( المنطق )

صراحة نيوز – بقلم الدكتور عبدالكريم محمد شطناوي

نتحاور فيما بيننا ، ونتبادل أطراف الحديث حول موضوع ما ، حدث تاريخي أو قضية تربوية ، أو مشكلة سياسية ، وغيرها من جوانب الحياة المتعلقة بالإنسان ومستقبله ، ويكون هدف الحوار المصلحة العامة ، فيبدي كل واحد رأيه ويتحدث بمنتهى الشفافية والموضوعية .

وفِي ثنايا الحديث المتبادل ، يبادر أحد المحاورين أو المتحدثين موجهاً كلامه إلى أخر قائلاً بأن كلامك منطقي أو غير منطقي ، وهنا تبرز كلمة منطقي .

إن هذه الكلمة تبرز جانباً مهماً ، وملفتاً للنظر فتثير تساؤلاً عما تعنيه كلمة منطقي ؟؟؟ وهذا بدوره يقود للبحث عن مفهوم المنطق ، فتثار أسألة حوله ، ما معناه ؟؟؟ وعلى ماذا يدل ؟؟؟ ومتى يكون الحديث منطقياً وغير منطقي ؟؟؟ وهل المنطق علم ٌ ؟؟؟ وما موضوعه ؟؟؟ .

وحتى يتضح لنا ذلك ، فإننا نقول : عندما يدعي شخص بأنه قادر على رسم دائرة مربعة ، ويدعي أخر بأن الماء جسم بسيط ، فإننا نرفض كلامهما لإننا نكتشف تناقضاً واضحاً في كلامهما . فنقول للأول بأنك تسلم بأن الدائرة لها شكل معين ، وللمربع شكل أخر معين ، وتتدعي بأنك تستطيع رسم دائرة مربعة ، ألا ترى تناقضاً بيناً في كلامك ؟؟؟ وأنك تناقض ذاتك بنفسك ؟؟؟ وكأنك تسلم بأن الشيء هو وليس هو في وقت واحد وبنفس المعنى ؟؟؟ .

وندحض كلام الأخر بأن نحيله الى الواقع ، ليتقصى الحقائق فيجد أن العلم أثبت أن الماء مركبٌ من عنصرين هما الأكسجين والهيدروجين . وبعد هذا نقول إن الشخصين ، إرتكبا خطائين مختلفين في طبيعتهما ، فالأول تناقض مع نفسه ، والثاني تناقض مع الواقع .

إن كلمة منطق تفيد بشكل أساسي ، حرص الإنسان على أن لا يقع ، في التناقض كيفما كانت طبيعته ، ذلك بان التناقض ، إما أن يتخذ صبغة تناقض الفكر مع ذاته ، ونسميه تناقضاً صورياً . وهذا يعني عودة الفكر إلى الإتفاق مع ذاته . ونسمي الحقيقة هنا بالحقيقة الصورية . وإما أن يتخذ التناقض صبغة إختلاف الفكر مع الواقع ونسميه عندئذ تناقضاً مادياً علمياً ، ونسمي الحقيقة هنا بالحقيقة المادية العلمية .

ومن خلال ما تقدم نجد نوعين من المنطق :

-منطق يهتم بجملة الشروط والقواعد التي ينبغي للفكر أن يتبعها ، حتى يبقى منسجماً مع نفسه ، وهذا هو المنطق الصوري .

-منطق يهتم بالشروط والقواعد التي ينبغي للفكر أن يتبعها حتى لا يقع في التناقض مع الواقع ، وهذا هو المنطق الحديث ، او ما يسمى بمناهج العلوم .

نستطيع القول من خلال ما تقدم ، بأن المنطق هو علمٌ يبحث في صورة الفكر ، والمعروف أن كل شَيْءٍ يتضمن شكلاً ومضموناً ، فالمنطق يهتم بالشكل أو الصورة التي يظهر فيها تفكير الفرد من جهة ، وهو ما نسميه بالصورة أو الهيئة التي يظهر بها ، كما أنه يهتم بمضمون هذه الصورة او الشكل ، أي محتوى الصورة ، ويتمثل في الإنسجام التي يتضمنه الفكر ، بحيث لا يتعارض ولا يتناقض مع معطيات العلم التي توصل إليها .

إن دراسة المنطق ، لا تعني دراسة الحقيقة كحقيقة ، فالحقيقة أو الحقائق ، تتناولها بالدراسة والبحث علومٌ مختلفةٌ ، لكل منها أساليبها ومناهجها بالبحث والدراسة ، فهناك حقيقة رياضية ، وفيزيائية ، وتاريخية ،……إلخ . ولكل حقيقة منها طبيعتها وقوانينها .

بيد أن المنطق بوجه عام ، هو دراسة مختلف الأساليب التي يستخدمها الفكر من أجل الوصول إلى الحقيقة . فالمنطقي لا يأخذ على عاتقه مهمة الكشف عن الحقيقة ، لإن امر إكتشافها متروك للعلماء والباحثين ، و إنما الذي يهم علم المنطق ، هو معرفة الشروط التي جعلت الحقيقة ممكنة ، ومن هذه الناحية كان المنطق نوعاً من المعرفة التحليلية .

ونتساءل ما قيمة الدراسة المنطقية ؟؟؟ وهل نحن بحاجة إليها ؟؟؟ هل الناس والعلماء بحاجة إلى وضع قواعد لمناهج العلوم لكي يكتشفوا صحة الحقائق التي وصلوا إليها ؟؟؟ .

للإجابة على هذه الأسئلة يقتضي الإعتراف والتسليم بان المنطق ليس سابقاً على التفكير ولا هو أداة إكتشاف ، وإنما هو نوعٌ من التامل اللاحق ، ونوعٌ من التحليل والإنتقاد ، وهو يدل الفكر على مواطن الخطأ والزلل ، أكثر من أن يرشد إلى مواطن الحقيقة والصواب ، ومع ذلك فأن التسلّح بالأساليب المنطقية يعد نوعاً من إكتمال الوعي لا بد منه لكل معرفةٍ تتوخى الدقة والنظام ، وإن معرفتنا بالمنطق تجعلنا أكثر وعياً بذواتنا ، وأكثر إطمئناناً على ما إكتسبناه من معلومات ومعارف .

2017-09-13 2017-09-13
صراحة الاردنية