الحديث الكامل لجلالة الملك خلال الجلسة الحوارية بمنتدى دافوس

صراحة الاردنيةآخر تحديث : الخميس 25 يناير 2018 - 8:20 مساءً

صراحة نيوز – وفيما يلي النص الكامل للحوار:

فريد زكريا: شكرا جزيلا جلالة الملك على هذا الحوار.

جلالة الملك: صباح الخير فريد، يسعدني أن أراك.

 فريد زكريا: جلالة الملك، تحدثت منذ عدة سنوات خلت حول مخاطر الهلال الشيعي في الشرق الأوسط. يبدو أن هذه التوقع قد بات حقيقة. كيف ترى ما يجري في الشرق الأوسط، حيث باتتالديناميكية الرئيسية في الإقليم اليوم هي الحرب الباردة بين السعودية وإيران وتمتد من سوريا إلى العراق ولبنان وقطر، وفي كل مكان.

جلالة الملك عبدالله الثاني: أعتقد أنه، وبالإشارة إلى ما قُلتُه في السابق، فإن المصطلح الذي استخدمه حاليا هو: الهلال الإيراني.  لأن التحدي الذي يواجهنا الآن هو أننا نرى الدين يوظّف كأداة من خلال السياسة. ونحن في المملكة الأردنية الهاشمية لا يمكننا أن نقبل صراعاً بين أتباع الدين الواحد، فخطوط المواجهة تمتد من بيروت إلى بومباي. لذا، فإن هناك قضايا تواجه منطقتنا بسبب السياسة الخارجية الإيرانية، والتي تؤثر على منطقتنا. وكأردنيين، نؤمن بأن الحوار هو السبيل إلى حل القضايا، والحيلولة دون تفاقم الوضع، الذي قد يؤدي إلى صراع مسلح. ولكننا نرى بوضوح الوضع في العراق، وهناك تحديات في سوريا ولبنان، واليمن هو مثال آخر على وجهة النظر العربية وأولوية التعامل مع إيران.

فريد زكريا: هل تعتقد بأن إيران الآن أكثر عدائية؟ هل تمرّ إيران الآن في مرحلة من التراجع بسبب صعوبات داخلية معيّنة؟ كيف يجب أن نقرأ الحكومة الإيرانية الحالية وسياساتها؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: لا أعتقد أن هناك تغييرا كبيرا في السياسات الإيرانية، لأنهم يفكرون بأسلوب إستراتيجي وبعيد المدى. لذا أعتقد أن السياسة الخارجية مستمرة في نهجها حالياً. وكما رأيتم فإن التحديات الداخلية، هي أمر آخر، ولها روايتان مختلفتان بحسب وجهات النظر. ومرة أخرى، أحذّر من دقّ طبول الحرب لأن ذلك لن يعود بالنفع على أيّ منا. وآمل أن نتمكن عبر الحوار من التوصل إلى تفاهم. ولكن هناك قضايا رئيسية، فعلى سبيل المثال فإن الأردن يتعامل مع مجموعات تدعمها إيران على الحدود مع سوريا، وهذا تحدي يواجهنا على مقربة من حدود بلدنا. كما نشعر بالقلق إزاء مستقبل لبنان، فقد عانى لبنان كثيرا على مدار العقود العديدة الماضية، ولا نريد أن تخلق تلك الديناميكيات مزيداً من المشاكل داخل لبنان، لذا آمل بأن تسود الحكمة.

فريد زكريا: قال الرئيس ترامب إن إجراء تجميد العقوبات على إيران الذي أتخذه مؤخرا سيكون الأخير، ما يعني بأن هناك احتمالا واضحا بأن الولايات المتحدة ستنسحب على نحو ما من الاتفاق النووي الإيراني. ويقول بأنه يريد من الأوروبيين أن يتخذوا موقفا متشددا. الأوروبيون صرحوا علانية بأنه لا توجد لديهم النية لفعل ذلك، وأنهم يعتقدون بأن الاتفاق جيد، وبأن إيران ملتزمة به. ماذا سيحدث لو انسحبت الولايات المتحدة بشكل أحادي من الاتفاق النووي الإيراني؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: أعتقد أنه بإمكانك أن تسأل الرئيس الأمريكي بهذا الخصوص. موقفنا هو أن الأردن منذ نشأته يدعم وبكل قوة اعتبار الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، وأن ينطبق هذا على الجميع. إن الأسلحة النووية، المحتمل إنتاجها في منطقتنا أمر مخيف حقاً. نحن نتفهم الموقف الأمريكي، والموقف الأوروبي. وأنا أعرف بأن الأوروبيين والولايات المتحدة ما زالوا يبحثون هذه القضية، وآمل أن يتوصلوا إلى تفاهم مشترك.

