جواد العناني يخرج عن صمته ….!

صراحة نيوز – تاليا ما كتبه نائب رئيس الوزراء الأسبق والخبير الإقتصادي الدكتور جواد العناني في صحيفة الدستور في أمر الضجة الشعبية التي طالت مشروع قانون الضريبة المرتقب للحكومة الدكتور هاني الملقي وقال

الملاحظ في النقاش الحاد من طرف واحد، الذي شهدته أيام عيد الأضحى المبارك ولياليه حول ما تسرب عن مشروع قانون ضريبة الدخل هو أن النقاش كان عاطفياً بدرجة امتياز، وأن المعارضين لم يقدموا رقماً واحداً ليعطوا أفكارهم اثباتات علمية أو على الأقل مؤشرات موضوعية.

لقد تحول النقاش إلى كتلة غضب عارمة، كشفت حجم التحدي الذي يواجهه الأفراد والأسر في التوفيق بين دخولهم من ناحية ومتطلبات المعيشة من ناحية أخرى، ولذلك تحول النقاش إلى تقييم لأداء الحكومة، وتوجيه اللوم لها، واتهامها أنها حكومة جباية، وبأن خططها ومشروعاتها المستقبلية لا تحمل وعداً بأي خير قادم.

وتحول بعض المعلقين إلى أساتذة كبار، يخاطبون رئيس الوزراء بلهجة متعالية، وكثرت الاتهامات للوزراء لأنهم وزراء، وأنه لا همّ لهم إلا البقاء على كراسيهم.

لكل مواطن الحق أن يقول رأيه في أداء الحكومة، وله أن يحكم على إجراءاتها، وحتى له الحق أن يبرز حجم الأذى الذي يتعرض له من سياساتها، ولكن عليه واجب أن يفهم لماذا قامت الحكومة باتخاذ تلك الاجراءات، ويتساءل عن الظروف التي دفعتها لمثل هذا القرار.

دعونا نراجع بعض الحقائق الأساسية. خلال الفترة بين الأعوام 2012-2016 وما اقدره لأرقام عام 2017، فقد ارتفعت حصيلة الإيرادات الضريبية للحكومة من حوالي (4ر3) بليون دينار عام 2012 إلى حوالي (3ر4) بليون دينار عام 2016، أو زيادة بنسبة 26%، أو بنسبة (5%) سنوياً تقريباً، ومن المتوقع أن تهبط هذه الأرقام هذا العام إلى حدود (4) بلايين دينار.

أما حصيلة ضريبة الدخل على الأفراد والشركات، فقد ارتفعت من حوالي (688) مليون دينار عام 2012 إلى (945) مليون دينار عام 2016، وقد شهدت عام (2016 ) ارتفاعاً عن العام الذي سبقه بسبب مشروع قانون ضريبة الدخل الذي أقر أواخر عام 2015، ومن المتوقع أن ينخفض الإيراد من ضريبة الدخل هذا العام (2017) إلى حوالي (900) مليون دينار فقط.

أما الأفراد في القطاعين العام والخاص فقد بلغت حصيلة الضرائب التي دفعوها ومعظمها من العاملين في القطاع الخاص من (132) مليون دينار عام 2012 إلى (194) مليونا عام 2016، ومن غير المتوقع أن تبقى عام 2017 على ما كانت عليه العام الماضي. أما الشركات فقد دفعت ضريبة دخل بمقدار (557) مليون دينار عام (2012) وارتفعت إلى (751) مليون دينار عام 2016، ومن المتوقع أن تهبط هذا العام إلى حدود (670-680) مليون دينار، فالأفراد اذن يدفعون حوالي خمس ضريبة الدخل والباقي تدفعه الشركات.

أما الدخل القومي فقد ارتفع من (7.2) بليون دينار عام (2012) إلى (14.5) بليون دينار عام (2016)، وهذه الأرقام تمثل حصيلة الدخل الذي توفر للافراد والأسر قبل ضريبة الدخل وبعد حسم ضرائب الاستيراد والانتاج. فالأفراد إذن تتراوح مدفوعاتهم الضريبية بين (8ر1%) عام 2012 إلى (3ر1%) في المائة عام 2016، أي أن حصة الأفراد التي يدفعونها من الدخل المتاح لهم قد انخفضت بشكل واضح بين الأعوام 2012 و 2016 ولا شك أن هذه النسب ليست مقنعة على الإطلاق، ومن المتوقع ان تبقى هذه النسبة على ما هي في نهاية هذا العام.

