يُرعِبِهمْ وصفي بعد اربعة عقود – جمال الدويري

2013 12 15
2013 12 15

50رحمك الله يا ابا مصطفى, ولتعلم انك ما زلت الفارس الذي لم يترجل, والنار التي لم تنطفئ, وأن قهوتك التي شربنا قبل ايام, ما زالت تحرق سقف الحلق, وما زالت تفوح بالطيب وعبق الهال والشرف, مثلما كانت اول مرة, ومثلما قدمتها آلاف المرات بيديك المعفرتان بتراب الوطن العزيز, ومثل طيبة روحك ونفسك ووطنيتك.

ولتعلم ايها العزيز, انك ما زلت ترعبهم وكل بيادق باطلهم, وأن كوابيسهم ما زالت بتواتر وديمومه, وأن فرسانك الأحرار ما زالوا بانتظار ان يفجفج فجرك الآتي بك من تحت عقد باب صممته وبنيته ادنا بكثير من طول هامتك, من اجل ان تحنيها لله فقط كلما عبرت عتبته.

وما زال يرعبهم ان نأتي اليك, ونسلم عليك, ونأخذ من لدنك النصيحة والشور, وخطة الطريق والوصفة الوصفوية, ودروس, كيف نحمي الوطن؟ وكيف نصفد شياطين الفساد والنفاق ونودعهم البحر مع الأثقال وكل غثّهم وغثائهم وعفنهم؟

كالندابات يطلقن للهوس الحناجر, وكالردادات يكررن التأتآت بما لا يفهم منه الا الخوف والرعب وخوار القوى.

نعم, طقوس شبه متلازمة متكررة دائما مع كل زيارة لمحبيك من شرفاء الوطن وأحراره, لعرينك الذي ما زلت تملؤه حضورا وهيبة ورجولة, تنطلق عضلة لهم مشبوهة, مرتبطة بالرذيلة والفحش, تتلجلج بين الفكين, جذرها في بلعوم لا يعرف الا البلع والطفح الحرام, وفرعه عورة في العراء خارج التجويف الفاغر لتلقف العطايا والهبات مثل “نطّاطة” ترسل لساناها الطويل اللاصق, لاصطياد أطعام وفرائس لا تكبر حجما وقيمة عن البعوض والحشرات الدونية, وخاصة الزاحفة منها دون الطائرة.

ولأن السنتهم ما عاد ترددها يقرع طبلة أذن ولا يجد طريقه حتى الى صيوانها, فقد باتوا يحاولون استعمال أقلام ما عادت هي الأخرى تحرك عينا نحوى خبيثها, ولا تستهوي حتى طفلا يبحث عن قصة كرتون مكرورة, او مصالفة بين “توم وجيري” في وقت لهو او عبث.

عبدة البشر تارة وتنابل سايكس بيكو تارة أخرى, ينعت هذا الرهط التائه الضائع بين الشرق والغرب, وبين دافع وآخر, وبين أعطية وجزالتها, أحرار وطن وشرفاء أمة, وأصحاب مبدأ ووطنية لا يطالها غبار, من زوار ضريح ومتحف ودارة الشهيد وصفي التل.

شاهت وجوههم وبئس ما كانوا يعمهون, وإن ثلة نقية ذات ضمير حي ووجدان وطني جياش, مؤمنة بالله والوطن والتاريخ والرموز ومستقبل الأردن الزاهي بإذن الله, تقدر شهداء الوطن من وصفي التل وهزاع المجالي وحابس المجالي الى باقي الأسماء الساطعة التي سجلت للتاريخ والغد, حروفها بالدم والجهد وصدق المسعى ونبل الهدف, والتي رفعت راية الجهاد في فلسطين قبل الأردن, وحملت السلاح للذود عن القدس الشريف وخليل الرحمن, قبل ان تدافع به عن عمان والكرك واربد, إن ثلة لم تنسَ مآثر الأولين ولا تتنكر لعطاء السلف الطاهر, لا يمكن أن تعبد دون الله أحدا, ولا يمكن ان تتوه الى ظلالة تقديس البشر والتمسح بأضرحتهم وقبورهم, حتى وإن كانوا بحجم وصفي وهزاع وإخوتهم, رفاق الدرب والسلاح,  وممن قال بهم ربهم سبحانه (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.) صدق الله العظيم.

وأولئك الذين نؤمن بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون, مثلما وعدهم الذي خلقهم اول مرة, رب الكون العظيم, حيث قال (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) صدق الله العظيم.

وكيف تكون ثلة هذه قدوتها وهذا نهجها, لا سمح الله, من “تنابلة” سايكس بيكو, وأعضاد أعداء الأمة ومن شرخ الوطن ونثر وحدته وجمعه.

وثانية, شاهت وجوههم وبئس ما كانوا يعمهون, اولئك المنافقون الذين ألسنتهم معنا وقلوبهم غير ذلك, تتطهر من الرجس بالرجس, ومن الحرام بالحرام والفتات الحَمِضٍ المشبوه, تزور الأضرحة برفقتنا وتبيت لنا ولهم, سوء النية وفحش الباطن.

أما وقد فضحوا أنفسهم, وكشفتهم سموم اقلامهم وبضع دنانير او دولارات مهينة موبوءة, فلا سبيل لنا الا القول: اللهم اهدي قومي انهم لا يعلمون.

أما أنتم يا من حملتم الأمانة وسلمتم الراية وفزتم بإحدى الحسنيين, أيها الرجال الرجال, والفرسان الشُّمخ وكتبة التاريخ وعطر التراث والفكر الوطني, يا هامات الوطن وبواسق الأمة,

يا وصفي, يا هزاع ويا حابس, ورفاقهم من قبل ومن بعد, فإننا لا نعبدكم, فالله وحده هو المعبود, ولا نزكيكم على الله, فالكمال له وحده, ولا ننزلكم منازل الرسل والأنبياء, فابن عبد الله عليه الصلاة والسلام هو آخر الأنبياء والمرسلين,

ولكن منازلكم في قلوبنا وفكرنا ووجداننا عظيمة ومتجذرة, وإيماننا برسالتكم الوطنية لا يتزحزح ولا يحيد عن نبض الأفئدة وسواعد العمل, وسوف نأتي مضاربكم كلما احتجنا لشحذ الهمم وشحن النفوس, وسوف نرفع رايتكم, راية الوطن ما بقي لنا عضد, ولو كره الكارهون.

فلسطينكم, القضية التي دفعتم زكي دمكم مهرا لها, هي فلسطيننا التي لن نتردد بافتدائها بدمنا, وأردنكم الذي أبيتم أن يصبح قضية ومشاعا ضياعا, لن نتركه يصبح كذلك وفينا ما ينبض.

واعلموا ان لسانا يتطاول عليكم, وقزما ينادد هاماتكم ويستمرئ التطاول عليها, لن يكون بمأمن من تقليم او تحجيم, وثقوا أنكم تركنم لنا ارثا رفيعا شامخا لن يهوي, وفكرا نورا ساطعا لن يخفت بإذن الله.

فقروا عينا واهنئوا بالا, وانتظرونا على درب الشهادة والبذل من أجل ما استشهدتم من أجله.