فريد زكريا: اتخذ الرئيس ترامب إجراء آخر يؤثر عليكم، حيث أعلن أن الولايات المتحدة ستنقل سفارتها إلى القدس. إلى أي مدى يؤدي ذلك إلى تعقيد الأمور بالنسبة لكم؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: إنها مسألة تشكل تعقيدا بالنسبة للأردن. وكان لدينا حوارات جيدة مع الرئيس (الأمريكي) والإدارة (الأمريكية) على مدار السنة الماضية. وموقفنا آنذاك تمثل في أننا نعرف بأن هذا الأمر مهم بالنسبة للرئيس فهو وعد أطلقه ضمن حملته الانتخابية. ولكن موضوع القدس يجب أن يكون جزءاً من حل شامل بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

لقد تم اتخاذ القرار كما تعلمون جميعاً. وكان له ردّ فعل عنيف لأنه أحبط الفلسطينيين الذين يشعرون بأنه لم يعد هناك وسيط نزيه. وأنا أود أن أتمهل في إصدار الأحكام، لأننا ما زلنا ننتظر من الأمريكيين أن يعلنوا عن خطتهم. ولكن أقدر وأتعاطف بشكل كبير مع ما  يشعر به الفلسطينيون.

إن القدس تُعتبر موضوعاً عاطفياً للجميع، وأعتقد أن علينا أن ننظر إلى المستقبل بالنسبة لما نريده للقدس: فهل ينتهي المطاف بالقدس كمدينة تفرقنا، وهو الأمر الذي أعتقد أنه سيكون كارثياً للإنسانية جمعاء، أم هل تبقى القدس مدينة الأمل التي توحّدنا؟ فهي مدينة خالدة بالنسبة للمسلمين والمسيحيين وكذلك اليهود.

وإذا كنتم تذكرون رسالة قداسة البابا فرانسيس في عيد الميلاد المجيد، حيث أعرب عن أمله بأن يتم التعامل مع القدس كجزء من تسوية تقوم على المفاوضات والوضع القائم، فالمدينة بذات الأهمية للمسلمين كما هي للمسيحيين، وكل قادة الكنائس في القدس طلبوا من الأردن أن يتوجه إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي باسمهم.

لذا فالموضوع لا يرتبط فقط بالمسلمين واليهود، وإنما هذه المدينة إما أن تخلق لنا مشاكل كبيرة في المستقبل، أو أن تكون مظلة تمنحنا الأمل لنسير قُدُماً.

لقد قلت في السابق إن مصطلح “استراتيجي” يوناني الأصل، ولن تجد له جذور في المعاجم العربية أو العبرية. وأعتقد أن هذا يعبر عن إحدى المشاكل التي نواجهها. لذا وفي ضوء اتخاذ هذه القرارات، ما هو تصورنا للقدس في المستقبل؟ فقد تكون مدينة عظيمة توحّدنا، أو تخلق عداء وعنفاً لم يسبق أن رأيناهما من قبل. 

فريد زكريا: لقد كان هناك بعض الأمل بين الفلسطينيين والعرب أنه بالرغم من أن الرئيس ترمب أعلن عن هذه الخطوة، إلا أن السفارة لن تنتقل فعلياً. يقول نائب الرئيس بنس الآن بأن السفارة ستنتقل في العام القادم. هل تشجّعون على تأخير اتخاذ تلك الخطوة؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: مرة أخرى، يعود الأمر إلى الكيفية التي ننظر بها إلى هذه المسألة. فإحدى حوافز السلام تمثلت بالاعتراف بالقدس ]عاصمة[ للإسرائيليين، فما هو إذا الحافز للفلسطينيين؟

