الاستغلال يشوّه العلاقات النبيلة بين الأصدقاء

صراحة الاردنيةآخر تحديث : السبت 2 مارس 2019 - 5:00 مساءً

صراحة نيوز – بقلم موسى العدوان

الصداقة . . كلمة واحدة ولكنها تحمل الكثير من المعاني النبيلة، التي تربط بين شخصين أو أكثر، من خلال علاقات إنسانية وتفاعل روحي وعقلاني وأخلاقي متبادل بينهم. وهي عنصر جوهري يسهم في تحقيق السعادة بين الأصدقاء، لكون ” الإنسان مدني بالطبع ” ويصعب عليه العيش منعزلا عن الآخرين.

يحدث في أحيانا أن نختار شخصا اعتبرناه صديقا وفيا، لما يبديه من مشاعر الحب والاحترام الظاهر. ولكن مع مرور الوقت يتبين لنا أننا قد خُدعنا باختيارنا لذلك الصديق، الذي يبني صداقته على الاستغلال والمصلحة الشخصية. ومن يكتشف أنه خُدع بهذه الصداقة ينتابه شعور بالإحباط، ويأسف على منح ثقته لمن توهم أنه صديق، فاكتشف بأن صداقته زائفة وهي أقرب إلى المادة من الروح والقيم النبيلة. وهذا ما يؤدي في النهاية إلى هدم الروابط الإنسانية بين الطرفين، وظهور مشاعر التوتر والجفاء بدلا من مشاعر الود والوئام.

يقول الأديب أدهم شرقاوي : ” في كل شخص تعرفه . . شخص لا تعرفه، ووراء كل قصة تعرفها . . قصة لا تعرفها . . وبجانب كل حدث تراه . . حدث لا تراه “. وعندما تفحّصت هذه الحكمة البليغة بعباراتها البسيطة، اقتنعت بأنها تتطابق مع الواقع الذي نعيشه تماما، وعرّفتني بحقيقة الكثيرين.

فخلال خدمتي العسكرية التي تجاوزت 37 عاما، تذكرت كم من الأشخاص الذين أحسنت إليهم ودافعت عنهم في مواقف كثيرة، قد أظهروا لي الود والصداقة، وبادلتهم نفس المشاعر الإنسانية عندما كنا نعمل سويا. إلاّ أنهم قلبوا ظهر المجنّ وكشفوا زيفهم بعد أن غادرتهم ، وتبين أنهم كانوا أصدقاء في الظاهر ولكنهم خصوم في الباطن.

أما في الحياة المدنية فلم يكن الحال أحسن من سابقه، بل كان أشدّ مرارة ومراوغة. فهناك من بعض المعارف وحتى من بعض الأقارب، ممن تظاهروا بالودّ والصداقة، وعبّروا عن صداقتهم بالمدح والثناء، المغلّف بمعسول الكلام الذي كنت أخجل منه، وأرجوهم تجنب هذا الثناء غير المبرر. كان ذلك الفعل يخالف طبيعتي ولا أرغب بسماعه، لأنه لا يغير من الحقيقة شيئا. ولكنهم كانوا يصرّون على الاستمرار بأساليبهم النفاقية التي درجوا عليها.

يبدو أن من نسميهم زورا بالأصدقاء في هذا الوطن، يمتهنون أساليب الخداع والاستغلال مهما كانت طبيعة أعمالهم أو علت مناصبهم، إن كان في ذلك مصلحة لهم، اعتمادا على سياسة ميكافيلي ” الغاية تبرر الوسيلة “. وسواء كانت هذه الوسيلة حلالا أم حراما .. أخلاقية أم غير أخلاقية.. فلا فرق في ذلك عندهم، طالما أنها تعود بمردود مادي أو معنوي عليهم.

وغالبا ما يكون صيد هؤلاء من أصحاب القلوب الطيبة، الذين يثقون بالناس ويقدّسون الصداقة، فيقعون فريسة لمن يمارسون أساليب النصب والاحتيال في مختلف القطاعات. وعندما تنكشف حقيقتهم بعد وقت قصير، يلجئون إلى مختلف الأعذار لتسويق بضاعتهم البائسة، والتغطية على أفعالهم المخزية، التي رسموها بدهاء مسبق، بعيدا عن الأمانة وحسن الخُلق. وهنا تذوب الصداقة القائمة بين الطرفين، كما يذوب الزبْدُ في إناء ساخن غير مأسوف عليها ..!

وعلى النقيض من هذا، قد يظهر لك صديق من بين الناس لم يكن في الحسبان. فتكتشف فيه المعدن الأصيل الذي يضاهي نقاء وأصالة الذهب، ليسجل أمامك مواقف الرجولة والشرف وحسن الخُلق. وفي هذا المجال سأروي الحادثة التالية التي تشكل درسا لكل من يقرأ هذا المقال :

في أحد الأيام جرى حوار بيني وبين أحد الأصدقاء، الذي يحمل درجة الدكتوراه في علم الاجتماع، حول قضية خلاف بيني وبين شخص اعتقدت أنه صديق حميم. فسألني صديقي الدكتور : لماذا ائتمنت ذلك الرجل على قضيتك التي كانت نتيجتها هذا الخلاف الذي حدث بينكما ؟ فأجبته : بأن من عادتي أن أمنح الثقة لأصدقائي وأعتبرهم أمناء على ما بيننا، إلى أن يثبت عكس ذلك. فأجابني الدكتور : عليك أن تعكس هذه المعادلة تماما . . ويجب أن لا تعطي الثقة مجانا لمن تسميهم أصدقاءك، إلى أن يثبت عكسها بعد تجربة عملية، لأنك قد تفاجأ بزيف صداقتهم في وقت متأخر.

ومع أن هذه النصيحة تمثل غالبا عين الحقيقة، إلا أنني لم استطع تطبيقها في كثير من الأحيان، إذ فرضت على نفسي التمسك بقناعتي السابقة من منظور إنساني وأخلاقي، باعتبار أن الثقة هي جسر الحياة الذي نسير عليه جميعا في هذا العالم. ولكنني واجهت نتيجة لذلك العديد من الكبوات، ممن اعتقدت أنهم أصدقاء مقربين . . يجدر بي أن لا أكررها بعد الآن.

وفي الختام أقول : علينا أن نعترف بأن جيناتنا البشرية في هذا البلد، تختلف عن جينات البشر في دول العالم. لأن جيناتنا قد تكون مجبولة بالاستغلال، الذي يشوّه العلاقات النبيلة بين الأصدقاء ..!

التاريخ : 2 / 3 / 2019

• ملحوظة : – أرجو من المعلقين الكرام عدم الإساءة في تعليقاتهم لأية جهة كانت.

2019-03-02 2019-03-02
صراحة الاردنية