أما الحقيقة الثانية التي يجب ان نتذكرها أن ضريبة الدخل تختلف في مفهومها وأسبابها وغاياتها عن باقي الضرائب. وفي التاريخ الاقتصادي، كان تشريع ضريبة الدخل من آخر التشريعات الضريبية التي عرفها العالم بالمقارنة مع ضرائب الخراج، والمكوس، وغيرها، وهي ضريبة تصاعدية تزداد نسبها مع ارتفاع شرائح الدخل، ودافع ضريبة الدخل يقدمها للوطن، ولا يستطيع الربط بين غرم الدفع والمنفعة المتوقعة منها، أما باقي الضرائب فتدفع بسبب تحقق المنفعة عند دفعها. فالمواطن يدفع ضريبة جمارك عندما يشتري سلعة مستوردة، وضريبة مبيعات عندما يشتري خدمة أو سلعة من السوق، أما ضريبة الدخل فتدفع حسب الاستطاعة والمقدرة، وهدفها هو تمويل التنمية والمشروعات العامة، وكذلك إعادة توزيع الدخل لصالح الأقل دخلاً، ولكن هذا لا يعني عدم دفعها، والأصل أن يدفع كل مواطن يحصل على دخل في داخل الأردن أو ناتج عنه ضريبة على ذلك الدخل مهما صغرت.

وأما القضية الثالثة فهي أن أداء دائرة ضريبة الدخل والمبيعات بحاجة إلى تطوير، وإلى استخدام الوسائل الحديثة في التدقيق، وفي الدراسات التي تربط بين مستوى معيشة الأفراد والأسر ومقدار ما يدفعونه من ضرائب، وبهذا تخفف كثيراً من مقدار التهرب الضريبي الذي يجب أن يخضع لعقوبات شديدة، والتجنب الضريبي الذي يستفيد من الثغرات في القانون ليوسع مقدار الاعفاءات التي يحصل عليها المكلف القادر بأعذار فيها أحياناً شبهة مخالفة القانون.

أما القضية الرابعة، فيجب علينا أن نفهم كيف تسن القوانين ودوافعها. ليس المطلوب من وزير المالية أن يأخذ الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية التي ينطوي عليها القانون. إن أكبر تحد لوزير المالية هو أن يجد الإيرادات الكافية من أجل دفع الالتزامات المستحقة على الحكومة مثل الرواتب والاجور والايجارات واللوازم ومشروعات التنمية ومشاريع البنى التحتية والخدمات العامة، وأكبر مصيبة تواجهها الحكومة هي أن يعجز وزير المالية عن الوفاء بالتزاماته، وبخاصة الرواتب والأجور ورواتب التقاعد ومخصصات صندوق المساعدة الوطنية. أما وزير الصناعة والتجارة فعليه الدفاع عن قطاعه، وكذلك وزير الاستثمار، ووزير التخطيط، ووزير العمل، والزراعة، والمواصلات، والنقل وهكذا. وباطلاع مجلس الوزراء على كل الآراء، يقرر في ضوء ذلك المصلحة العامة، وتوجهاتها، ويستطيع إدخال التعديلات التي يراها عليه، ومن المفروض أن يطلب من دور البحث مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، أو مراكز البحوث في الجامعات، أن تقوم بدراسة الجوانب المختلفة للقانون وتقدمها للحكومة، أو لمجلس النواب ليدرسها.

وعندما تبين الحقائق المختلفة القائمة على المعلومة الصحيحة والدراسة الرصينة توضع لدى الجهات التشريعية المختلفة. ولو فرضنا ان وزير المالية تقدم بمشروع قانون جديد، فالمتوقع منه أن يطالب بزيادة دخله ورفع نسبة الضريبة، ولكن الدراسات بينت أن رفع النسب الضريبية سوف يقلل من الإيراد كما هو معروف وفق منحنى (لافر/إبن خلدون)، والذي يقول إنه إذا ارتفعت نسب الضرائب عن حد معين، فإن الناس سوف يتوقفون عن النشاط مما يقلل من دخولهم الخاضعة للضريبة، فتتراجع إيرادات الحكومة.