إننا جميعاً، ولا أقصد هنا في الشرق الأوسط فحسب، وإنما أصدقاءنا في أوروبا والغرب أيضاً، ننتظر تقديم مقترح السلام. المشكلة الحالية الآن، هي أن الفلسطينيين وبسبب الشعور الكبير بالإحباط لا يشعرون بأن الولايات المتحدة وسيط نزيه. إلا أنهم في ذات الوقت يتواصلون مع الأوروبيين، وأرى بذلك إشارة إلى أنهم يريدون السلام. فكيف نبني الثقة بين القيادة الفلسطينية والقيادة الأمريكية لكي يجلس الأمريكيون والإسرائيليون والفلسطينيون على طاولة المفاوضات؟ ومرة أخرى، جميعنا نعرف، وأعتقد أن الأوروبيين ينظرون إلى هذا الأمر بإيجابية كبيرة، بأنه لا يمكن أن يكون لدينا عملية سلام أو حل دون دور للولايات المتحدة. فكيف إذاً سنجمع جميع الأطراف معاً خلال الشهر القادم أو الشهرين القادمين، وما هي الخطة؟ ]خطة السلام[ لا أحد منا لديه فكرة عمّا هي الخطة. البعض يقول إنها خطة قاسية، الأمر الذي يجب أن نشعر بالقلق إزاءه، ولكن هل هي خطة جيدة؟ وإذا انسحب الفلسطينيون لأنها ليست جيدة، إلى أين نذهب من هناك؟ وأعتقد أن هذه هي المشكلة.

فريد زكريا: إلى أين نذهب؟ لأن هناك العديد من الفلسطينيين يقولون الآن إن حكومة بنيامين نتنياهو والكثير من السياسات التي تنتهجها تُظهِر بشكل أساسي بأن حلّ الدولتين قد مات. وأنه ربما ينبغي أن يبدأوا في السعي نحو حلّ الدولة الواحدة وببساطة يطالبون بحقوق سياسية ضمن دولة إسرائيل.

جلالة الملك عبدالله الثاني: أعود إلى التحديات الاستراتيجية، وهي سؤال بحثناه مع الإسرائيليين لمدة طويلة، إذ سألناهم: أين ترون مستقبلكم؟ فإذا كان يتمثل بحل الدولة الواحدة، فهل سيكون حل دولة واحدة بحقوق متساوية؟

إذا ما نظرنا إلى الحقائق الديموغرافية للعرب الإسرائيليين وإلى الفلسطينيين تحت الاحتلال، فإننا بالتالي سنكون في صدد مناقشة نظام فصل عنصري. هل نستطيع أن نتعامل مع نظام الفصل العنصري هذا ونجعله منصفاً للجميع؟ ولا يقتصر فقط الأمر على العرب الإسرائيليين والفلسطينيين تحت الاحتلال، فمواطنو الدرجة الثانية هم أيضاً المسلمون والمسيحيون، الإسرائيليون منهم أو الموجودون في  الضفة الغربية. لذا، برأيي، فإن الحقائق الديموغرافية والتغيرات السكانية تشكل تحديا أكبر بالنسبة للإسرائيليين من تحديات حل الدولتين.

فريد زكريا: هل تعتقد أن رئيس الوزراء نتنياهو ما زال يؤمن بحل الدولتين، أو أنه سبق وأن آمن بحل على الإطلاق؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: في ضوء ما نراه اليوم، يجب أن نتمهل في إصدار الأحكام – رغم  أنه لديّ بعض الشكوك –  إلى حين أن يطلعنا الأمريكيون على الجانب الآخر من الخطة ]خطة السلام[.

أتصور بأن التحدي الذي يواجهه الأمريكيون مع الإسرائيليين هو أنه وحتى تكون الأمور منطقية، ينبغي تقديم مبادرة جيدة للفلسطينيين. وأعتقد أنه عند تلك اللحظة علينا أن نرى ما إذا كان الإسرائيليون سيقبلون بذلك. ولكن يراودني شعور بأن حل الدولتين وفق رؤيتنا مختلف عن حل الدولتين بنظرهم.

