والله نسيت …!

2015 02 18
2015 02 18

Abdulrahman Badran (2)بقلم م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران

منذ ما يقارب الشهر كانت آخر رحلة سعدنا فيها بزيارة أرض الوطن، وانقضت أحداثها سريعة لتضاف لدفتر الذاكرة كغيرها، صعدنا الطائرة المتجهة للعاصمة الأردنية وبدأ الاستعداد للإقلاع، قبل أن تلفت نظرنا إحدى النساء المتواجدات في الطائرة ونقلع معها !

وقبل أن يبدأ سوء الظن وتذهب بكم الأفكار يميناً ويساراً تعالوا نقف على ما جرى، فقد كنا نجلس في مقعدنا منتظرين إقلاع الطائرة، قبل أن تبدأ المرأة الجالسة أمامنا بالصراخ والبكاء بصوت سمعه كل من حولها وبدأ يلفت الأنظار لها في الطائرة شيئاً فشيئاً، حاولنا التركيز فيما تقوله المرأة والإصغاء جيداً لنفهم ما مشكلتها ومالذي يجري من حولنا، والله نسيت والله نسيت يعني ما صار شئ، شو يعني أموت حالي، الله ياخذني وترتاح يارب، هذه كانت أبرز الكلمات التي رددتها المرأة بأعلى صوتها وهي تتحدث في الهاتف على ما يبدو مع زوجها الذي كان من الواضح أنه يزيد في تأنيبها على نسيانها أمراً ما مهما جداً بالنسبة له، لدرجة أنه لم ينهي هذه المكالمة حتى سمع تفاصيلها جميع ركاب الطائرة تقريباً قبل الإقلاع وصاروا ينظرون إليها باستغراب شديد، ولا ننكر أن فكرة القيام وإغلاق الخط في هاتفها راودتنا للحظات لإنهاء هذه المهزلة الجارية من حولنا، فقد كانت تصرخ وتبكي وتدعو على نفسها بشكل أوجع كل من سمعها، ونحن ننظر لحالها وندعو الله أن تقلع الطائرة لعل الشبكة تنقطع ومعها تلك المكالمة المقيتة.

لا يمكن أن ينكر أحدنا بأنه ينزعج أو يغضب أحياناً من زوجته عند نسيانها أمراً ما، لكن السؤال هل يصل بنا الأمر لأن “نشرشح” زوجتنا أو نهين كرامتها أمام العلن بدون أي مراعاة لإنسانيتها؟

فبرغم قول أحد الفلاسفة عن ذاكرة المرأة ‘إن المرأة تمتلك ذاكرة قوية جداً حتى أنها تتذكر أشياء لم تحدث أبداً’، وقول آخر ‘في الحب تنسى المرأة كرامتها وفي الغيرة تنسى حبها’، إلا أن هناك حقيقة يجب أن لا نغفل عنها وهي أن الدراسات العلمية أثبتت أن ذاكرة الرجال أقوى من ذاكرة النساء، وقد أشار القرآن الكريم قبل كل تلك الدراسات إلى ذلك، حيث ذكر الله تعالى في كتابه في نهاية سورة البقرة بأن شهادة اثنتين من النساء تقابلها شهادة رجل واحد، وذلك لأن المرأة قد تنسى بعض الأشياء فتذكرها الأخرى حتى تكتمل شهادتها، كما أن الواقع والتجربة تشهد بذلك فحفظة القرآن وأسانيده ورواة الحديث وأسانيده كان معظمهم من الرجال، والسبب في أن ذاكرة الرجال أقوى من ذاكرة النساء هو أن ذاكرة المرأة تتعرض لعدة إضرابات ناجمة عن الحمل والخصائص الفسيولوجية الخاصة بالمرأة.

ولأجل هذه الحقيقة علينا أن نتذكر قبل تأنيب زوجاتنا وإيصالهم لمرحلة الدعاء على أنفسهم وضرب أنفسهم: إذا نصحت فلا تفضح وإذا عاتبت فلا تجرح، فبإمكاننا نصح الزوجة فيما بيننا بدون أن يتحول الأمر لفضيحة يشترك فيها كل الموجودين في المكان وتهان به كرامتها، كما يمكننا أن نعاتبها بدون جرحها واستخدام أسوأ الكلمات بحقها وحق أهلها، فهي أمانة تركها الله عزوجل ومن ثم أهلها بين أيدينا للحفاظ عليها وإكرامها.

وما أجمل أن يأخذ أحدنا الشعرة أو العظمة التي خرجت له وسط الطعام الذي تعبت زوجته واجتهدت في اعداده بهدوء ودون انتباه أحد، ويضعها جانباً دون أن ينهرها ويحول حياتها لجحيم لأجل خطأ يمكن أن يقع فيه هو وجميع البشر.

ولننظر لذلك الزوج الذي استيقظ صباحا لتناول فطوره مع زوجته واستعد للذهاب الى العمل، وعندما دخل مكتبه ليأخذ مفاتيحه وجد أتربة كثيرة على المكتب وعلى شاشة التليفزيون، فخرج في هدوء وقال لها زوجتي حبيبتي احضري لي مفاتيحي من على المكتب، فدخلت الزوجة لتأتى بالمفاتيح لتجد زوجها قد نقش وسط الأتربة بأصبعه على مكتبه الذى يحمل الكثير من الأتربة “أحبك زوجتي”، ثم خرجت من الغرفة لتشاهد شاشة التلفاز مكتوب عليها بإصبعه وسط الأتربة “أحبك يا رفيقة عمري”، فخرجت الزوجة من الغرفة وأعطت زوجها المفاتيح وتبسمت في وجهه كإشارة على فهمها رسالته وأنها ستهتم اكثر بنظافة بيتها فما أجمل أن نقابل الخطأ بالمعاملة الحسنة الطيبة.

وكم يؤسفنا أن نسمع البعض يردد كلمة “خروف” عن من يحسن التعامل مع زوجته، وليت هؤلاء يتذكرون قول خير البشر المصطفى صلى الله عليه وسلم :{وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها عليها حتى ما تجعل في في امرأتك “فمها”} رواه البخاري ومسلم، ووصيته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في خطبة الوداع فيما رواه الترمذي: {ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم}، وحتى لا يظن أحد أن الأمر من طرف واحد فقط نستذكر جواب المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن خير النساء فقال:{التي تطيع إذا أمر، وتسر إذا نظر، وتحفظه في نفسها وماله} رواه احمد والحاكم، فلنكن نحن وزوجاتنا خير من يتذكر الأشياء الجميلة التي عملناها لبعضنا البعض في حياتنا إذا ما نسي أحدنا أمراً ولا نكن ممن يجد لنفسه عذراً في كل شئ ولا يجد لغيره عذراً في أي شئ !