القدس ثلاثُ أسئلةٍ بعد الغبار

image_pdfimage_print

صراحة نيوز – بقلم سيف الله حسين الرواشدة

دعونا نبدأ بمبطن الرّسالة التي يحملها قرار الإعتراف الأمريكي للعرب و المسلمين، و مفادها أنّ الإحتلال ليس دولةً صليبيّة أو مستعمرة ستزول و لو بعد حين، و أنّ لهؤلاء حقٌ بالوجود هنا يدعمه التّاريخ والشّرعية و الولايات المتحدة، و أنّ فلسطين ليست من النهر إلى البحر، و قد تكون من الجسر ( بعد نقطة التّفتيش الإسرائيليّة) إلى أبوديس مثلًا، إذا سمحت خارطة المستوطنات بذلك طبعًا.

أظنّ أنّ ما سبق هو الفائدة من هذا القرار التي رجا الرّئيس الأمريكي إيصالها لنا، ليخدم عمليّة السّلام على حدّ قوله، فهو يضعنا بها أمام الأمر الواقع بعيدًا عن أوهام أوسلو و الدّولة الفلسطينيّة المستقلّة ذات السّيادة على التّراب الوطنيّ الفلسطينيّ وغيرها ممّا تتمسّك بها بعض نخبنا السّياسية، و يعيد أيضًا تعريف الوسيط و الوساطة في عمليّة السّلام و نهايةً يواجهنا بثلاثة أسئلةٍ تنتظر منّا إجابةً ملحّة.

الأوّل : ماذا نفعل ( نحن الشّعوب) لمواجهة هذا القرار؟ وهل الرّفض المتوزّع بين العالم الإفتراضي و المظاهرات و الوقفات الإحتجاجيّة كافٍ؟

و الواجب أن نقول هنا، أنّ أيّ رفضٍ تبديه الشّعوب هو علامة صحّةٍ و عافية، علامةٌ على سلامة بوصلتها و على عافية إرادتها، على أن لا يكون هذا مخرجنا من تأنيب الضّمير أو بوّابة للشّعور بالتفوّق الأخلاقيّ الكاذب و أن نكتفي به، على أننا نمتلك من وسائل الضّغط (الإقتصاديّة، الإجتماعيّة و السّياسيّة) الكثير، فلا محيد لنا من القيام بما هو واجبٌ و مستطاعٌ في كلّ وقت.

السّؤال الثّاني: هل ما يزال هنالك فرصةٌ للسّلام؟

بعيدًا عن إيمانك بإمكانيّة السّلام أو رفضك له على الطّريقة النّاصريّة، فلا مناص لك من التّنبه إلى أنّ إسرائيل التي وقّعت وادي عربة و أوسلو، كانت دولةً علمانيّة يُمنع على خرّيجي المدارس الدّينية الخدمة في جيشها مثلًا، أمّا إسرائيل اليوم هي دولةٌ يهوديّة بكل ما تتسع له هذه الكلمة من معنى -و تريد من العالم الاعتراف بذلك- قادة جيشها و كبار ساستها خرّيجوا مدارس دينيّةٍ متشدّدة.

ما سبق يُحيل نظرتنا للسّلام بما تسمح به السّياسية و المصلحة و أحكام الواقع، إلى تفاسير الكتب المقدّسة و النّظرة الدينيّة، و هذا يعني أن السّلام اليوم مرتهنٌ بما وقر في قلوب المؤمنين.

السّؤال الثّالث: ما يجب أن نفعل بعد الرّفض بكل أنواعه و أشكاله؟

في إجابة هذا السّؤال الطّويلة جدًا – بما لا يتّسع له هذا المقال- مربط الفرس والمفتاح لتغيير الخارطة و مراكز القوى و ميل كفّة ميزانها، و قد تكون – أي الإجابة- ترتكز على عدّة محاورَ منها: معرفة أوراق القوّة التي نمتلكها و أدوات الصّراع حتّى نحسّن إدارة الموقف، دراسة إسرائيل، دراسة موضوعيّة علميّة لبحث أسباب تفوّقها و الدّراية الكافية بمشاهدها السياسيّة و الإجتماعية و الإقتصادية و صراعات القوى فيها، لامتلاك الأدوات المناسبة للتّأثير و الضّغط عليها و استغلال متاح الفرص لتصدير الأزمات لها. و لا ننتهي بل نبدأ بتبنّي خطّة استراتيجيّة شاملة يُحسب فيها حساب كلّ شيء، يلتزم بنهجها الجميع من أطفالنا و مناهجهم إلى خطط و نهج مؤسّساتنا، تكون القدس في القلب من كل هذا حتى نصنع شيئا و لو بعد حين.

ختامًا، من يمسك شفرة التّغيير هم الشّعوب التي تفرض واقعها على الأرض، و ما فعله أهلنا في القدس قبل أشهر ليسَ ببعيد، و انتفاضات أهلنا في الضّفة و غزة قبل سنوات ليست بعيدةً كذلك، و أيّ تغيير لابدّ أن يكون فكرةً قبل كلّ شيء وجدت من يؤمن بها، ليطوّع الواقع على مقاسها، بعيدًا عن من يعد من، أو من يعطي من، أو القدس هي قضيّة من!

فآمنوا.

2017-12-19 2017-12-19
صراحة الاردنية