فريد زكريا: أنتم تبنون كثيراً من الأمل على هذه الخطة الأمريكية، هل لديكم أي آفاق واقعية بأنها ستكون طموحة وشاملة؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: إننا منخرطون في هذا الموضوع منذ وقت طويل، ودائماً ننظر إلى النصف الممتلئ من الكأس، وأعتقد أنه علينا أن نعطي الأمريكيين فرصة، وأن نعمل جميعاً معاً للتأكد من أننا نساعد الأمريكيين والإسرائيليين والفلسطينيين في أن يجلسوا سوية. ولكن في المستقبل القريب، إذا تبين أنها ليست خطة جيدة، فإن النقاشات بيننا هي حول الخطة البديلة؟. ولا أعتقد أنه يوجد لدينا خطة بديلة في هذه المرحلة، أم أنها حل الدولة الواحدة؟ وكيف ننفذ ذلك بطريقة إيجابية بحيث يتم إدماج إسرائيل وتصبح جزءا من مستقبل المنطقة؟.

فريد زكريا: هل يمكنكم تخيّل حل دولة واحدة يتمتع فيها الفلسطينيون بحقوق متساوية؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: أستبعد ذلك. إذ سيكون هناك العديد من التعقيدات بالنسبة لهوية إسرائيل وإلى ما تسعى له قيادتها. وبنظري، فإنني لا أستطيع أن أتصور حل دولة واحدة يمكن أن يكون مقبولاً.

فريد زكريا: هل انتصرت روسيا في سوريا؟ روسيا وإيران؟ تبدو حكومة الأسد ثابتة في مكانها، ولكنها لا تسيطر على نصف البلاد، فما هو مستقبل سوريا إذاً؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: أعتقد أنك قد أجبت على ذلك للتو. فلا أعتقد أن هناك رابحا في سوريا. الروس لاعبون رئيسيون، ونحن الآن نتجه إلى جنيف بعد محادثات أستانا التي كانت منصة لوقف إطلاق النار، إن مسار جنيف يأتي نتيجة مباحثات أستانا ولكن ليس جزءا منها.

تمكنا في الجنوب، وأستطيع هنا الحديث باسم الأردن، نحن والروس والأمريكان من العمل معاً للتوصل إلى طريقة لإنشاء مناطق مستقرة في الجنوب (مناطق خفض التصعيد). وهذه إحدى النماذج الإيجابية التي يمكن أن نشير إليها فيما يخص سوريا. فمنذ ربيع العام الماضي وحتى هذا اليوم، يعمل الجيشان الأمريكي والروسي تحت مظلتنا على إدارة مركز يعمل على مدار الساعة لتفادي النزاعات واستدامة الاستقرار في الجنوب.

والخطوة التالية، هي كيفية تطبيق هذا النموذج في الوسط والشمال. وقد أصبح الوضع في الشمال أكثر تعقيدا بسبب التحديات التي ظهرت مؤخراً والمتعلقة بتركيا. علينا أن ندرك أهمية الوصول إلى جنيف في نهاية المطاف من أجل الجانب السياسي.

فريد زكريا: هل سيذهب الأسد إلى جنيف والتي تمثل الحل السياسي الذي يشتمل عقد انتخابات وأموراً من هذا القبيل؟ فكلما حقق الأسد تقدماً في الجانب العسكري، يصبح أقل ميولاً للذهاب إلى جنيف للتفاوض حول انتقال سياسي بعيداً عن نظامه.

جلالة الملك عبدالله الثاني: كما أشرت، فإن الحل للأزمة في سوريا لن يكون قريبا. وبوجود العديد من اللاعبين الدوليين في سوريا بأجنداتهم الخاصة، أعتقد أن (الرئيس السوري) بحاجة إلى الذهاب إلى جنيف، وهي ليست محطة شاملة تتناول جميع القضايا. فهناك اجتماع قريب في سوتشي، يعقد لمرة واحدة ويمكنّنا من أن نصل، كما نأمل، بشكل أفضل إلى جنيف. وستكون جنيف عملية مستمرة، لأننا نتعامل مع الانتخابات والدستور، وبالتالي، فما هي الخطوة التالية بعد ذلك إذاً؟ إنها إعادة إحياء جنيف، وعلى جميع الأطراف، الأطراف العقلانيين، أن يدركوا أن الوضع في سوريا لن يتحسن، فهو معقد ويمثل تحديا، ونحن جميعاً ندفع الثمن. وأعتقد أنه من المنظور الروسي، فإنهم يجب أن يجدوا حلاً، وجنيف هي أفضل مسار.

