الملك طلال صانع الدستور النموذج . . !

صراحة الاردنيةآخر تحديث : السبت 7 يوليو 2018 - 7:12 مساءً

صراحة نيوز – بقلم موسى العدوان

تصادف اليوم 7 تموز الذكرى السادسة والأربعون، لوفاة الملك طلال بن عبد الله طيب الله ثراه. وكان الملك الراحل قد اعتلى العرش في السادس من أيلول عام 1951 بعد استشهاد والده الملك عبد الله بن الحسين على عتبات المسجد الأقصى. وكان جلالته يتصف باللطف ودماثة الخلق وعدم المجاملة على حساب مصلحة الوطن. كما تميز بقربه من شعبه فبادله حبا بحب. وكان قوميا عربيا يكره الوجود البريطاني في الأردن كرها شديدا وحاول التخلص منه بأبكر وقت ممكن.

كان جلالته محبا للحياة العسكرية فكان أول ضابط أردني يتلقى علومه العسكرية في كلية ساند هيرست البريطانية عام 1929، وانظم بعد عودته للبلاد إلى الجيش الأردني حيث حمل لاحقا رتبة مقدم، ثم انظم إلى كتيبة الحسين الثانية مجاهدا ومدافعا عن فلسطين في وجه العصابات الصهيونية. وقد شارك في معركة قيشر قرب جسر المجامع، ثم شارك بالقتال مع وحدات الجيش الأردني داخل مدينة القدس، وفي مرتفعات النبي صموئيل والرادار والشيخ جراح وباب العمود وبيت سوريك وبيت اكسا، مما كان له الأثر البالغ في رفع الروح المعنوية للمقاتلين.

وبعد أن تولى جلالته الحكم لفترة قصيرة، إلا أنه قام بإصلاحات نوعية كان لعا أثرها البالغ في مسيرة الأردن، من أهمها صناعة دستور عام 1952 الذي يعتبر من أحدث الدساتير في العالم وأكثرها ديمقراطية، إذ حقق للشعب قفل عاليا من الحرية وكفل لهم حقوقهم. ومع الأسف أن ذلك الدستور قد تم التلاعب به فيما بعد، وأدخَل عليه جهابذة القانون السلطانيون تعديلات أفرغته من أهم مضامينه، التي تكفل حقوق الشعب وحرياته الأساسية. ولهذا استحق جلالته أن يطلق عليه لقب ( أبو الدستور ).

يقول الملك طلال في مذكراته ما يلي وأقتبس :

” انتشرت قصة الصدام الأول بيني وبين السفير البريطاني، وعرفها كثير من المواطنين. فجاءت مظاهرات عديدة إلى القصر لتأييد موقفي، وزادني ذلك حماسا وتصميما على الاستمرار في السياسة التي قررتها. فواصلت اتصالاتي بالعناصر الوطنية وعينتهم في المناصب الهامة. وازدادت ثورة السفير البريطاني وحاول مقابلتي أكثر من مرة فرفضت. وأفهمته عن طريق رئيس التشريفات، بأنه يستطيع أن يبلغ ما يريد إبلاغه، إلى رئيس الوزراء أو وزير الخارجية.

زار السفير البريطاني رئيس الوزراء بالفعل وابلغه استياءه الشديد من معاملتي له، وطلب إلى رئيس الوزراء التوسط بينه وبيني. وفي اليوم التالي مباشرة استدعيت رئيس الأركان ( جلوب ) وقدمت له كشفا يتضمن أسماء 15 ضابطا، وأبلغته أنني قررت إحالة هؤلاء الضباط إلى الاستيداع، وثار جلوب قائلا إنني لا استطيع الاستغناء عن هؤلاء الضباط، فسألته لماذا ؟ قال لأنني أنفذ جميع تعليماتي من خلال هؤلاء الضباط. قلت أصدرت قرارا ويجب تنفيذه على الفور. قال أرجو إعادة النظر بالقرار. قلت لقد صدر القرار وانتهى الأمر. وغادر جلوب مكتبي وفي يده صورة القرار.

وبعد ثلاثة أيام قمت بزيارة مفاجئة لوحدات الجيش، وتعمدت أن أذهب إلى الوحدات التي كان يعمل الضباط الذين قررت إحالتهم إلى الاستيداع بها. ولم أصدّق نفسي عندما رأيت هؤلاء الضباط يباشرون العمل. كنت أريد أن أحقق الكثير . . كنت أريد أن أطمس الملامح التي خلّفها الاستعمار في بلدنا . . كنت أريد الاستغناء عن جميع البريطانيين الذين يعملون في الجيش والوزارات والشركات . . كنت أريد أن أعهد بجميع شؤون الحكم إلى العناصر الوطنية المتحررة. ولكنني كنت أصطدم كل يوم بعقبات جديدة.

اكتشفت أن عملاء بريطانيا منتشرون في كل مكان، في الجيش وفي الوزارات وفي الشركات. واكتشفت أن معظم السياسيين عملاء لبريطانيا. واكتشفت أيضا أن جميع أسرار الدولة تبلغ أولا بأول إلى المخابرات البريطانية. وباختصار تأكدت لي الحقيقة الضخمة. . تأكد لي أن الأردن تحكم من قبل السفارة البريطانية.

وبدأت بالتعاون مع أصدقائي في وضع خطة للتخلص من كل ذلك خطوة خطوة. ووضعت الخطة بالفعل وبدأنا بتنفيذها. كان التنفيذ يتم ببطء شديد ولكننا كنا نحقق مكاسب باستمرار. وفجأة برزت لي مشكلة كبيرة، كانت الأهداف الضخمة التي صادفتني قد أبعدتني عنها. مشكلة كبيرة لم أكن أتوقعها، مشكلة كنت قد أسقطتها من حسابي . . مشكلة زين . . !

إن زين لا تستطيع أن تكون مجرد سيدة عادية . . إنها ترفض أن تعيش حياة طبيعية . . إنها تفتعل المشاكل لتعيش فيها . . وتصطنع الغضب لتبعد من تكره من الناس . . وتنسج الأكاذيب والأوهام لتستدر العطف عليها . . وتخلق جو الريبة والشك لترهق أعصابي باستمرار ! وقد كنت أعتقد أن اختفاء الملك عبد الله من حياتها سيضع حدا لاتصالاتها وأحاديثها مع السفير البريطاني، ولكن حدث العكس تماما “. انتهى الاقتباس ولكن للحديث بقية. ولا يسعنا في هذا اليوم، إلا أن نترحم على روح الملك طلال، الذي لم يتمتع بملكه طويلا ولكنه خلد لنا ذكراه بذلك الدستور المتقدم حتى على دساتير هذا العصر. * * * * السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو : بعد ما يزيد على أربع عقود ونصف على عهد الملك طلال، هل يمكن أن يعيد التاريخ نفسه ولو بصور مختلفة ؟ التاريخ : 7 / 7 / 2018

2018-07-07
صراحة الاردنية