وأي مدرسة …!

2015 09 29
2015 09 29

Abdulrahman Badranكثير بيننا اليوم ينظر يمنة ويسرة ثم يمسك رأسه ليقول ماهذا الزمان الذي نعيشه ونحن نرى أنهار الدم تسيل بيننا منذ سنوات من إخواننا في فلسطين وسوريا والعراق وليبيا واليمن وغيرها ولا أحد يستطيع أن يضع لذلك حداً، وكثيرون يعتقدون بأن ما تمر به الأمة لم تمر بمثله على مر السنين، لكن من يلجأ إلى قراءة التاريخ جيداً يعلم تمام العلم بأن ما نمر به ما هو إلا بعض مما مرت به الأمة على مر آلآلآف السنين، حتى قبل بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام وما الحرب التي دامت 40 سنة بين قبائل العرب وراح ضحيتها الآلآف من البشر بسبب فرسي “داحس” و”الغبراء” إلا واحدة من أكبر الأمثلة، ولم تتوقف الفتن بعد بعثة نبينا عليه السلام، بل استمرت وسط تعذيب وقهر وظلم كل من اتبع دعوته من بني قومهم، ومحاولات الخلاص منه شخصياً مرة بالسم ومرة بالصخر ومرات بغيرها، ثم ظهور فتنة مدعين النبوة في حياته وبعد مماته عليه الصلاة والسلام، وارتداد عدد من المسلمين عن الاسلام بعد وفاته وحروب الردة في زمن أبي بكر رضي الله عنه، ومن بعده زمن عمر رضي الله عنه الذي غادر الدنيا على يد قاتل مجوسي، ومن بعده إشتعال الفتنة بين المسلمين وقيام فئة منهم بالثورة على عثمان بن عفان وقتله رضي الله عنه، وما تبع ذلك من إنقسام الأمة إلى فسطاط علي رضي الله عنه وفسطاط معاوية رضي الله عنه، وحرب دامت بينهما لسنوات وراح ضحيتها المئات إن لم يكن الآلآف من المسلمين كان من بينهم صحابة كرام، ثم بعد ذلك في عهد يزيد ابن معاوية وكارثة قتل الحسين رضي الله عنه ووقعة الحرة التي استبيحت فيها المدينة المنورة وقتل بها عدد كبير من الصحابة والتابعين، وإنقسام الأمة بعدها بين ابن الزبير وعبدالملك بن مروان لسنوات طويلة وقتل ابن الزبير أخيراً في ساحة المسجد الحرام، وتوالت الأحداث حتى سقوط دولة بني أمية على يد العباسيين الذين لاحقوا كل من كان يدين بالولاء لبني أمية فقتلوا الآلآف ليمكنوا لدولتهم الجديدة التي فر منها رجل واحد إلى أرض الأندلس مؤسساً ملكاً أموياً إستمر مئات السنين لم يخل من المنغصات حتى قوضه الملك المنصور أبا عامر لينقسم بعده إلى أكثر من 20 إمارة حتى خروج المسلمين من هناك، هذا عدا عن دولة بني العباس التي كانت مليئة بالثورات والانقلابات والأحداث الجسام بداية من قتل أبي سلمة الخلال وسليمان بن كثير وأبو مسلم الخراساني وغيرهم آخرين، ثم فتنة خلق القرآن التي عذب ومات بسببها علماء أجلاء كثيرون، وثورة الزنج التي إستمرت 15 عاماً وكانت سبباً في تعطيل الحج 22 عاماً بسبب مجازر القرامطة الذين استغلوا وقوعها، فهاجموا الحجاج وقتلوا الآلآف منهم واستقلوا بحكمهم عن الدولة، ولا ننسى الدولة الأيوبية التي زينت تاريخها بفتح القدس على يد صلاح الدين في العام 1187م ليعود الملك الكامل الأيوبي ويسئ لهذا التاريخ بتسليمه مدينة القدس للصلبيبن بعد 31 عاماً من فتحها، ثم الخلافة العثمانية التي سادت أجزاء كبرى