فريد زكريا: ما هي الاستراتيجية وراء ما يبدو بأنه سياسة خارجية جديدة للسعودية تعتمد المواجهة؟ فهي تتحدّى إيران في لبنان وفي سوريا وفي العراق وفي قطر وطبعاً في اليمن. وفي جميع هذه الأماكن يبدو أنها اتّخذت أكثر المواقف هجومية، وفي جميع هذه الحالات، حتى الآن، لا يبدو أنها لاقت الكثير من النجاح. لماذا يحدث ذلك وهل تتوقع استمرار ذلك؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: أعتقد أن السعودية بقيادة (خادم الحرمين الشريفين) الملك سلمان بن عبدالعزيز تلعب دورا فاعلا واستباقيا لم نراه منذ مدة.

وكما قلت آنفاً، فإننا نلمس فعلاً تدخّلا للسياسات الإيرانية في العديد من الدول العربية. ويظهر مجدداً خطر استغلال جماعات وقضايا على أسس دينية في منطقتنا. وأعتقد أنني ذكرت ذلك مسبقاً.

لذا أعتقد أنه ليس السعودية فحسب وإنما بعض دول الخليج الأخرى لديهم مخاوفهم بعد أن رأوا ما حدث، كما أشرت، في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، وفي أجزاء أخرى من العالم.

لذا يوجد توتر مع إيران بسبب السياسة التي يتم ممارستها في منطقتنا، وهو الأمر الذي نود من الإيرانيين أن يتوقفوا عنه. وأعتقد أن السياسة السعودية تضع خطوطا حمراء أمام هذا التدخل (لإيران).

فريد زكريا: جلالتكم رجل عسكري وتفهم الحرب جيداً. في اليمن، يبدو أن السعوديين خلقوا مشكلة أكبر من تلك التي يسعون لحلّها. فالجزء الأفقر من الشرق الأوسط يتم تدميره، وتنتشر المجاعة وتتفشى الكوليرا والتيفوئيد. ونحن نتحدث هنا عن دولة مجاورة للسعودية. ألم يخلقوا بذلك مشكلة تستمر جيلاً بأكمله؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: لطالما شكلت اليمن تاريخيا تحدياً لأي حملات عسكرية. وهناك دون شك تحديات في اليمن. القلق الذي نشعر به جميعاً، والذي عقد على إثره اجتماع في السعودية قبل يومين، هو كيف نتعامل مع الأزمة الإنسانية. وهو أمر ينبغي أن نتعامل معه بأكبر قدر ممكن من الحزم والسرعة، لأنه وكما قلت، إذا لم ننجز ذلك بالشكل الصحيح، فإن ذلك سيؤرق ضمائرنا لمدة طويلة.

وأعرف أنه قبل يومين، اتُخذ قرار في الرياض مع دول التحالف (العربي) لإرسال ما قيمته 5ر1 مليار دولار من المساعدات إلى اليمن. وأعتقد أن هذا يمثل البداية فحسب.

إن دول مجلس التعاون الخليجي تعمل على إيجاد حل سياسي لهذه الأزمة، وأعتقد أن علينا أن ندعم جهودها في هذا المسعى. ولكن كلما أسرعنا في الانتقال من ساحة القتال إلى ساحة الحوار السياسي والعمل لحل المشكلة، سيكون أفضل لنا جميعاً، باعتقادي.

فريد زكريا: خلال حملة الترشح للانتخابات الرئاسية، قال دونالد ترمب على شبكة CNN “أعتقد أن الإسلام يكرهنا”، قاصدا بذلك أن الإسلام يكره أمريكا. هل حاولت، خلال حواراتك مع الرئيس ترمب، أن تقنعه بعكس ذلك؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: بكل تأكيد، ولجميع الأمريكيين أيضا، سواء كنتُ في واشنطن في الكونغرس أو مع الإدارة الأمريكية، أعتقد أنه لربما هناك عدم إلمام بحقيقة الإسلام. الإسلام بني على مكارم الأخلاق التي تدعو إليها المسيحية واليهودية وغيرها من الأديان. إنه ليس دين كراهية. نحن المسلمون نؤمن بالسيد المسيح ونؤمن بمريم العذراء ونؤمن بالإنجيل والتوراة، وهذا ما نشأنا وتربّينا عليه جميعنا.

