خطط الحكومات الاقتصادية والطائر المقدّس

image_pdfimage_print

 صراحة نيوز – بقلم   موسى العدوان

منذ بداية هذا القرن ونحن نسمع ونقرأ عن الخطط الاقتصادية التي أطلقتها الحكومات الأردنية المتعاقبة، بهدف تحسين معيشة المواطن والتخفيف من حدة الفقر والبطالة.

ففي عام 2001 أعلنت الحكومة خطة التحول الاقتصادي والاجتماعي، لإنعاش الاقتصاد وتحويل الرمال ذهبا. ولكنها فشلت في تحقيق ذلك الهدف، إذ حولت الرمال إلى تراب تذروه الرياح، إلا ما تركته من رمال السيليكا عالية الجودة، التي ينقلها الإسرائيليون من وادي عربة إلى مصانعهم، لاستخدامها في الصناعات الإلكترونية والألياف البصرية وزجاج الكريستال، وبعض النواحي العلمية الأخرى.

وهناك أيضا خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعامي 2004 – 2006 وعنوانها : رؤية جديدة للتنمية المستدامة، والتي تضمنت محاور عديدة تغطي حتى المحافظات. إلا أنها لم تحقق الهدف المطلوب وبقيت معدلات الفقر والبطالة مرتفعة.

 ثم تبعتها الخطة الإستراتيجية الاقتصادية للأعوام 2014 – 2016، ولم نعرف كيف بدأت وكيف انتهت. وفي شهر آذار عام 2014 أمر جلالة الملك، رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور، بوضع خطة عشرية لتطوير الاقتصاد في البلاد. ولكننا لم نعلم هل وضع دولته الخطة المطلوبة، أم اكتفى  بفرض الضرائب المجحفة، على المواطنين والشركات والمشاريع الاستثمارية ؟

هذه الخطط العقيمة أدت إلى هروب المستثمرين، وإغلاق ما يقارب 1500 شركة ومصنع، عدا عن المصانع والاستثمارات البسيطة، خلال العامين الماضيين. وللتدليل على نتائج هذا الفعل، لنأخذ  على سبيل المثال نتيجة فرض الضرائب العالية على المركبات اعتمادا على الوزن، والذي قصد به زيادة واردات الخزينة. فكانت النتيجة أن أحجم المستثمرون عن العمل بهذا القطاع، وانخفضت الواردات في المناطق الحرة ، من 350 ألف دينار إلى 20 ألف دينار يوميا.

وفي حواره مع الشباب يوم الجمعة الماضي، طلب دولة الرئيس من الشعب تخفيف الاستهلاك. وإذا ما تم ذلك فإنه سينعكس بنتائج سلبية على الحركة التجارية في الأسواق، وتنطبق عليها معادلة الضرائب فتغلق العديد من المحلات التجارية أبوابها نتيجة للكساد.

كان الأولى بالرئيس أن يصنع القدوة الحسنة في ترشيد الاستهلاك، من خلال اختصار عدد وزرائه إلى النصف، وأن يستخدم هو ووزرائه سيارات ذات حجم صغير، بدلا من أسطول سيارات الدفع الرباعي، وإلغاء المؤسسات الخاصة التي تستنزف الموارد، وغيرها من الأمور التي لا يتسع المجال لذكرها في هذه العجالة. وفي محاولته لإطالة عمر حكومته، طلب دولته من المواطنين إمهاله حتى منتصف العام القادم، لكي يُخرج البلاد من عنق الزجاجة، وينقل الشعب إلى بحبوحة العيش.

 أما نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، فقد بشّرنا بخطته الخمسية للتحفيز الاقتصادي، وعسى أن لا تسير على نهج الخطط السابقة، التي ضجرنا من سماعها وترديدها سنة بعد أخرى، بينما الفقر بازدياد والمديونية بتصاعد مستمر.

هذه الخطط تذكرني بالقصة التالية التي حدثت في الحرب العالمية الأولى : خلال معركة السوم عام 1916، كان أحد ألوية المشاة يشكل قوة الاحتياط الضاربة، في خطة الهجوم الذي ستقوم به فرقة بريطانية ضد القوات الألمانية في فرنسا. وكان من الأمور الهامة أن يتلقى قائد اللواء معلومات سريعة، عن التقدم الذي تحققه القوات الأمامية، فعلى هذا التقدم تتوقف حركة القوات الاحتياطية في المؤخرة.

         كانت المشكلة تتمثل في معرفة الطريقة، التي يجب أن تصل بها المعلومات إلى القوات الضاربة. إذ لم تكن الأجهزة اللاسلكية ذات المدى البعيد أو الهواتف الخلوية متوفرة في ذلك الحين. وقد أظهرت قيادة اللواء اهتماما كبيرا، حين علمت أن حمامة يمكن أن تستعمل لنقل الأخبار بصورة سريعة،  من القوات الأمامية إلى قيادة لواء الاحتياط.

         وبناء عليه استلم ضباط اللواء الحمامة المطلوبة في الوقت المناسب، وتم الاحتفاظ بها في قفص خاص لبضعة أيام كي تعتاد عليه. وعندما جاء موعد الهجوم، عُهد بالحمامة إلى جندي كان عليه أن يرافق الوحدات الأمامية. وقيل له أن أحد الضباط سيكتب في وقت من الأوقات، رسالة تُربط في أحدى رجلي الحمامة، وعليه عندئذٍ أن يطلقها لتطير عائدة إلى قفصها في قيادة لواء الاحتياط، تحمل للقائد المعلومات المطلوبة عن الهجوم.

       أخذ العميد قائد اللواء ينتظر بقلق عودة الحمامة، ولكن الوقت راح يمضي دون أن تصل الحمامة، والعميد يذرع الأرض بحنق جيئة وذهابا حول قيادة اللواء ، والجنود يتفرّسون في السماء بدقة لعلهم يشاهدون الحمامة التي طال انتظارها، ولكن عيونهم لم تشاهد أية حمامة.

       وأخيرا دوت صرخات الجنود : الحمامة . . الحمامة  . . وبالفعل هبطت الحمامة هبوطا هادئا داخل قفصها حاملة الرسالة. تهافت الجنود لسماع الأخبار بينما كان العميد يزمّجر هاتوا الرسالة. وعندما سُلّمت إليه الرسالة وفضّها لم يجد فيها إلاّ هذه العبارة : ” لقد ضجرت من نقل هذا الطير المقدّس معي في أنحاء فرنسا . .! “.

      أعتقد أن حالنا كمواطنين في هذا البلد، كحامل ذلك الطير المقدّس . . فقد ضجرنا من حمل تلك الخطط لما يقارب العقدين، والتي لم تفلح في تحسين معيشة المواطنين، ولم تخفّض المديونية التي أصبحت كابوسا يرهق كاهل الدولة، وأفقدتنا الثقة بالخطط والمخططين . . !

التاريخ : 11 / 3 / 2018

2018-03-11 2018-03-11
صراحة الاردنية