هُواة الجراحات العاجلة! – خيري منصور

2013 07 16
2013 07 16

20 ما حدث عربيا خلال ثلاثة أعوام وتعددت مسمياته من الربيع إلى الثورة والانتفاضة والتمرد أدخل أمة برمتها إلى الطوارئ وفي غياب الأطباء الأخصائيين في الجراحة تولى ممرضون وممرضات وعمال نظافة إجراء عمليات دقيقة للأعصاب والدماغ والقلب، فانتهى المشهد إلى ما نحن عليه الآن، وهو موجات متعاقبة وقد تكون عارمة لكنها لا تصل وما أن تلامس اليابسة حتى تعود. فهل كان السبب المباشر هو غياب السياقات الفكرية ودور النخب في إصلاح البوصلات المعطوبة؟ أم أن اندلاع البراكين من باطن المجتمع الذي يجهل معظمنا صفائحه الجيولوجية وما تراكم وهجع فيه من المكبوتات هو الذي حذف الشعرة بين الثورة والفوضى، وبين تغيير إلى الأفضل وتغيير إلى الأرذل؟ قلنا من قبل وسخر منا هواة الكتابة الموسمية إن أفضل تحليل لما حدث جاء من خارج عالمنا العربي وبالتحديد من كاتب اسباني هو غواتسيلو الذي قرأ هذا الحراك الذي راوح بين العمى والحول في ضوء الرؤى الخلدونية وما كتبه ابن خلدون استباقا عن صراع البدونة والتمدين، وقوى الشدّ إلى الأمام مقابل قوى الشد العكسي إلى الوراء. والتبسيط الذي قرئ من خلاله هذا الحراك العاصف ليس مخلاً فقط بل هو أشبه بنوبة صرع أصابت الناس عندما فوجئوا بما لم يكن في الحسبان، لهذا كان على هذا الحراك أن يبقى بلا رؤوس لفترة طويلة، وان يسود فيه التفكير الانفعالي على أية عقلانية، أما النخب التي كانت تتمتع بعطلة طويلة مدفوعة الأجر، فقد راوحت هي الأخرى بين الاسترضاء والصمت، الاسترضاء للشارع الذي يمارسه ديكتاتورية أيضا والخشية من إبداء الرأي في واقع متوتر ومشحون بالتخوين الفوري والتصنيف الوطني وفق أغبى حاسوب عرفناه في تاريخنا. إن طغيان الشارع المنفعل ينافس أحياناً طغيان نظام استبدادي بحيث يجد المرء نفسه بين أمرين كلاهما مر، ولأن العقل السياسي العربي سجين ثنائيات فهو لا يعترف بأي بعد ثالث.. وجربنا ذلك مراراً، بدءاً من احتلال العراق، حين بقيت المساحة شاغرة بين الاستبداد المحلي والاحتلال الخارجي، فمن يقاوم الاحتلال يدرج على الفور في قائمة المدافعين عن الاستبداد. إن ما لحق بهذا الحراك رغم مشروعيته الإنسانية والوطنية من تشوهات كان معظمه من جراحات الطوارئ العاجلة!