الإدارة بالأرقام..

55في عالم يصعب فهمه بلا ارقام، أصبحت حمى الحسابات تسيطرعلى احاديث العامة والحكومة والمختصين. الجميع يحملون أرقاما وطنية ويتذكرون أرقام هواتف الأصدقاء والأرقام السرية والعلنية لحساباتهم البنكية والفيسبوكية. الكثير من الناس أصبحوا يعرفون حجم موازنة بلدانهم ويتكلمون عن الفارق بين الايرادات والنفقات وحجم الدين العام والناتح المحلي الإجمالي والمساعدات الخارجية ومستوى العجز وأوجه الإنفاق وموازنة المؤسسات الحكومية والهيئات المستقلة وكل التفصيلات المتعلقة بذلك. البعض منهم يتداولون قصصا تفصيلية عن الرواتب والامتيازات الخيالية التي تصرف لبعض المحظوظين والمحظوظات ممن تقرر معاملتهم حسب معايير الخط السريع في الاستخدام والترقية والنقل والعلاوات ويتداولونها بطرق مختلفة. ما لا يعرفه أحد هو جدوى وجود الكثير من المؤسسات وفعاليتها في أداء أدوارها واستمراريتها وأثر الواسطة والمحسوبية والشللية على أساليب الاستخدام والتقييم والإبقاء على من ثبت أن لا جدوى لوجودها من هذه المؤسسات.

منذ سنوات والخطوط الملكية الاردنية تعاني من مشكلات اقتصادية ادت الى ارتفاع مستوى الخسائر وتدهور قيمة الأسهم ودخول شركاء استراتيجيين . وتحت مبررات تتعلق بكونها الناقل الوطني وصلتها بالهوية الوطنية والرغبة بالحفاظ على تاريخ المؤسسة وإرثها جرى العمل على إنقاذها، وعُيّن لإدارة شؤونها أشخاص لا علاقة لهم بالطيران ولا يملكون الوقت ولا الخبرة التي قد تسهم في وضعها على مسار المنافسة مع عشرات الشركات التي أنشئت بعدها بعقود وأصبحت تتنافس على المراكز الأولى بين شركات الطيران العالمية.

عشرات الهيئات المستقلة وشبه المستقلة والشركات التي تساهم الحكومة في ملكيتها تعاني من تحديات لا تختلف كثيرا عما تعانيه الملكية، فتنشيط السياحة تذهب لعقد مؤتمرات ترويجية في ضواحي باريس وتنشر صور الجمال على اساطيل السيارات العمومية في المدن الاوروبية على اعتبار أن هذه الاساليب ستروج للسياحة التي تراجعت بالتزامن مع رفع موازنتها التي قفزت فوق حاجز الثلاثين مليون دينار.

منذ ايام تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي تسجيلا مصورا لأحد الأدلاء السياحيين الاميركيين وهو ينصحنا أن نهتم بدورات المياه والمرافق الصحية في مواقعنا السياحية والأثرية معبرا عن شعوره بالقرف والتقزز في كل مرة يضطر فيها للدخول إلى الحمامات، مختتما تسجيله بأن السبيل الأمثل لتطوير السياحة يتمثل في نظافة الحمامات والتوقف عن تعيين جباة على أبوابها يحاولون تحصيل رسوم إو اكراميات ممن يدخلونها دون عمل شيء لتنظيفها وتجهيزها للاستخدام. وزيرة السياحة المهذبة اعتذرت عن وضع المرافق الصحية دون ان تقول لنا بأن تشجيع او تنشيط السياحة يحتاج الى تحسين البيئة التي يتحرك فيها السائح اكثر من عشرات الرحلات التي يتخذها الموظفون في الهيئة والوزارة الى لبنان واوروبا وكل بقاع العالم باسم تنشيط السياحة دون أن نشعر بنشاطها.

شركة الفوسفات التي كانت باكورة مشروعات التعدين وأحد أهم صادراتنا للعالم منذ ستينيات القرن الماضي وموضوع من موضوعات الجدل الأردني التي جعلت الكثيرين منا يشكلون مواقفهم من الخصخصة ويتساءلون عن معنى وجدوى الشركاء الاستراتيجيين، أخذت تعاني هي الأخرى من مشكلات انخفاض أرباحها وتثير أوضاعها أسئلة جديدة عن علاقة ذلك بإداراتها.

في مثل أوضاعنا يعتقد البعض أن تبديل الأسماء والأشخاص والمجالس ورفع وتيرة الحديث عن النزاهة والشفافية عوامل كافية للإصلاح الإداري وتحقيق التقدم والنجاح. على أهمية كل هذه العوامل وضرورتها إلا أن توفرها لا يكفي؛ فالإدارة لا تتحقق بحسن النوايا والنزاهة والشفافية فحسب بل تحتاج إلى وضوح في الرؤية وقدرة على الإنجاز وتحييد لكل التدخلات والسير بخطى مدروسة ومبرمجة نحو الأهداف ضمن خطط ومعايير.

والإدارة بالأهداف والأرقام هي الحل للكثير من مشكلاتنا خصوصا ونحن نعاني من عجز مالي وأزمات اقتصادية واجتماعية متتالية. استمرار الحديث عن النوايا والأماني والتطلعات دون وجود أهداف إجرائية ذات مؤشرات رقمية محددة مشكلة من المشاكل التي تعاني منها إدارتنا وتجعلنا ندور في حلقة مفرغة نعمل على تفسيرها باختلاق مبررات وقصص وروايات لا تقنع أحدا.

البعض اهتم بتحسين بيئة العمل وتطوير العلاقات داخل النظم والأنساق الإدارية في حين أولى البعض عناية أكبر للتدريب والدوافع وتقسيم العمل قبل وبعد تطور التكنولوجيا وصولا إلى عصر البرمجيات واقتصاد إنتاجها وتطويرها وتسويقها واستخدامها.

بالرغم من استخدام الجميع لتكنولوحيا المعرفة وضبطها لإيقاع حياة عالمنا اليوم إلا أن هناك تفاوتا واضحا بين بلدان وشعوب وثقافات العالم في تقبلها واستخدامها والإيمان بها والإفادة من الميزات التي توفرها لأعمالنا الإدارية ونشاطاتنا. الفجوة التكنولوجية بين المجتمعات الصناعية وبلدان العالم الثالث حقيقة تتعلق بطرق التفكير والتنظيم والحكم وأساليب إدارة واستخدام الموارد وطرق توزيع الثروة. د صبري الربيحات – الغد

2017-02-26 2017-02-26
صراحة الاردنية