العصيان المدني

صراحة الاردنيةآخر تحديث : الأحد 8 سبتمبر 2019 - 10:17 صباحًا

صراحة نيوز – بقلم – الدكتور حسين عمر توقه باحث في الدراسات الإستراتيجية والأمن القومي

الفساد يؤدي إلى الفقر والفقر يؤدي إلى الجوع والجوع كافر

في الدستور الفرنسي المادة 35 في عام 1793 تنص ” أنه عندما تنتهك الحكومة حقوق الشعب تصبح الثورة بالنسبة للشعب بكل شرائحه أكثر الحقوق قدسية وأكثر الواجبات حتمية “

العصيان المدني هو أحد الطرق التي ثار بها الناس على القوانين الظالمة غير العادلة وهو أحد الوسائل السلمية المكفولة دستوريا والمتاحة للمواطنين من أجل المطالبة بحق من الحقوق المهدورة . وقد استخدم في حركات مقاومة سلمية عديدة وموثقة ففي الهند تمثل العصيان المدني في حملات المهاتما غاندي من أجل العدالة الإجتماعية والإستقلال عن الإمبراطورية البريطانية ولقد أوضح غاندي بشكل لا يقبل الشك أن العصيان يقوض من سلطة الدولة إلى حد بعيد إذ يعلن ” لو أن الرجل يشعر بأنه ليس من الرجولة أن يطيع القوانين الجائرة فلن يستطيع أي طاغية أن يستعبده “.

وفي جنوب إفريقيا تمثل العصيان المدني في مقاومة التمييز والفصل العنصري حين دعا كل من الأسقف ديزموند توتو وستيف بيكو إلى العصيان المدني وتمثلت النتيجة في وقائع مشهورة مثل المطر البنفسجي عام 1989 ومسيرة كيب تاون التي أنهت الفصل العنصري .

وفي حركة الحقوق المدنية الأمريكية عام 1955 التي قادها مارتن لوثر كنج ضد التمييز العنصري بين السود والبيض والتي بدأت في مونتجمري بولاية ألاباما حين رفضت روزا باركس السوداء التخلي عن مقعدها في الحافلة لراكب أبيض .

ولقد استخدم الثوار العصيان المدني فيما عرف بالثورات الملونة والتي تأثرت بأفكار جين شارب والتي أدت إلى خلع سلوفيدان ميلوسوفتش في صربيا والثورة الوردية في جورجيا التي أدت إلى خلع إدوارد شفرنادزة والثورة البنفسجية في تشيكوسولفاكيا والثورة البرتقالية في أوكرانيا .

ويجمع الكثير من الباحثين على أن أكبر الأمثلة لتطبيقات العصيان المدني في العالم العربي وأوسعها نطاقا تمثلت في ثورة 1919 التي ابتدأت في اليوم التالي لإعتقال الزعيم الوطني سعد زغلول والوفد المرافق له بتاريخ 9/3/1919 حيث أشعل طلبة الجامعة في القاهرة شرارة التظاهرات وفي غضون يومين امتد نطاق الإحتجاجات ليشمل جميع الطلبة بما فيهم طلبة الأزهر وبعد أيام قليلة كانت الثورة قد اندلعت في جميع أنحاء مصر من مدن وقرى حيث قام عمال الترام بإضراب تلاه إضراب عمال السكك الحديدية كما أضرب سائقو التاكسي وعمال البريد والكهرباء والجمارك وتلا ذلك إضراب عمال المطابع والورش الحكومية ومصلحة الجمارك بالإسكندرية . وبالرغم من أن الكثير من مؤرخي التاريخ يفضلون مصطلح الثورة بدلا من العصيان نظرا لوقوع مئات من الشهداء من الشعب المصري في هذه الثورة ضد الإحتلال البريطاني.

