صراعات ظاهرة أو خفية، ولكن ما يواجهه العالم العربي من تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية هو الأسوأ في تاريخه الحديث، فنحن نشهد استمرار الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ونرى العراق في حروب متعددة الأطراف، ونتابع القوة المتصاعدة للإرهاب الذي بدأ يملك أدوات لم يسبق أن توفرت له من قبل، إننا نعيش أزمة حقيقية، تحطم دولا وقيما لم نلتفت لها بعد، وخاصة الآثار الإجتماعية لتلك الحروب التي تحصد أرواح الشباب بشكل خاص، فالراهن شيء مقلق جدا والمستقبل يفرض علينا أن نستشرفه ونخطط له لكي نكون قادرين على استيعاب ما هو متوقع على هذا الصعيد.