ويقوم مجلس الوزراء بعد ذلك، بإدخال التعديلات التي تأخذ بعين الاعتبار تأثير رفع الضرائب على الأسعار، وتوزيع الدخل، والانتاج، والتنافسية ويرسلها إلى ديوان التشريع برئاسة الوزراء، وهنالك يدرس القانون، ويصوب لغة وتشريعاً وأحياناً محتوى، ويعاد إلى مجلس الوزراء، وإذا أقره مجلس الوزراء يدفع به إلى مجلس النواب الذي قد يرفضه أو يحيله إلى لجنة مختصة أو أكثر. وبعد دراسة وإدخال تعديلات عليه، يرسل إلى مجلس النواب حيث تدخل عليه تعديلات أخرى، ومن ثم يرسل إلى مجلس الأعيان حيث يقوم بإحالته إلى لجنة مختصة أو أكثر، ومن ثم يعود لعرضه على مجلس الأعيان حيث تجرى عليه تعديلات. وإذا اختلف المجلسان وأصرا على مواقفهما، يحصل اجتماع مشترك، وإذا أقر من المجلسين يعود إلى مجلس الوزراء فإما أن يقره كما هو أو يقوم بتعديله وإعادته إلى مجلس النواب. أما إذا أقره مجلس الوزراء بالصيغة التي وردت من مجلس الأمة، فإنه يرفع إلى الديوان الملكي العامر حيث يوشح بالإرادة الملكية السامية، أو أن جلالة الملك يمتنع عن التوقيع تقديراً منه للظروف العامة حسب رؤيته.

وهكذا نرى أن المعارضة أمامها فرص كثيرة لتقول رأيها، وتحدث الأثر الذي تريده، أما أن تلجأ إلى اسلوب التهديد والتخويف، فهذا أمر غير مقبول، وكثرة الالفاظ النابية وإظهار عدم الاحترام للمسؤولين فإنه لا يخدم القضية التي يدافعون عنها، بل عليهم أن يقرعوا الحجة بالحجة،وهذا هو السلاح الأمضى والأقوى.

علينا أن نتعلم لغة التخاطب، وحوار العقول، وأدب المجالس والحديث، أما تطويل اللسان، وتناول الناس والمسؤولين الذين نخالفهم الرأي بالشتم والقذف، فهذا أمر غير مقبول على الإطلاق، ولا يخدم قضية، ويشيع السمية والسلبية في أوصال الوطن وأطرافه…

الضريبة واجب وطني، وهي غرم لا يحبه الناس، ولكنه أمر لا بد منه. ليس المطلوب أن نحب الضريبة، ولكن المطلوب أن نلعب دورنا بمواطنة صالحة، ومسؤولية عالية، فنحن دولة مؤسسات محترمة، ونستحق الحريات التي نتمتع بها.

وبالمقابل، فإن الحكومة التي أفسدت إجازة العيد على الناس بسكوتها عن شرح أهدافها، وترك الحبل على الغارب للسمية لكي تغزو مفاصل المجتمع، فإنها مطالبة بأن تنهض لمسؤولياتها، وتشرح أهدافها وسياساتها.

لم يعد مقبولاً سياسة الشطارة على الناس بتركهم يقولون ما يشاؤون، المطلوب هو طرح وجهات النظر الحكومية بعلمية ومهنية، حتى يكون التجاوب معها على نفس المستوى، أما الصمت على ما يجري، وعدم الاستجابة لأسئلة الأردنيين ومخاوفهم، فلا يأتي إلا بالغضب ولغته الجارحة ومفرداته القاسية.

ولقد لمست أثر ذلك على بورصة عمان، ففي الوقت الذي ارتفع به مؤشر أسعار الأسهم لثلاثة أيام قبل العيد بسبب الإيجابية التي احدثها فتح معبر الكرامة (طريبيل)، فإنها هبطت بنسبة قليلة بعد العيد بسبب الحديث المسموم عن ضريبة الدخل.

2017-09-11 2017-09-11
صراحة الاردنية