استمرار الأنروا…… و حقوق اللاجئين الفلسطينيين

صراحة نيوز – بقلم  د. إبراهيم بدران

 منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وانفلات المنطقة العربية باتجاه الانقسام والتفكك، وما صاحبه و أعقبه من التراجع المتسارع للنظام العربي، ثم  سقوط الاتحاد السوفياتي وانفراد الولايات المتحدة الامريكية بقيادة السياسة العالمية، وما تبع كل ذلك من حروب وصراعات في المنطقة، من ذلك الوقت اكتشفت اسرائيل أن الفرصة مواتية للاستكمال السياسي والقانوني لما نجحت فيه عام 1948 من اغتصاب للاراضي الفلسطينية. فباتت تعمل بكل إمكاناتها المحلية والإقليمية والصهيونية الدولية على تحقيق 5 أهداف في اقصر فترة زمنية ممكنة.الأول:  تفكيك وتحييد الدول العربية الكبيرة القريبة أو المجاورة لها، وهي مصر وسوريا والعراق. والثاني: تهويد القدس وتدمير معالمها الدينية الاسلامية والمسيحية وطمس المعالم الحضارية والثقافية لفلسطين. والثالث: مواصلة إبتلاع الأراضي الفلسطينية وتوسيع مساحات الاحتلال ومصادرة الأراضي و تحويل الفلسطينيين من شعب مقيم على أرضه إلى تجمعات سكانية هنا وهناك. والرابع: انهاء مسألة اللاجئين الفلسطينيين واخراجها من خصوصيتها لتصبح جزءًا من مسألة اللاجئين الدولية. والخامس: ارغام الفلسطينيين على الاستسلام والقبول بأي حلول تفرضها اسرائيل.