وبالمقابل فإن الكثير من المؤرخين رفضوا اعتبار الإضراب العام في فلسطين بأنه أحد الأمثلة الحية للعصيان المدني حيث تم الإعلان بتاريخ 17/4/1936 عن الإضراب العام في فلسطين احتجاجا على السياسات البريطانية الموالية للصهيونية . وبقيت المحاصيل الزراعية في القرى الفلسطينية وامتنع العمال الفلسطينيون عن التوجه إلى حيفا وتوقف العمل في الميناء وامتنع الطلاب من التوجه إلى المدارس وقاموا بالمظاهرات والمسيرات وهتفوا ضد الإنجليز وضد وعد بلفور وبتاريخ 8/5/1936 وتحت تزايد الضغط الشعبي دعا الحاج أمين الحسيني إلى عقد مؤتمر قومي لكل اللجان القومية وطالب هذا المؤتمر تحت شعار ” لا ضرائب بلا تمثيل ” بالعصيان المدني وتنظيم إضراب عام احتجاجا على السياسات البريطانية الظالمة تجاه الشعب الفلسطيني والممالئة للصهيونية ولليهود .

وقد استمر الإضراب العام لمدة ستة أشهر ليصبح بذلك أطول إضراب ضد الإستعمار الغربي عرفته حركات التحرر الوطنية مما أدى إلى إيقاف النشاط التجاري والإقتصادي في القطاع الفلسطيني وقفا تاما . ويعتبر هذا العصيان المدني الفلسطيني حجر الزاوية لثورة فلسطينية عارمة امتدت حتى صيف 1939 استشهد خلالها 1200 شهيد فلطيني وفي مقدمتهم شيخ الشهداء فرحان السعدي الذي قام الإنجليز بإعدامه وهو صائم في شهر رمضان الكريم .

تعريف العصيان المدني :

إن العصيان المدني يعتبر ضمانا أخلاقيا إنسانيا وقانونيا للحريات العامة لا يخضع للسلطة القضائية ضمانا يمارسه المواطنون أنفسهم للحفاظ على حقوقهم الطبيعية والدائمة وهذه الحقوق هي الحق في الحرية والحق في التملك والحق في الأمان والحق في مقاومة القمع إن العصيان المدني هو نشاط شعبي يعتمد أساسا على مبدأ اللاعنف وكلمة مدني صفة تتصل بالمواطن ولهذا فإن أول ما يتبادر إلى الذهن أن العصيان المدني يعني عصيان المدنيين ولكن في حركات اللاعنف فإن كلمة ” مدني ” تعني عكس ما تعنيه كلمة عنف وهذا معناه أن المشاركين في أي نشاط للعصيان المدني إنما يتصرفون بشكل سلمي متحضر بعيد كل البعد عن كل مظاهر العنف والإيذاء النفسي والجسدي .

ولا بد من الإعتراف بأنه لا يوجد هناك إجماع حول تعريف العصيان المدني لا سيما وأن معظم التعاريف الدارجة قد ارتبطت بتاريخ معين أو بحادثة تاريخية معينة وعليه فإننا سنحاول التطرق في هذه العجالة إلى بعض الحقب الزمنية وبعض المفكرين الذين ساهموا بكتاباتهم بإضفاء بعض المعاني على مفهوم العصيان المدني .

في بحث للمحامي جميل عودة بعنوان ” العصيان المدني : الأسلوب الأمثل للمعارضة والدفاع عن الحقوق ” يعرف العصيان المدني بقوله هو ببساطة أن تعصي القانون وتطيعه في آن واحد فهو أرقى صور التمرد والمقاومة والرفض والإحتجاج . ولكن بالشكل السلمي المتحضر . له صور متعددة مثل أن يخرج المعارضون بشكل جماعي وفي أوقات محددة لإجبار السلطة الحاكمة على الإنصياع لمطالب المحتجين الهادئين مثل رفض الموظفين الذهاب إلى دوائر الدولة والمدارس والجامعات والمصانع والمعاهد مع إغلاق كل الأسواق والمحلات التجارية والأفران ومثل اقناع سائقي السيارات العامة ومحطات الوقود وسيارات الأجرة داخل المدن وخارجها . ومثل أن تخرج الجماعات وهم يرتدون ملابس موحدة إما سوداء أو بيضاء أو أي لون موحد وبكل هدؤ لا شعارات ولا صراخ ولا نداءات معادية ولكن عصيان بهدؤ كالجلوس في الشوارع الرئيسية أو الميادين الكبرى والجلوس في وسطها .

ويتوجب على الممارس للعصيان المدني أن يكون هادئا مالكا لزمام نفسه حتى يتحقق هدفه . فعندما يمسك به رجال الشرطة والأمن لا بد وأن يكون مطيعا لهم تماما يبتسم في وجوههم حتى لو أهانوه وشتموه . وفي العصيان المدني يعاهد ممارس اللاعنف نفسه وضميره ووطنه أن يتحمل المسؤولية بمفرده وكأنه هو وحده في الساحة ويحاول قدر جهده أن يقنع الآخرين بعدالة قضيته .

