وصفي التل .. ما زال المثلُ حاضرا
محمد حسن التل

2012 11 28
2012 11 28

اليوم، نحيي من جديد ذكرى سيد اردني كبير، وفحل من فحول الشهادة الأردنية، وصفي التل، الذي ما زال جرحه، حاضراً في صدورنا، وصرخات الثأر تدوي في أعماقنا، جيلاً بعد جيل، حيث امتدت له يد غادرة، مرتجفة رخوة، لتنال منه، ولتحاول النيل من عزم الأردنيين، الذين يقبضون على جمر الدفاع عن أمتهم، على المدى، ونسي الجبناء، أن الأردن محمي بسيف الكرامة وجيش الرسالة.

نحن في الأردن، نرتبط ارتباطاً خاصاً بالشهداء، ونملك قافلة طويلة فيها، لأننا تعلمنا، كيف نقرأ في سِفرها ونعيش ملاحمها، وسجل الشهادة لدينا مفتوح، وسيظل بإذن الله، ما دامت حياة، وما دامت أمة، تعاني من الجور والاغتصاب.

قلنا وسنظل نردد، أن ما يميز شهداءنا، في هذا الحمى، أنهم لا يستشهدون، من أجل قضايا وطنهم فقط، بل من أجل قضايا أمتهم، وهنا يكمن سر عظمتهم، ولهذا يخلدون في أذهان الأجيال.

لقد كان وصفي، جندياً منذوراً لأمته ووطنه، وكان أوفى الرجال، هكذا رثاه الحسين، الذي ما زالت دموعه الغالية، حاضرة في الأذهان، وهو ينعى رئيس وزرائه ووزير دفاعه -وما أدراك ما دموع الحسين- فدموع الملوك غالية وعزيزة.

لقد جسَّد وصفي التل، النموذج الأردني، فكراً وسلوكاً ونهج حياة، واستطاع أن يحافظ على أصالته والتصاقه بالأرض، مما يؤكد تميز الإنسان الأردني.

لقد كانت عبقرية وصفي، تكمن في ولائه المطلق للوطن، الذي رأى فيه الشهيد -كما كل أحرار العرب- الجذر الأساس، في توحيد الأمة بكاملها، وأحب ترابه، وتفانى في دفاعه عن قضايا أمته، وعلى رأسها قضية فلسطين، إن الحق دائماً باهظ التكاليف، ولا يلتزم به، إلا العظام من الرجال، ووصفي، واحد من هؤلاء العظام، واقرأ لعرار، شاعر الأردن، وهو يرثي بِكرَه وصفي، قبل استشهاده بثلاثة عقود: درب الحر يا وصفي كدربك غير مأمونة.

ونحن هنا، لا نتحدث عن وصفي، كحالة أردنية فقط، بل كنموذج عروبي، أضاء المثل السامي، في سماء العروبة، وكسر كل الحدود الضيقة، وتمرد على كل ما من شأنه، أن يضيّق على النسر أجواءه.

لقد حمل وصفي التل، هموم أمته، كما عاش هموم شعبه، فأحبه أبناء شعبه، وتوارثوا حبه، جيلاً بعد جيل، حتى غدا، رمزاً وطنياً عظيماً، في ذاكرة الأجيال، ونموذجاً سياسياً خارقاً، في الوفاء والإخلاص، والجِد في العمل.

لم تكن المسؤولية العامة عند وصفي تشريفاً، بمقدار ما هي تكليف، ولم يكن المنصب العام عنده، إلا مجالاً واسعاً، للتضحية من أجل الوطن.. حارب وصفي الفساد، بشراسة الفرسان، لأنه كان يعي تماماً، أن هذا المرض، إذا استشرى في المجتمع والدولة، كان عاملاً أساسياً في انهيارها، كما عمل طوال سنين عمره، سواءٌ كان في الحكم، أو خارجه، على إيجاد اقتصاد وطني، يحمي البلاد من التبعية، من خلال تعظيم الموارد الوطنية الذاتية، وراهن على جيل الشباب، من خلال رؤية وطنية شاملة، على اعتبار أن الشباب، هم عتاد الحاضر وبُناة المستقبل.

لقد مارس وصفي، الحكم بإخلاص منقطع النظير لقيادته، ووطنه، وشعبه، وقدّم في نهاية الطريق دمه، ثمناً لمواقفه الوطنية والقومية، ولم يؤمن يوماً، بأن فلسطين ستُحرر، عن غير طريق المواجهة مع المغتصب، وله في ذلك، مئات المحاضرات والكتب، والمشاريع السياسية والعسكرية، التي تدعو العرب، إلى اعتماد طريق واحد للتحرير، وهو طريق العقل والمنطق أولاً، ثم الإعداد المتين بالمواجهة، بعيداً عن دهاليز المفاوضات، ووهم السلام مع الإسرائيليين، وقد ثبت ذلك للجميع، حتى لخصومه، بعد واحد وأربعين عاماً من رحيله، شهيداً بين يدي ربه.

لقد أراد الجبناء ومَن وراءَهم -والقاتل جبان- تغييب وصفي برصاصهم المأجور، ولكن في اللحظة، التي اخترقت الرصاصة، قلب وصفي الطاهر، ولا نزكيه على الله، خلد في أذهان وقلوب الناس، وظل القتلة مختبئين، وراء جدر الخسَّة، ومتسربلين في ثوب النذالة والجبن.

بعد واحد وأربعين عاماً من رحيله، ما زال وصفي التل، حاضراً في الضمير الوطني والقومي، وذلك المثل الكبير في القيادة الفذة، وما زال ذلك النموذج الفذ، الذي تقاس عليه كل النماذج، لأنه ضرب المثل الأعلى، في الاخلاص والانتماء لوطنه وشعبه وأمته.. وإنا محتسبونه، عند الله تعالى.