ونراه واحداً …!

2016 08 17
2016 08 17

Abdulrahman Badran 2016-2نتذكر جيداً قبل سنوات طويلة عندما كنا نعيش في منزل الأهل في العاصمة الأردنية كيف كنا نتردد بشكل شبه يومي على محل التموينات الموجود قريباً من المنزل، وكيف تحولت علاقتنا مع الشقيقين المسؤولين عن المحل من أبناء الوطن المخلصين من أبناء الديانة المسيحية إلى صداقة خلال أشهر قصيرة إستمرت لسنوات طويلة، ولا نتذكر أن أحدنا قلل من إحترام الآخر أو حاول الاساءة إليه بأي شكل من الأشكال يوماً، بل على العكس فقد كان كل منا يحمل كل الاحترام والمحبة للآخر ويدافع عنه تجاه أي إساءة إن لزم الأمر.

من المعيب في حقنا جميعاً ما نراه في الآونة الأخيرة من أرباب تقسيم الأوطان ودعاة تفتيتها ممن لا يكترثون للوطن ولا لأهله من محاولات إشعال للفتنة والعنصرية في بلادنا، فتارة يعزفون على وتر أصلك أردني أم فلسطيني، وأخرى على وتر مسلم أو مسيحي أو غير ذلك من المحاولات السخيفة البائسة، والتي لم يعي أو يفهم أصحابها يوماً حقيقة أن اللوحة الأردنية لم تصل إلى ماهي عليه إلا بتضحيات كل بناتها وأبنائها ممن إنتمى لتراب هذا الوطن على مر السنين، وهو ما أكد عليه جلالة الملك في حواره لصحيفة الدستور قبل أيام.

وإن كان الاثم الأكبر على من يعملون على بث الفتنة ونشرها ليل نهار بين أفراد المجتمع ويصل بهم الأمر إلى عدم التورع عن الاساءة حتى لرموز الديانات السماوية بل وحتى للخالق عزوجل، فهذا الاثم يلحق بمن يعيدون نشر هذه التفاهات بين الناس بوعي أو بلا وعي، بل وتجد البعض ينسى بأننا في دولة علينا جميعاً تعزيز إحترامها والمحافظة عليها بدلاً من تنصيب كل واحد منا نفسه قاضياً وجلاداً لكل من أراد ومتى ما أراد، والغريب كيف يغفل البعض عن ما ورد في صحيح مسلم من جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه عندما طلب منه الدعاء على غير المسلمين عندما قال له: “إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة”، وكذلك ما ورد في إنجيل متى من إقتباس عن يسوع المسيح على الجبل: “إذا قربت قربانك إلى الهيكل وذكرت هناك أن لأحد عليك شيء فاترك قربانك على الهيكل وإذهب وصالح أخاك”، لنستغرب من أين يأتي بعد كل هذا من يتجرأ بالاساءة لأي ديانة سماوية أو أي معتقد يختلف عن معتقده فقط لأن عقله لم يستوعب أن يكون هناك عقلاً يفكر غير عقله في هذه الدنيا، والله عزوجل يأمرنا صراحة في الآية 108 من سورة الأنعام في القرآن الكريم:{{ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم}}، وهي الآية التي نزلت عندما كان بعض المسلمين يسبون الأصنام التي كانت تعبدها قريش لينزل أمر الله تعالى بعدم التعرض للآلهة التي يعبدها أي كان فسبحان ربنا ما أحكمه !

إن كنا نريد أن نحفظ وطننا صلباً قوياً في وجه كل من أراد الاساءة إليه أو لأهله فعلينا تعزيز إحترامنا لأوطاننا بكافة فسيفساء مكوناتها والمحافظة عليها صغيرها قبل كبيرها، وترسيخ قبولها كما هي بدون إساءة أو تلميح أو تجريح، فهذا الوطن كان وسيكون وسيبقى باذن الله بكل من فيه باختلافات دياناتهم ومذاهبهم وأفكارهم وألوانهم أو حتى لباسهم ولا يقوم ولا يستقيم إلا بهم جميعاً يداً واحدة مجتمعة.

وسيبقى من يثيرون الفتن ممن لا يرون هذا الوطن إلا ممزقاً مفتتاً كما يتمنون ويرغبون يحاولون الاساءة إليه وإلى كل مكوناته كلما سنحت لهم الفرصة بذلك لتحقيق أمنيتهم بالقضاء عليه، ولكن خابوا وخاب مسعاهم فوالله مهما أساؤوا أو تجاوزوا فلن يعدوا قدرهم، وسيبقى في الوقت ذاته بنات وأبناء الأردن المخلصين فخورين شامخين كشموخ جباله بكل مكوناته، مسلمين ومسيحيين أو من أي ديانة أو معتقد كانوا، من أصول أردنية أو فلسطينية أو شركسية أو شيشانية أو من أي أصل كانوا، مع الوطن يداً واحدة موحدة نحفظه وكل مكوناته، ونرويه بماء العين عندما يعطش، ونراه واحداً موحداً عزيزاً شامخاً كما نحب أن نراه دائماً باذن الله تعالى.

م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران