وغادرنا الدرس …!

2014 12 27
2014 12 27

erertبقلم م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران كان ذلك قبل ما يقارب العام عندما استجمعنا قوانا لنطلب من أحد زملائنا الجدد في العمل كتابة ونشر قصة حياته بعد سماعها منه مباشرة، فلم يتردد بالموافقة لعل غيره يستفيد مما تحمل من عبر ودروس، فكانت النتيجة 36 صفحة اجتهدنا في تنقيحها واخراجها بالشكل المناسب، لتخرج بأربعة مقالات لخصت القصة في ‘درس يمشي على الأرض 1’، و’درس يمشي على الأرض 2’، و’درس يمشي على الأرض 3’، و’درس يمشي على الأرض 4’، ومرت الأيام بعدها تاركة سؤالاً مفتوحاً لدى كل من قرأ القصة أو عايش تفاصيلها، ترى كيف ستكون النهاية؟

تحسنت حالة زميلنا الذي كان يعاني من السرطان بعد تجربة مريرة مع العلاج الكيماوي، الأمر الذي يدم طويلاً حتى جاءت المفاجئة قبل عيد الأضحى الفائت، عندما أخبرنا بأنه مضطر للمغادرة لبدء رحلة علاج كيماوي جديدة أشد وأقسى من سابقتها بكثير …!

خيم الذهول والوجوم على الوجوه للحظات إلا ان الأمل بالله لم ينقطع، وغادر زميلنا إلى الأردن لتلقي العلاج وكنا نحاول الاتصال به في كل فرصة تتاح لنا للاطمئنان عليه، لكنه كان يفاجئنا بأسئلته: ترى ماذا سيحدث لو توفيت يا عبدالرحمن ! وماذا ستكون الاجراءات في تلك الحالة !

وكنا نغالب دموعنا ونحن نجيبه عليها برفع مستوى التفاؤل عنده ما استطعنا، وان كان توقع الأسوأ الذي كان مخيماً على تفكيره لم يكن يفارقنا، قبل أن يعود في شهر تشرين الثاني 2014م إلى السعودية مصمماً على مواصلة العمل مهما كلفه الأمر !

وبرغم كمية التفاؤل التي أغدقناها عليه عند رؤيته بعد عودته الا أن صوتاً داخلنا كان يطير بكل تفاؤل داخلنا، فدخل بعدها المستشفى لاستئصال تجمع للمياه على الرئة أصبح يحول بينه وبين التنفس بشكل طبيعي، وسارعنا لزيارته عندها وكانت المرة الأولى التي نشاهد فيها زوجته وابنه، ولم تختلف زوجته عن تلك الانسانة المؤمنة الصابرة التي طالما وصفها لنا بتلك الأوصاف في سرده لقصة حياته، وهو ما شاهدناه بأم العين كيف تكون الزوجة الصالحة سنداً لزوجها في الوقت الذي يدير له فيه معظم البشر ظهورهم، أما ابنه فقصة لوحده، ذلك الطفل الذي لم يتجاوز السادسة من عمره ولسانه لم يقوى على النطق حتى الآن، ربما لهول ما شاهده من ألم يحاصر والده أمامه، ولم نتمكن من رؤية ابنته ذات السنوات التسع والتي طالما وصفها لنا زميلنا بأجمل الصفات.

طلب العمل من زميلنا اجازة مرضية مختومة بالاختام الرسمية، فقررنا التكفل بالامر حيث كان لدينا زيارة لا تتجاوز أياماً معدودة للأردن، فحزمنا امتعتنا وحصلنا من زميلنا على ارقام الاطباء في المستشفى التي يتعالج بها، وعقدنا العزم على مسابقة الزمن هناك والعودة بالاجازة المرضية مصدقة من جميع الجهات المطلوبة نقابة الأطباء، وزارة الصحة، وزارة الخارجية والسفارة السعودية هناك مهما كلفنا الأمر.

وبالفعل بدأنا بالامر منذ وصولنا فحصلنا له على التقرير الطبي في اليوم التالي، ثم تواصلنا معه للحصول على بعض الوثائق المطلوبة، وداعبناه في نهاية المكالمة بأن ذكرى ميلاده تصادف الأسبوع القادم يوم 07-12فليحضر نفسه للاحتفال بالمناسبة، ثم قمنا بانهاء التصديقات من جميع الجهات في 5 أيام فقط بتوفيق الله عزجل كنا نتسابق فيها مع الساعات والأيام، وأرسلنا له يوم الاربعاء الثالث من شهر كانون الأول الحالي رسالة نطمئنه بان المهمة تمت بفضل الله تعالى، ويالها من سعادة غمرتنا في تلك اللحظة عندما وصلنا رده ‘مشكور عبدالرحمن، بارك الله فيك’، لنرسل له في اليوم التالي رسالة صباحية معتادة ظهر لدينا أنه شاهدها.

لكن ما كنا نخشاه كان ينتظرنا في مساء اليوم التالي الجمعة 05-12-2014م، عندما تلقينا مكالمة من أحد أشقاء زوجته يخبرنا فيها أن زميلنا قد توفي دماغيا.

ونزل علينا الخبر ‘المتوقع’ كالصاعقة في لحظة غمرنا فيها الشعور بالعجز، فرفعنا سماعة الهاتف وأبلغنا مديرنا في العمل، وكان اليوم التالي هو يوم عودتنا إلى السعودية وكان وصولنا إلى منزلنا حوالي الساعة 2 فجر يوم الأحد 07-12-2014م، يوم ذكرى ميلاد زميلنا الذي ننتظر شروق شمس الصباح للذهاب لزيارته فيه، الا ان اتصال شقيق زوجته كان اسرع بكثير، عندما جائنا في السابعة صباحا يخبرنا ان الأمر قد انتهى وأن زميلنا قد رحل عن هذه الدنيا.

رحل في ذات اليوم الذي جاء إليها فيه، ليعطينا الله عزوجل مثالاً جديداً على أن هذه الدنيا ليست أكثر من لحظة تصرخ فيها مستقبلاً الدنيا، وأخرى تصرخ فيها لتصمت بعدها للأبد.

وهكذا جاء ختام الدرس الذي كان يمشي على الأرض، والذي غادرنا بعد أن كان درساً في الصبر والإرادة والتحدي، درساً في حبه وإخلاصه لزوجته وأولاده ووالدته وجميع أهله، ودرساً في إخلاصه لعمله وزملائه وأصدقائه، والذي إخترنا ختام قصته التي عايشنا تفاصيلها في أجزائها الأربعة ليكون خير ختام لمقالاتنا لهذا العام، وليكون هذا الدرس أفضل ما نغادر به عامنا الميلادي الحالي، لعل الله أن يكتب لنا وللجميع الأفضل في الأعوام القادمة باذن الله، ولعله يسبغ على زميلنا من الرحمة والغفران، وعلى زوجته وأولاده ووالدته وجميع أهله من الصبر والسلوان والقوة والتوفيق في حياتهم مثل ما كان لدى سليمان عليه السلام من كنوز هذه الدنيا، وأن يكتبه من أهل الدرجات العالية في الجنة ويجمعه مع أحبابه هناك.