اعتصامات بالمناطق الحساسة

صراحة الاردنيةآخر تحديث : الإثنين 3 سبتمبر 2018 - 6:07 مساءً

صراحة نيوز – بقلم سهير جرادات 

بات من المؤكد أن المواطن فقد الثقة بجميع مؤسسات الدولة، وأجهزتها، وظهر ذلك في تغييره لمكان “عقد” اعتصاماته، لينفذها في أكثر المناطق حساسية في الأردن، وتحديدا على إشارة النسر في منطقة دابوق، التي تعد منطقة الحكم ومقره، مما يعطي مدلولات مهمة وخطيرة، يتوجب الوقوف عندها وتحليل أبعادها، لان إهمال نتائجها سيكون له عواقب وخيمة وسيئة على المدى البعيد علينا جميعا، إذا لم يتم التعامل معها بعقلاينة، وروية عالية.

بدأ زحف الاعتصامات من الجامع الحسيني في وسط البلد، ليتواصل إلى دوار الداخلية قبل أن يصل إلى الدوار الرابع، متابعا مسيرته بعد اسقاط حكومة الملقي، لينتهي به المطاف عند النسر في دابوق، في ثلاثة اعتصامات متتالية، وفي ذلك دلالة على أن المواطن لجأ إلى الضربة الأخيرة، طالبا من كبير البلد أن يتدخل، وينصفه بعد أن تغول عليه القاصي والداني، وقبل أن يعلن الركلات الترجيحية .

المضحك المبكي في اعتصامي دابوق الأول والثالث، اللذين شهدا حضورا أمنيا كثيفا بعد أن دعت لهما ( لجنة الحسم ) من متقاعدي ضباط الأمن العام للمطالبة بحقوقهم المنهوبة والمسلوبة لمستحقاتهم ومدخراتهم في صندوق الاسكان، أن يتصدى رجال الأمن لرجال الأمن المتقاعدين، على الرغم من أن مطالبات هؤلاء الضباط المتقاعدين لم تقف عندهم، وإنما ستشمل زملاءهم الذين سيلتحقون بمواكب التقاعد، إلا أننا نجد زملاءهم الذين ما يزالون على رأس عملهم ، وهم أقل رتبة منهم، وممن تتلمذوا على أيديهم، وكانوا بالأمس القريب يؤدون التحية لهم، يصدونهم ويمنعوهم من تنفيذ اعتصامهم بأجسادهم وبنادقهم الموجهة نحو من علموهم الانضباط ، غيرمدركين أنهم سيحالون إلى التقاعد في يوم قريب، وسيلجؤون الى الشارع للمطالبة بحقوقهم التي يطالب لهم بها زملاؤهم وقادتهم السابقون، هذا مشهد ببساطة ينقلنا الى بلد يعتصم فيه ضباط متقاعدون ، اجبروا على احراق الكرت الأخيرقبل أن يطلقوا رصاصة الرحمة على أنفسهم ، ويتصدى لهم ضباط ومرتبات من الأمن سوف يتقاعدون لاحقا.

وعلى إثر زحف الاعتصامات وتسللها إلى أماكن حساسة ، صدر قرار أمني بمنع الاعتراضات والاعتصامات وقمعها ، ليحدد محافظ العاصمة أماكن المنع ، وتحديدا ( اشارة النسر والداخلية والرابع )، معللا سبب المنع على إشارة النسر ، كون المكان حيويا ! على الرغم أن دولتنا تعد حيوية لصغر حجمها، وكثرة لاجئيها .

القاسم المشترك في الاعتصامات الأخيرة التي شهدتها الساحة الأردنية، أن جميع المطالبات عامة، يتضرر منها الكل، وهي تمثل صوت الرفض للظلم والغلاء والفساد والمحسوبية، وهي مطالبات ستنعكس على جميع الأطراف دون استثناء، حتى على الذين يحرسونهم، ليطبقوا القول ” هم يطالبون، وهؤلاء يحرسون، حتى تعم الفائدة على الجميع”، وعلينا أن لا ننسى أن رجالات الأجهزة الأمنية من اوائل المتضررين .

وما يستغرب رغم وجود الاعلام الجديد ، الذي يتيح النقل الحي بالصوت والصورة لما يطرح في الاعتصامات من مطالبات، أن بعض وسائل الاعلام ما تزال تحت السيطرة، فتجدها تحول أهداف الاعتصامات إلى غايات بعيدة عن الواقع، وخاصة اعتصام دابوق الثاني، الذي طالب المحتجون علانية بوقف الفساد، والمطالبة بملكية دستورية، والقضاء على الواسطة والمحسوبية، وجرى تحويل سبب اعتصامهم الى الاحتجاج على رفع الأسعار!!!!

بالعودة الى اعتصامات الرابع ، بغض النظر عن دوافعها، الا أن الجانب الايجابي منها، أنها وضعت الأردن تحت المجهر بحيث أظهرته للعالم بصورة مشرقة، يتمتع بديمقراطية جيدة مقارنة بالدول المحيطة، وهي اعتصامات على قدر من الرقي والوعي ،الأمر الذي يفرض استحقاقات عديدة، منها عدم التراجع إلى الوراء، فيكون لزاما أن لا يخالف الصورة التي تشكلت، بحيث لا يقدم على اعتقال اعداد كبيرة، أوضرب المعتصمين، وخاصة في زمن وسائل الاعلام الجديد.

معروف عن الأردن أنه بلد فقير في موارده وماله، ومصادره شحيحة، وبالذات المائية ، وزراعته ضعيفة، و شعبه- بدوي او فلاح- يعيش على الموسم ويظل مديونا للموسم الذي يليه، فلم يعش في بحبوحة، مما يؤكد أن الفقر والجوع والبطالة التي اعتاد عليها، ليست وحدها المحرك للاعتصامات، بل ان ما يجري هو ثورة على الظلم وغياب العدالة وتفشي الفساد .

من الواضح أن الكيل قد طفح ، مما يوجب الاستجابة لمطالب المعتصمين التي تعبر عن أوجاعهم الناتجة عن جرحهم الذي ينزف، وهم يَرَوْن بلدهم يتقطع، ويباع تحت ذريعة الاستثمار، وتباع جنسيته مقابل المال، والفاسدون يعيثون فيه فسادا، والفاسد يترك حرا طليقا ، والواسطة تسلبهم حقوقهم ، والمناصب أصبحت لزمرة معينة، والوظائف العليا والرواتب المرتفعة أعطيات لفئة ضمن شللية دون غيرها ، وهو محروم منها، وجميعها أوصلتنا الى هذه النتيجة الحتمية من رفع الصوت للمطالبة بالحقوق المسلوبة .

كل ذلك يجعلنا أمام مطالبة ، ودعوة جدية لجميع الحقوقيين الدوليين والمتخصصين في القانون وابرام الاتفاقيات الدولية، لدراسة الاتفاقيات التي بيعت من خلالها بيع مقدرات الدولة ومؤسساتها، والبحث عن أي سند قانوني أو ثغرات قانونية؛ تعيد لنا ما نهب الفاسدون، وهي دعوة الى كل أردني غيور لنتجاوز مرحلة المطالبات إلى مرحلة وضع الحلول.

2018-09-03 2018-09-03
صراحة الاردنية