أما الهدف الرابع وهو انهاء مسألة اللاجئين الفلسطينيين في المحافل الدولية، فمنذ اكثر من 35 سنة و”اسرائيل تحاول بدأب و إصرار أن تمسح العنوان الفلسطيني للاجئين الفلسطينيين” بأن تنهي منظمة الانروا وتتخلص منها، باعتبارها المنظمة الدولية  الوحيدة التي تم تخصيصها لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين لحين عودتهم إلى ديارهم، كما جاء في قرار انشائها عام 1949. وبالتالي فهي شاهد قانوني ومؤسسي وسياسي حي وفاعل على حق الفلسطينيين بالعودة باعتبارهم لاجئين، ويتجدد هذا الشاهد سنة بعد سنة بقرار من الأمم المتحدة؛ وهي تضم السجل الرسمي المقبول دولياً لاعداد اللاجئين وتفاصيلهم، والأنروا  ليس لها ميزانية محددة و ثابتة تلتزم بها الامم المتحدة، وإنما يتم تمويلها و تقديمها العون للاجئين من خلال المساعدات المالية والعينية التي تقدمها الدول المانحة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية والاردن، وتعمل في خمس مناطق هي الضفة الغربية وغزة والاردن وسوريا ولبنان وتقدم خدماتها لحوالي 6 ملايين لاجئ فلسطيني.
 لقد جرت محاولات سابقة من طرف اسرائيل والقوى الدولية المؤيدة لها للتخلص من الانروا بطرق مختلفة على النحو التالي:  1- كانت البداية تخفيض التمويل المقدم للأنروا من الدول المانحة، وهذا أدى إلى تقليص الخدمات التي تقدمها للاجئين لتصبح مقصورة على التعليم الأساسي والصحة والاعاشة. 2- عملت اسرائيل بطرق غير مباشرة على تشجيع الدول المانحة على التخلص من التزاماتها تجاه الأنروا بشتى الوسائل، بما فيها تشجيع اعلاميين وسياسيين في تلك الدول للدعوة الى التوقف عن تخصيص اموال للأنروا بحجة انتهاء الحاجة لذلك. 3- محاولة تحديد فترة زمنية لبقاء هذه المنظمة وفي نهايتها ينتهي عمل الانروا. 4- حاولت اسرائيل من خلال دول أخرى الضغط باتجاه احالة الخدمات التي تقدمها الانروا على شركات أو تحويل الانروا إلى شركة، تتولى كافة الأمور المتعلقة بمواد الاعاشة والتعليم والصحة. 5- الدعوة إلى التزام الدول العربية  بتمويل أعمال الأنروا، وهذا ما عاد ترمب ليردده من جديد، وذلك تمهيدا لإخراج الأمم المتحدة والمجتمع الدولي من مسؤليتهم إزاء المسألة الفلسطينية وإخراج إسرائيل من مسؤليتها تجاه إخراج اللاجئين من ديارهم. 6- تسعى إسرائيل والقوى المؤيدة لها في المحافل الدولية باستمرار إلى الحاق اللاجئين الفلسطينيين “بالمفوضية العليا للأمم المتحدة للاجئين” في العالم  UNHCR   و الغاء الأنروا، و بالتالي يصبح شأنهم شأن أي لاجئين في جميع أنحاء العالم.
 إن الهدف الدائم لاسرائيل يتمثل في”ازالة الصفة القانونية الدولية عن اللاجئين الفلسطينيين” و”إزالة فلسطينيتهم” حتى لا تتحمل اي مسؤولية باعتبارها الدولة المحتلة لفلسطين، خاصة و أن الأمم المتحدة والقانون الدولي أقر بحقهم في العودة إلى ديارهم (التي اغتصبتها اسرائيل)، وهو حق شخصي غير قابل للتفاوض؛ ولكن يقظة الأردن الدائمة باعتباره أكبر مضيف للاجئين الفلسطينيين، ورفضه لهذه المحاولات وكذلك يقظة الفلسطينيين والدول المتعاطفة مع  القضية الفلسطينية و رفضهم لكل هذه التحركات احبطت المحاولات الاسرائيلية. 
إن مجيء ترامب إلى البيت الابيض وانحيازه الاعمى لإسرائيل و اليهودية الصهيونية، شجع اسرائيل من جديد للضغط على امريكا لإنهاء الأنروا؛ يبدأ ذلك بتقليص المنحة التي تقدمها للانروا من (123) مليون دولار إلى 65 مليون دولار، ولا يستبعد أن يعلن الرئيس الامريكي أو ممثلوه عن تخفيض مستمر في المساهمة الامريكية لينتهي خلال 3 أو 5 سنوات. وهنا يتوجب على الجانب الفلسطيني والعربي و الجامعة العربية و منظمات حقوق الإنسان أن يكون الجميع متنبها للمحاولات الاسرائيلية، و القنوات والدهاليز الدولية التي تحرك الموضوع من خلالها، وان يعمل الجميع وفق خطة متماسكة في الاطار التالي: أولاً : رفض اي تغيير في الوضع القانوني أو المؤسسي أو الوظيفي للأنروا، واعتبار أن مهمتها لا تنتهي إلا بانتهاء مسألة اللاجئين الفلسطينيين حسب قرارات الشرعية الدولية بعودتهم إلى ديارهم أو تعويض من لا يرغب بذلك. ثانياً: التواصل الدبلوماسي و البرلماني والشعبي  مع دول العالم لاستمرار دعم الدول للأنروا باعتبار هذا الدعم جزءا من المسؤولية القانونية والإنسانية للمجتمع الدولي. ثالثا: التواصل مع منظمات المجتمع المدني الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان لتعزيز الأساس القانوني و الإنساني لاستمرار الأنروا في خدماتها و دورها دون انتقاص باعتبار أن الحقوق لا تسقط بالتقادم. رابعا: تنبيه دول العالم و المنظمات الدولية إلى الأخطار الإنسانية والسياسية المترتبة على تخفيض خدمات الأنروا، باعتبار ذلك سيكون مدعاة إلى مزيد من عدم الإستقرار والتطرف في المنطقة.
و أخيرا فإن الرئيس الأمريكي ترامب، بشخصيته و نزعته المتهورة، وبانحيازه الأعمى لإسرائيل، على أسس دينية بسبب ابنته و أحفاده، وبسبب مصالحه في الأعمال والشركات والإعلام، مستعد للتجاوب مع الضغوط الإسرائيلية والصهيونية ولو كانت عكس القانون الدولي والإنساني وضد ما يراه حلفاؤه وعكس المصالح الأمريكية. إن الأنروا يجب أن تبقى بكامل فعاليتها فهي ركن من أركان االمسألة الفلسطينية ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين.
2018-01-21
صراحة الاردنية