البُعد العربي في الأزمة التركية – بلال حسن التل

2014 02 12
2014 02 12

125تعيش تركيا هذه الأيام أزمة سياسية حادة، سيكون لها ما بعدها على ترتيب البيت الداخلي التركي، خاصة وأن تأثيرات وامتدادات هذه الأزمة طالت جلّ مكونات الدولة والمجتمع التركي، ابتداءً من مكونات الحياة السياسية التركية، إذ انقسمت الأحزاب السياسية التركية إلى معسكرين متضادين في مواقفهما مما يجري داخل تركيا، على أن أخطر ملامح هذا الانقسام هو ذلك المتعلق بالانقسام داخل البيت الإسلامي التركي، وبالتحديد بين حزب العدالة والتنمية الحاكم، وبين «حركة الخدمة»، أهم روافع حزب العدالة والتنمية وإيصاله إلى الحكم ودعمه في خطواته الإصلاحية، خاصة استفتاء عام 2010 على الدستور. بامتلاكها لأكبر شبكة تعليم عام وجامعي. بالإضافة إلى مؤسساتها الإعلامية، والاقتصادية، والاجتماعية.

غير الانقسام السياسي، فقد امتدت تأثيرات الأزمة التركية الحالية إلى القضاء، إذ يشهد القضاء التركي حالة من الفوضى والإرباك، بسبب ما توجهه له الحكومة من اتهامات حول ضلوعه بمؤامرة ضدها، ومن ثم بسبب حركة التنقلات المتلاحقة التي أجريت، خاصة بين المدعين العامين، وكذلك حركة الاقالات والاستقالات بين المدعين العامين. بالإضافة إلى محاولة الحكومة إصدار قانون يقول أهل الاختصاص ان من شأنه سلب حرية واستقلال القضاء وإلحاقه بوزارة العدل. وهو الأمر الذي رفضه المجلس القضائي الأعلى في تركيا، لكن رئيس الوزراء يصر عليه، ضاربًا عرض الحائط برأي المجلس القضائي، وإن كان الحديث عن إصدار هذا القانون قد توقف بعد زيارة أردوغان للاتحاد الأوروبي حيث يقال: إنه استمع هناك لاعتراضات أوروبية على مشروع القانون كان تأثيرها عليه أقوى من تأثير الاعتراضات التركية الداخلية.

غير الانقسام السياسي، والضغط على القضاء، فإن المؤسسة الأمنية التركية، وبالتحديد جهاز الشرطة هي الأخرى في حالة توتر بسبب الأزمة السياسية التي تعصف بتركيا، فقد كان هذا الجهاز الأكثر تأثيرًا بارتدادات هذه الأزمة. ويكفي انه تم خلال أيام الأزمة نقل أكثر من خمسة آلاف ضابط من مواقعهم، خاصة في المدن التركية الرئيسة اسطنبول، وأنقرة، وأزمير، وبورصة. كل ذلك بسبب قيام رجال الشرطة بمداهمات لإلقاء القبض على المتورطين في قضايا الفساد، وبناء على أوامر قضائية. وهو الأمر الذي لم يرق لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.

ومثل السياسة والقضاء والأمن، كذلك الإعلام.. فقد انقسم الآخر إلى معسكرين، وصار الإعلام المعارض للحكومة يتعرض لضغوط كثيرة، أقلها منع شركات الطيران من حمل نسخ الصحف المعارضة على متنها، أو إلى مراكز التوزيع في المدن التركية، وكثر الحديث عن عروض مالية مغرية لبعض الصحفيين لتغيير مواقعهم ومواقفهم من الأزمة وأطرافها.

غير أن الخاسر الأكبر من مكونات المجتمع التركي نتيجة لهذه الأزمة، هو قطاع الاقتصاد، حيث تراجع سعر صرف الليرة التركية وبدأ التجار والصناعيّون يتحدثون عن تعرضهم لضغوط أو إغراءات حسب مواقفهم السياسية. مما أوْجَدَ أجواء من التوتر تخيم على الاقتصاد التركي وتربكه، وتوقف اندفاعته التي شهدها خلال السنوات الأخيرة.

كل ما سلف يتعلق بالمكونات التركية الداخلية.. لكن للأزمة السياسية التي تعيشها تركيا أسباب خارجية، تتعلق بسياسة حكومة أردوغان الخارجية، التي يرى معارضوها انها خلال السنوات الأخيرة منيت بسلسلة من الإخفاقات، خاصة في العلاقات مع العرب، وبالتحديد خلال الأزمة السورية وبمجمل علاقات تركيا العربية. فحركة الخدمة ترى ان العلاقات التركية مع العرب يجب ان تقوم على المشتركات الثقافية والتاريخية، وعلى بناء جسور التعاون التعليمي والاقتصادي بين العرب والأتراك، دون حاجة للتدخل السياسي، الذي أدى إلى حالة من العداء بين تركيا وسوريا، وتركيا ومصر، وتوتر بالعلاقات التركية مع دول الخليج العربي باستثناء قطر، وتذهب الحركة ومعها عدد كبير من الأحزاب السياسية التركية ونشطاء المجتمع المدني ـ التركي إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقولون: إن من شأن نهج الحكومة التركية الحالية في سياستها الخارجية نحو البلاد العربية، أن يثير مخاوف وخلافات تاريخية بدأ الطرفان بتجاوزها، لولا تدخل الحكومة التركية بقوة في أحداث ما يسمى «بالربيع العربي» خاصة في سوريا ومصر.

خلاصة القول: إن للازمة السياسية التركية أكثر من بُعد داخلي وخارجي، وان العلاقة بين العرب والترك حاضرة في هذه الأزمة، وهناك مدرستان تركيتان منقسمتان حول العلاقة مع العرب، واحدة مع انفتاح ثقافي وعلمي واقتصادي بعيدًا عن السياسة وشجونها، وأخرى منحازة للتدخل السياسي كما هو حاصل الآن، خاصة في سوريا. فأيهما التي سيمضي خيارها باتجاه العرب في النهاية؟. سؤال لا بد من ان يكون للتحرك العربي الرسمي، والشعبي دور في تحديده.. فهل نفعلها؟.