في عام 1849 تم نشر بحث بعنوان ” مقاومة الحكومة المدنية ” للأمريكي هنري ديفيد ثورو في أعقاب رفضه دفع ضريبة مخصصة لتمويل الحرب ضد المكسيك وعرف العصيان المدني بأنه رفض الخضوع لقانون أو لائحة أو تنظيم أو سلطة تعد في عين من ينتقدونها ظالمة . ويعتقد ثورو أن المقاومة يجب أن توجه خطابها إلى المواطنين لأنهم هم الذين يشكلون ويصنعون الجزء الأهم في جماعة العصيان كما يرى أن أكبر الداعمين للأنظمة الجائرة والذين يمثلون أكبر المعوقات أمام حركة المقاومة هم أؤلئك الذين يعترضون في البداية ثم يذعنون ويقدمون للنظام الولاء والدعم في النهاية , وينبغي ألا تنشغل حركة العصيان المدني بتوجيه خطابها إلى الحاكم أو النظام وتغفل عن اختيار خطاب مناسب للجماهير يدعوهم للمشاركة في العصيان ويحرضهم عليه ويربط مستقبلهم بنجاحه طالما أنها قررت المقاومة وليس الإحتجاج .

وفي تعريف للفيلسوف الأمريكي الليبرالي أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة هارفارد جون راولز أنه يمكن تعريف العصيان المدني على أنه عمل عام سلمي يتم بوعي كامل ولكنه عمل سياسي يتعارض مع القانون ويطبق في أغلب الأحوال لإحداث تغيير في القانون أو في سياسة الحكومة وبإتخاذ هذا المسلك يخاطب العصيان المدني حس العدالة لدى غالبية المجتمع ويصرح وفقا لرأي وتفكير ناضج بأن مبادىء التعاون الإجتماعي بين أفراد يتمتعون بالحرية والمساواة في الحقوق لا يتم حاليا احترامها من قبل النظام الحاكم .

وفي كتابه ” نظرية العدالة ” يقول المؤلف جون راولز ليس من الصعب أن تبرر حالة العصيان المدني في نظام غير عادل لا يتبع رأي الأغلبية . لذلك تستفيد حركات العصيان المدني من الظلم والتسلط وتوظفها في عملية التحريض وكلما ازداد الظلم كلما كان ذلك في صالح حركات العصيان . وكلما ازدادت الجرائم المعلنة للنظام كلما كان ذلك سبيلاً إلى اجتذاب الجماهير لذلك تستفيد حركات العصيان من أخطاء النظام وتوظفها بشكل دقيق لجذب المزيد من الأحرار لتسقط شرعيته وهيبته .

في كتاب ” طريق المقاومة ” يعرف المؤلف بير هيرنجرين العصيان المدني بأنه نشاط شعبي متحضر يعتمد أساسا مبدأ اللاعنف . وهو عبارة عن تحد لأمر ما أو لقرار ما حتى ولو كان غير مقيد بالقانون ويهدف نشاط العصيان إلى المحافظة على أو تغيير ظاهرة معينة في المجتمع بحيث تكون النتائج أو التبعات الشخصية جزء مهم من العصيان ويجب الإنتباه إلى أن العصيان المدني تقوم أنشطته على التحدي فلا تقيده قوانين النظام أو قراراته وإن كان أحيانا يتم عبر القوانين ومن ثم لا يستطيع النظام أن يفرض على حركة العصيان نشاطا بعينه أو يمنعها من نشاط أو يفرض عليها ميدانا بعينه .

في كتاب ” سياسة الحراك السلمي ” لمؤلفه جين شارب أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس في دارتموند والمعروف بإسم عراب الثورات الملونة يقول إن السلطة ليست أحادية ثابتة أي أنها ليست أمرا لا يمكن انتزاعه من أصحاب السلطة ولكنه يرى أن السلطة السياسية أي سلطة الدولة بغض النظر عن طبيعة تنظيمها هي نابعة في المقام الأول من المواطنين فيها وهو يرى أن أي قاعدة للسلطة إنما هي قائمة على طاعة المواطنين لأوامر الحاكم أو الساسة فإن امتنع المواطنون عن الطاعة ففي هذه الحالة يفقد الحاكم سلطته .

