دروس من تجربة جورجيا

أقلام
2 ديسمبر 2019
dr.ibrahem - صراحة نيوز - SarahaNews

صراحة نيوز – بقلم ابراهيم سيف

خلال الأسبوع الماضي استضافت شركة “ايرنست اند يونج” على هامش انطلاق منتدى جائزة رواد الاعمال السنوي في الأردن رئيس وزراء جورجيا الأسبق نيكا جالوري للحديث عن تجربة التحول الاقتصادي الذي خاضته جورجيا وحقق نتائج مبهرة خلال فترة السنوات التي كان فيها جالوري رئيسا للوزراء والتي استمرت حوالي اربع سنوات، وذلك للحديث في المنتدى الذي غطى هذا العام محور اصلاح القطاع العام وضعف إرادة التنفيذ.

كان الوضع في جورجيا الواقعة في آسيا الوسطى التي تتبع الاتحاد السوفييتي سابقا غاية في البؤس والسوء ، فالفساد منتشر، والخدمات العامة غير متوفرة لدرجة ان البلاد لم يكن فيها كهرباء أو مياه او طرقات صالحة، وأدرك “البيروقراطي” وحكومته انه لا بد من سياسات تغير الواقع بشكل جذري وبشكل سريع حتى تتمكن الدولة من النهوض والاستمرار. قررت جورجيا ان تحسن البيئة الاستثمارية وتركز على الاستثمارات في البنية التحتية الممكنة لتنفيذ الأعمال ، وخلال سنوات قليلة اصبح المناخ الاستثماري في جورجيا وفقا لتقرير “بيئة الأعمال” الذي يصدره البنك الدولي من افضل عشر دول في العالم بعد ان كانت في ترتيب متأخر جدا، وكذلك تحسن مؤشر البنية التحتية ومكافحة الفساد بحيث اصبح إرثا من الماضي، فما الذي قامت به تلك الدولة الصغيرة التي نجحت بمضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي خلال عشر سنوات.

وفقا لجالوري قامت التجربة والتي تعرضت وما تزال للكثير من الهزات اثناء تنفيذها على أربعة مبادئ رئيسة جاء في مقدمتها تقديم مبدأ الكفاءة على أي عناصر أخرى لشغر المناصب العامة في كافة مستوياتها وهو ما جعل الجميع في جورجيا يؤمن بأنه شريك في عملية التحول في الدولة التي كانت تقوم على مبادئ الاشتراكية، المبدأ الثاني قام على تبسيط الاجراءات وتسهيلها على المواطن والمستثمر على حد سواء، وفي هذا الاطار على سبيل المثال اتبعت جورجيا الأنظمة المعمول بها في دول حققت نجاحات لافتة مثل سنغافورة او سويسرا، ولم تختبئ وراء ضرورة تكييف الممارسات العالمية مع الثقافة المحلية ، فالدواء الذي يجاز في دولة مثل سويسرا لن يحتاج بالضرورة الى موافقات محلية ، بل يكون خضع لأبرز الفحوصات المخبرية في ارقى الدول واعلاها مرتبة في اتباع المعايير السليمة ، فلماذا التكرار وتكريس المعاناة ؟

أما المبدأ الثالث فيقوم على توظيف التكنولوجيا بشكل كبير في إدارة القطاع العام ، وحصل هذا من خلال وضع معايير ومؤشرات على ضرورة إحداث التحول الالكتروني كمسار اجباري وليس خيارا ، ومن لا يتبع تلك الاجراءات عليه مغادرة موقعه ضمن ترتيب لائق معين ، وهذا يقود الى المبدأ الرابع القائم على مبدأ العصا والجزرة لضبط الايقاع وأداء القطاع العام.

كل ذلك كان يحدث على كافة المستويات، فرئيس الوزراء وضع معيار نمو الناتج لكي تتم محاسبته هو عليه ، وكذلك الوزراء في بعض القطاعات تم وضع حوافز ومعايير لتقييم أدائهم ومدى مساهمتهم في تحقيق النمو المنشود او في نجاحهم بتحسين الاجراءات، ومن لا يحقق النتائج يغادر موقعه أيا كان وفقا لأسس واضحة.

ضمن تلك التوليفة التي تبدو بديهية نجحت الدولة الصغيرة في توحيد جهودها وتحقيق نتائج ملموسة خلال فترة زمنية قصيرة، منحت الثقة للمستثمر ، حققت نجاحات في موضوع الشراكة مع القطاع الخاص، وطبقت مفهوم “قاعة الحكومة” ، أي ان المراجع يذهب الى جهة حكومية واحدة ، والحكومة تحل مشاكلها بين مؤسساتها ولا يحق لها ان تتحفظ على المعاملات لفترات زمنية غير محدودة وإلا اعتبر ذلك موافقة ضمنية.

التجربة فيها الكثير من التفاصيل على المستويات القطاعية والمؤسسية التي يمكن الاستفادة منها في الأردن ، والتجربة تبعث على التفاؤل بإمكانية تحقيق اختراقات مهمة وتحقيق إنجازات فعلية على الأرض تنعكس مباشرة على حياة المواطنين ضمن فترات قصيرة، وفيها أيضا عنصر مغامرة قابل للتعديل ، بما وصفة جالوري “اصلاح الإصلاح” في إشارة الى الديناميكية التي يجب ان ترافق عملية التغيير المستمر لتحسين الأداء.

الغد