وسبق أن قلت أن تحيتنا كعرب ومسلمين، هي “السلام عليكم”، وهي أكثر جملة يكررها المرء صباح مساء. وهي تمثل جوهر الإسلام.

لدينا تحديات بسبب المشاكل التي خلقتها مجموعات هامشية (الخوارج). وكما قلت في السابق، لدينا حرب داخل الإسلام، وهي بمثابة حرب أهلية بيننا جميعاً من جهة وبين أولئك الذين لا يعتبروننا نحن المسلمين كفاراً فحسب، بل ويعتبرون المسيحيين واليهود وأتباع الأديان الأخرى كفاراً أيضاً ويجب قتلهم.

المشكلة التي تواجهنا الآن، والتي لا يوجد فهم كاف لها، هي أننا يجب أن نعمل سوية – مسلمون ومسيحيون وأتباع الأديان الأخرى – لمحاربة هذا البلاء (الخوارج)، وهو تحد طويل المدى، ولن يكون بالأمر الذي يسهل حله. إنها حرب عالمية ثالثة لكن بوسائل أخرى، كما قلت سابقا.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن التحدي لا يتمثل برأيي بخطر دخول الإرهابيين، فهذا الأمر لا يقلقني لأن برنامج الأمن المكرس لحماية الولايات المتحدة متين ومحكم.

ما لا نود حدوثه، في الولايات المتحدة وفي بلدي وأوروبا أيضاً، هو أن يشعر المسلمون بأنهم ضحايا ومعزولون. فهذا سيذكي لديهم الشعور بأنهم مكروهون من الجميع. إن مثل هذا الخطاب يقلقني لأنه يخلق تحديات داخلية أكبر للأمن.

في نهاية المطاف، جميعنا يريد حياة أفضل ومستقبل أفضل لأطفالنا وأحفادنا. إن الشعور بالعزلة، هو مكمن الخطر. والخطاب الذي يذكي ذلك لا يعود بالنفع على أي أحد.

فريد زكريا: ولكن جزءا من ذلك الخطاب ما زال يصدر عن دونالد ترمب. فكلما وقع هجوم إرهابي في أوروبا، يغرّد بشأنه. هل تشعر في لقاءاتك معه أنك استطعت أن تقنعه؟ هل تمت إثارة هذا الموضوع؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: لقد ناقشنا هذا الأمر. ومرة أخرى، لا تنسى أنه في حربنا العالمية ضد الإرهاب الدولي، فإن الولايات المتحدة الشريك الأكثر فعالية في العالم، ليس مع الأردن فحسب، وإنما مع أوروبا، والدول في إفريقيا وفي الشرق الأقصى. لذا فإنهم حلفاؤنا وعلاقتنا مع الولايات المتحدة هي علاقة مؤسسية. وأعتقد أننا جميعاً شركاء في هذا التحدّي العالمي.

وأعتقد أن التحدي الواجب النظر إليه هو: كيف نعالج الأمر وفق ما أدعوه النهج الشمولي؟ إن الأمر لا يقتصر على سوريا أو العراق أو ليبيا. لدينا تحديات في شرق إفريقيا، تتمثل في حركة الشباب وبوكو حرام. كما من المحتمل أن نشهد توترا في منطقة البلقان، إلا إذا قام الأوروبيون، إن جاز لي أن أقول ذلك، بالتركيز على الجنوب، فقد شكلت البلقان تاريخيا منطقة حرجة لأوروبا والعالم، وهو ما قد يصبح مشكلة محتملة بسبب التطرف. هناك أيضاً مشاكل في الفلبين وإندونيسيا، ونود معالجتها استباقيا. لذا فإن عمل هذا التحالف العالمي يتطلب أن نتمكن من أن نتعامل مع أكثر من تحد في ذات الوقت، وأن نتعامل مع هذا الأمر بنهج شمولي، ودون أن نعزل المجتمعات المسلمة بحيث يشعروا بأنهم ضحايا.

