شقف و كباب ..و ريش كمان !

صراحة الاردنيةآخر تحديث : الأحد 25 مارس 2018 - 9:52 صباحًا

صراحة نيوز – بقلم فارس الحباشنة 

لم أصدق أذني عندما دلفت لسوق شعبي في عمان لشراء حاجات ومستلزمات ، والد يقول لأبيه بصوت جهور : كل اسبوع يا ابه لازم نأكل لحمة زهقنا لحمة و بدنا نغير ولازم نغير.. أوووه . جمدت في مكاني غير مصدق ولاتنصت لباقي الحوار ما بين الاب والابن .

تذكرت من ذاكرة الطفولة قصة ” الارنب الغضبان ” الذي ثار على أمه قائلا : كل يوم خس و خزر ، انا خارج لابحث لنفسي عن فطور .

من قصص الاطفال تهدف الى تعليم الاولاد عدم التبذير و البطر . وتعويدهم على ثقافة استهلاكية ترضى بالمتاح دون تذمر .

صراحة كنت من أشد المتعاطفين من الارنب الذ1ي ضاق ذرعا من تناول الخس والجزر ، وتاقت نفسه لاكلة فيها زفر .

ولكن أخر ما لم اكن اتصوره أن ارى والدا غاضبا لان أباه قاسيا يحضر اللحمة للبيت كل اسبوع بشكل اثار انزعاجه .

تذكرت حكايا كثيرة ، وطاف في خيالي متسع من القصص . تذكرت ما كتب طه حسين في كتابه الايام عن معاناته وهو طفل والشقاء الذي واجهه بسبب الفقر و العوز و قلة الحيلة . قائلا في حوارية مع ابنته : يا بنتي ..انت لا تعرفين العسل الاسود وخير لك لا تعرفيه ” .

كان يريد طه حسين أن يقول لابنته لا أريد أن اعرفك على العسل الاسود الذي أكتوت به امعائنا في الطفولة كل يوم لازم نألكه صباحا و ظهرا و ليلا . و العسل الاسود عند المصريين هو “الفول النابت ” ، و قال طه حسين لابنته : عرفت شكل البصارة عندما رأيتها في بوفيه مفتوح بفندق خمس نجوم .

وكما روى طه حسين لابنته كلنا صارعنا حتى الموت لكي نجعل ايام عشينا خالية من “الفول النابت ” . اللحمة تخلي الحياة غالية وحلوة ، الحياة بلحمة أغلى و أسعد واجمل و تستحق أن نقاتل من أجلها .

هذا هو الوطن الذي نريده يمنح اولاده كليو مشاوي مشكل كل اسبوع . اللحمة سواء الشقق او الريش او الكباب لها القدرة على ترقيق الحياة و تجميلها و تحسين صورتها ، تمنح ايمان بالحياة .

اتذكر أن اللحمة كانت تشتهي بالصور ، وأنه كانت من” الحول للحول” تقدم في الاعياد .ومن المعروف أن السادة المترشحين للانتخابات بالاضافة الى التزوير يسعون لنيل ثقة الناخبين باللحمة ” مناسف ” و كنافة ناعمة و خشنة و بروات .

ولعل كثيرين يشعرون بالفخر لاصابتهم ب”النقرس ” ، ويعتبر نصرا وفوزا غرائزي ، اذ أنه مؤشر صحي على تناول اللحوم الحمراء . وكثيرون لا يصدقون بانهم مرضى ب”النقرس ” و يتفاخرون رغم أنه يداهمهم الحياة بعذاب وألم لا يطاق .النقرس فخر اجتماعي ، رغم أنه اغلب المصابين به من متناولي البقوليات “حمص وفول ” .

عند الاردنيين اللحمة درس سياسي واجتماعي وطني ، على سدر لحمة يمكن أن تمرر أي قرار وواسطة و محسوبية ، يمكن أذا ما اللحم كان احمر كثيرا تصير وزير او نائب او مسؤول رفيع في الدولة .

حتى الحكومة فانها تحل مشاكل اشتباكها السياسي مع المجتمع بالولائم والمناسق وقدور اللحمة .وشوفنا قبل شهور كيف أن وزيرا مخضرما حسم مصير علاقة حكومة هاني الملقي مع النواب بوليمة مشاوي وكرش ومقادم .

جو الطعام في الاردن أفسد الحياة السياسية ، و ساعد كثيرا على التركيز في نهب الاردن . افقت من خواطري لما تطاير على مسامعي من حديث الابن لأبيه عن اللحمة , ابتعلت في سري كلاما وكلاما حزينا وجارحا و بائسا عن الطعام .

 
 
 
2018-03-25 2018-03-25
صراحة الاردنية