هل يبقى قانون الانتخاب؟!

2016 10 28
2016 10 28

jameel-al-nimri“هل يبقى قانون الانتخاب؟”. هذا السؤال يوجه لي باستمرار، وبصيغة استنكارية تتضمن حكما سلبيا قويا على القانون. وأنا ليست لدي معطيات لأجيب عن السؤال الآن، ومن المبكر فعل ذلك. ولا أعتقد أن أوساط القرار وضعت التجربة الانتخابية الأخيرة على مشرحة التقييم، وخرجت باستخلاصات معينة بشأن تثبيت القانون أو تغييره.

لكن أعرف أن الهيئة المستقلة للانتخاب عكفت على إعداد تقرير عن الانتخابات الأخيرة لرفعه إلى جلالة الملك. وهو تقرير يستعرض تجربة الهيئة مع إدارة الانتخابات بالقانون الجديد، ويتضمن بالتأكيد ملاحظاتها على الجوانب الإجرائية والسلبيات أو جوانب قصور في التشريع التي صادفتها في التطبيق وتنبغي معالجتها. لكن لا أعرف ما إذا كان التقييم سيشمل جوهر النظام الانتخابي نفسه، وإبداء وجهة نظر حوله للاستمرار به أو تغييره. الناس خرجوا باستخلاصات مختلفة من تجربة الانتخابات، ويرى كثيرون أنه لم يكن مقنعا وأثبت فشله. وهذا الرأي يسود عند الوسط المحلي الذي أحتك به، لكن يتوجب إجراء استطلاع عام، من جهات متخصصة، للحصول على معلومة موضوعية. فقد يكون الموقف السلبي سائدا بصورة خاصة عند الأوساط القريبة من مرشحين خسروا الانتخابات، ويميلون عادة إلى تحميل النظام الانتخابي المسؤولية.

من المعروف أنني كنت من عرابي نظام التمثيل النسبي للقوائم المفتوحة، رغم معارضتي الشديدة لمفاصل مختلفة في القانون كما قدمته الحكومة. وبعد إقرار القانون، كنت أفكر سلفا في التعديلات التي يجب إجراؤها عليه في ضوء السلبيات التي ستظهر، وهي ظهرت بالفعل. لكن المشكلة أن سلبيات أخرى حمّلها البعض للقانون، هي في الحقيقة تخص واقعنا الاجتماعي والسياسي وتخرب العملية الانتخابية أكانت بهذا النظام أم أي نظام آخر. مثلا، توقعنا أن المال الأسود وشراء الأصوات سيتراجع مع نظام القوائم، لكن حدث العكس. فبدل أن يشتري المرشح الأصوات مباشرة، أصبح يشتري مرشحا مع قاعدته الانتخابية؛ أي إن “المرشح الحشوة” قد لا يأتي فقط لاستكمال العدد، بل يبذل أقصى جهد لجمع أكبر عدد من الأصوات للقائمة ولرأس القائمة، ويقبض على عدد الأصوات التي يجلبها. وتوسيع الدائرة الانتخابية كان يفترض أن يقلل من قيمة شراء الأصوات، لكن الحاصل أنه فتح الباب للوصول إلى شرائح بعيدة ليس لها مرشحون وغير مهتمة بالانتخابات، لكنها توفر كماً كبيرا من الأصوات القابلة للبيع. التجربة تقول إن الفساد قادر ويطور مهاراته في التكيف والاستفادة من أي نظام انتخابي يتم وضعه. والتجربة تقول إن القيم آخذة في التدهور أكثر فأكثر، بحيث لم يعد يُنظر إلى بيع وشراء الأصوات كفضيحة مخزية وعار يلطخ من يتورط بهما، مرشحا أو ناخبا. ويرتبط بذلك تراجع الثقة بالانتخابات وبالنيابة، وأهميتها بالنسبة لحياة الناس ومستقبلهم. وإذ يصبح معنى الانتخابات هو فقط تمكين الطامعين بالحصول على المنصب الثمين، فلم إعطاؤهم الصوت مجانا؟!

هذا لا يعني العودة الى النظام السابق، بل يمكن إجراء تعديلات معينة على النظام الانتخابي الحالي، ومن بينها الأفكار التي طرحتها أثناء مناقشة القانون في مجلس النواب السابق. ويمكن توسيع دائرة التفكير أكثر. وإلى الأمام قليلا، لا بد من عقد ورش تقييم لما جرى، ونقاش التغييرات الممكنة على القانون. لكن بالأهمية نفسها وأكثر، يجب أن تكون هناك وقفة تأمل وتفكير عميقين في مواجهة حالة الفساد العام والتدهور القيمي في المجتمع، والتي لا ينفع معها ولا يعالجها أي نظام انتخابي.

الغد جميل النمري