فريد زكريا: وأخيراً، دعني أسأل جلالتك، في دافوس هذا العام، هناك قدر معقول من التفاؤل حول العالم. الولايات المتحدة تنمو اقتصادياً. أوروبا تنمو. اليابان تنمو. والصين والهند وأمريكا اللاتينية. ويبقى الشرق الأوسط منطقة ليس فيها ذلك القدر من التفاؤل. هل أنت متفائل أم متشائم بشأن الشرق الأوسط؟

جلالة الملك عبدالله الثاني: مرة أخرى، أعتقد أن الشرق الأوسط قد عبر مفترق طرق مهم للغاية قبل سنوات عديدة هو الربيع العربي، والذي انطلق على يد شباب أرادوا أن يروا تغييراً ديناميكياً في منطقتنا، ولكنّه لسوء الحظ اختطفته جماعات دينية ذات أجندة متطرفة. وأعتقد أننا ما زلنا نمر بمفترق الطرق هذا.

لقد قلت للأشقاء العرب قبل سنوات عديدة، إن دولاً كثيرة في الشرق الأوسط كانت دوماً تنظر إلى إفريقيا بسلبية. وكنت أقول لهم: إن الإفريقيين يتحدثون إلى بعضهم البعض. ولديهم علاقات تجارة بينية جيدة. وتحالفاتهم العسكرية تعمل معاً. ويحاربون الإرهاب معاً. وما أراه اليوم أن إفريقيا قد تقدّمت علينا في الشرق الأوسط. هل ذلك بسبب أننا ما زلنا نحاول أن نتغلب على تبعات الربيع العربي؟ ولكن علينا أن ننظم شؤوننا ونبدأ بالحديث إلى بعضنا البعض. وأعتقد أنه عندما تتحدث عن إفريقيا، التي نظرت إليها العديد من الدول العربية بسلبية، فإنهم يضربون لنا مثالاً حول كيفية التحرك في الاتجاه الصحيح.

فريد زكريا: يبدو أن الربيع العربي تحول سريعاً إلى شتاء عربي. فقد عدنا إلى حقبة الرجال الأقوياء والاستبداد. ولا يبدو أن ذلك الوعد قد نجح.

جلالة الملك عبدالله الثاني: إذا ما سمحت لي، أعتقد أن الربيع العربي، كما قلت، بدأه شباب سعوا نحو التغيير الذي يستحقونه. ثم تم اختطافه من قبل جماعات دينية والتي، برأيي، دعمها الغرب، ودعمتها وسائل إعلام غربية، بينما كنا نحن جميعاً الذين نعيش هناك (في المنطقة) نقول: يا إلهي! نحن نعرف تماماً كيف ستنتهي هذه القصة. وقد أوجد ذلك جميع حالات عدم الاستقرار التي تراها في العديد من الدول التي تحدثنا عنها. علينا أن نتغلب على ذلك.

ومرة أخرى، تتعرض منطقتنا لتغيير تاريخي كبير وما تزال هناك بعض المعارك التي علينا أن ننتصر فيها. وعندما أقول ذلك، فإنني أعتقد أن هناك دولا أخرى في الشرق الأوسط تتقارب مع بعضها البعض على أساس ثنائي، وتزدهر سوية. وهذه الدول ترى أن لديها نفس الأفكار، فتدعو للتقارب وبناء سياسات استراتيجية عربية أكثر تماسكا.

وأعتقد أن القومية العربية قد تراجعت مع الربيع العربي. ففي داخل دولنا بدأنا نقول: حسناً، أنا لدي هموم عربية ولكنني – في واقع الحال – أردني. وأنا أهتم بالقضايا الأردنية. أنا لبناني؛ وأنا أهتم بالقضايا اللبنانية. أنا مغربي…الخ. لذا، سيستغرق الأمر بعض الوقت إلى حين أن يتجاوز الجميع مشاعرهم الوطنية ويعودوا وينظروا، كما هو الحال في أوروبا، إلى الصورة الأكبر.

فريد زكريا: آراء مهمة جدا، جلالتكم، شكراً جزيلاً لكم.

جلالة الملك عبدالله الثاني: من دواعي سروري دائماً.

2018-01-25
صراحة الاردنية