وفي كتابه ” من الدكتاتورية إلى الديمقراطية ” يذكر أن هناك العديد من الشعوب التي تعيش تحت القمع المحلي أو الأجنبي منذ عشرات بل مئات السنين وغالبا ما يكون الخنوع إلى رموز السلطة والحكام دون مساءلة قد غرس في الذهن وفي أكثر الحالات تطرفا تكون مؤسسات المجتمع الإجتماعية والسياسية والإقتصادية وحتى الدينية قد أُضعفت عمدا أو حُولت إلى مؤسسات تابعة أو قد استُبدلت بمؤسسات صارمة تُستخدم من قبل الدولة أو الحزب الحاكم للسيطرة على المجتمع ويكون المواطنون قد شُتتوا لدرجة أنهم أصبحوا كتلة من الأفراد أو المعزولين الذين لا يستطيعون العمل معا لنيل الحرية .

وفي موقع آخر من الكتاب يقول .. تهدف ممارسات الأنظمة الديكتاتورية إلى إجبار القوى الديمقراطية على التخلي عن النضال السياسي واستخدام العنف وبالتالي تجد هذه الأنظمة مبررا لإستخدام القوة ودحر المقاومة الديمقراطية بسهولة .

الخاتمة :

في نهاية هذا البحث لا بد من إيراد بعض التوصيات للمحامي جميل عودة حول المبادىء التي يحتاجها العصيان المدني كي يتحول إلى حركة حقوقية احتجاجية شعبية ناجحة

اعتبار العصيان المدني حق طبيعي من حقوق الشعب لا يمكن التنازل عنه بأي صورة من الصور

اعتبار العصيان المدني وسيلة حضارية من وسائل التحول السياسي والمعارضة في البلاد العربية والإسلامية

ضرورة تعميم العصيان المدني عبر نشر ثقافة اللاعنف وتنميط أدواتها وأساليبها عبر تحويلها إلى قيم ثقافية راسخة في المجتمع

ضرورة توعية المواطن بأهمية العصيان المدني كوسيلة من وسائل المطالبة بحقوقه المشروعة وممارسة المعارضة السلمية وإخراجه من دائرة اللامبالاة والخوف وعدم تحمل المسؤولية

ضرورة قيام مؤسسات المجتمع المدني بتدريس أسلوب العصيان المدني وتعميمه على كافة طبقات المجتمع مما قد يحول الإحتقانات الداخلية والنفسية والمظالم وافتقار للعدالة الإجتماعية إلى قوة إيجابية للبحث عن حلول عادلة بعيدة عن الوسائل التخريبية العنيفة

ضرورة تفهم السلطات العربية والإسلامية لأهداف العصيان المدني وأخذها بعين الإعتبار والتأكيد على تحقيقها لأنه يضمن مصالح البلاد حيث يتم احتواء التخريب والعنف والفوضى الناجمة عن الإحتقانات الغوغائية .

ضرورة تطوير أدوات العصيان المدني واستحداث أساليب جديدة لأدائه على وجهه الصحيح

أن يجعل المجتمع المدني العربي والإسلامي العصيان المدني الأسلوب الأمثل في ممارسة المعارضة مع ضرورة وجود مواثيق بين الدول الإسلامية تمنع ضرب وقمع التجمعات السلمية

الإستفادة من الثورة التكنولوجية الجديدة المتمثلة بالإنترنت ووسائل الإتصال المتقدمة من أجل تعميم أساليب العصيان المدني ودعم الشعوب المقهورة عبر نشر قضاياها وأهدافها

وأخيرا نجد أن اللاعنف هو فلسفة حياة قادرة على تحريك قوة العقل وطاقة المعرفة وبالتالي القضاء على فوضوية الجهل والأمية الموسومة بالعنف والإنفعال والحماس واللعب بالأهواء والعواطف فالعنف لا يولد غير العنف

وبكل إختصار فالعصيان المدني هو حركة إنسانية واعية تنبع من الخيارات الذاتية نحو بناء مجتمع ديمقراطي تعددي قائم على حقوق المواطنة والمشاركة والعدالة .

2019-09-08 2019-09-08
صراحة الاردنية