من قارات آسيا وأروبا وإفريقيا ويكفينا أن نعرف أن رابع سلاطينها مات قهراً بعد أسره من قبل القائد المسلم تيمورلنك في معركة أنقرة الشهيرة بينهما، وهذا ليس إلا غيض من فيض من الويلات والنكبات التي توالت على الأمة الإسلامية والعربية منذ آلآلآف السنين، مما يؤكد أنه لم يكن يوماً مغنماً للأمة إلا وكان مغرمه أضعافاً مضاعفة، وأنه لا حال دائم مهما طال بقاؤه، فكم من عزيز أمسى ذليلاً، وغني أصبح لا يجد ما يسد رمقه، ومستضعف أضحى يملك بلاداً وشعوب، وأن قوتنا لم تكن يوماً إلا بوحدتنا ووقوفنا صفاً واحداً في وجه الأعداء المتربصين، وبحفاظنا على مبادئنا الأصيلة وأخلاقنا العالية التي تحب الخير لجميع البشر ولا تسعى إلا لصون الأرض والعرض بالمحبة والاحترام المتبادل، وحتى يتحقق ذلك ينبغي علينا دائماً تذكر جوهر الرسالة المحمدية التي جاءت بالمحبة والسلام للبشر أجمعين، ليعيش جميع البشر حياة الطهر والكرامة، لا حياة الدم والقتل والمهانة، وليبقى العزاء في القلوب التي مازالت تستنير بهذه المعاني التي أمر بها خالقها عزوجل، والتي أطلق بسببها رسول الهدى عليه الصلاة والسلام رقاب الآلآف من غير المسلمين بعد أن دخل أرضهم فاتحاً منتصراً، فهذه القلوب التي مازالت تعلم أبنائها هذه المعاني برغم كل ما عانته وتعانيه من قهر وظلم وإمتهان تستحق أن نتوقف عندها ونشيد بها، وقد وقفنا مؤخراً على تجربة مدرسة الإخاء الوطني التي شيدها أهل الإحسان على الأرض التركية لتعليم هذه المعاني لأبناء الأجيال القادمة من الشعب السوري لعلهم يستطيعون رسم مستقبل أفضل لسوريا تكون المحبة والإخاء عنواناً لها، تلك المدرسة التي يجمع المدرسون فيها من جيوبهم لدفع فواتير الكهرباء والماء تستحق منا وهي ونظيراتها من المدارس وقفة صادقة حريصة على أجيال المستقبل من أن يأتي من يستغلها ويستخدمها لغايات تدمير البلاد والعباد، فالمدرسة والمنزل أهم ضلعين في تشكيل أجيال المستقبل، وهو الأمر الذي سبب إهماله في كثير من الأحيان وجود وحوش بشرية بيننا نتسائل عن سبب وصولهم لهذه الدرجة من الوحشية، ونتناسى أصل الداء بضرورة أن نلتفت إلى كل ما يتعلمه أبناؤنا ونتفكر فيه، فكم من فكرة تناقلتها أجيال وراء أجيال لا أصل لها من الصواب، ولعل خطاب الملك عبدالله الثاني الأخير قبل كتابة هذه السطور في الأمم المتحدة جاء ليعزز هذا المعنى بضرورة الالتفات إلى ما ينتشر بيننا من أفكار لا تعرف سبيل الترغيب إلا من خلال الرعب والرهبة، وتتخذ هذا منهجاً لدين الإسلام الذي لم يعرف في تاريخه أن النبي الذي أرسل به قطع رأس إنسان واحد لارغامه على الدخول في دينه، ولا وردت آية واحدة في كلام الله عزوجل الذي أنزل عليه تأمر بذلك، وأي مدرسة للرحمة والمحبة أكبر من مدرسة رسولنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله عيسى وموسى وإبراهيم ونوح وبقية الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم أجمعين إن نحن تمسكنا بها حقاً.

م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران