في المشهد الأردني..لا تهاجر يا قتيبة

صراحة الاردنيةآخر تحديث : الأحد 3 مارس 2019 - 8:59 صباحًا

صرحة نيوز – كتب الدكتور طالب الرفاعي

الحديث عن “مخزون القوة والثقة” الذي نتمتع به كأردنيين لا يمكنه ان يكون ترفيا خصوصا وأن إدراك حجم التحديات يتطلب دوما القدرة على الإستثمار في أوراق القوة .

قلنا في مقال سابق : نثق بأنفسنا..بشبابنا ..بمستقبلنا كأردنيين.

 المطلوب منا اليوم وبإختصار: الإستثمار في هذه الثقة وتغذيتها وصيانتها وإلا تتآكل.

وليس من نافلة القول الإشارة إلى ان أحد أهم عناصر التغذية تلك الحرص على توفير الحق الانساني في العمل وبكرامة.

ركزت السياسات العامة في الاْردن على جذب الاستثمار و هذا مهم جدا و لكن السؤال: عن أي استثمارات  نتحدث و كيف تدار ؟

ما هي تأثيراتها على المجتمع المحلي ؟

على فرص العمل الكريم ؟

على نوعية فرص العمل الناتجة ؟

و على مستقبل الاستثمار نفسه و استدامته ؟

في الصيف الماضي كنت في زيارة عمل الى احدى دول شرق اسيا المكونة بشكل أساسي من عدد كبير من الجزر.

 و اقترحت علي الوزيرة المعنية في تلك الدولة بان نزور احد المشاريع الجديدة في جزيره قريبة من العاصمة بدا لي انها تعتز بما تأسس فيها.

صعدنا على متن طائرة مروحية مخصصة لنقل زوار الجزيرة و عندما هبطنا كان مالك المشروع ، المستثمر المحلي في انتظارنا و علمت منه في حينها بانه و لضمان حرية أكبر في تنفيذ و إدارة المشروع استثمر في الجزيرة بكاملها

الجاذبية واضحة الملامح على المشروع الذي استنفذ الكثير من المال والجهد..ثمة عشرة فنادق وعدد كبير من المطاعم و المرافق و المحلات التجارية المساندة . و قد نفذ المشروع على شكل احياء بنى كل منها بطراز مختلف فهذا حي صيني و ذاك فرنسي و الاخر حي أندلسي و هكذا.

. ببساطة المشروع جذاب و نفذ بعناية و دقة

و لكن ما لم يقله لي المستثمر في حينها بان الجزيرة كان و لا زال يعيش فيها حوالي ٩٠ الف مواطن يمثلون مجتمع كان متواجدا على الجزيرة منذ زمن . و قد اثار هذا الامر اهتمامي و فضولي فبادرت بسؤاله عن العلاقة مع المجتمع المحلي فأكد لي بانه يعتني بهم و حريص عليهم كما يعتني الاب بأولاده لأن جميع العاملين في مشروعه  منهم و يخصص الكثير من أرباح المشروع.لاعمال الخير و على انشاء المدارس و العيادات و البنى التحتية و عليه يتبرع بكل ما من شانه تقدم و ازدهار القرية التى يعيش بها أبناء المجتمع المحلي.

وهنا ازداد فضولي فطلبت زيارة القرية ..تردد الرجل لكنه رتب الزيارة وعند عودتي سألني عن إنطباعاتي فقلت له كيف لمست الاحترام والشكر والتقدير من اهالي القرية.

ثم فاجأته بالملاحظة التالية: لست واثقا من أن أبناء سكان القرية وأحفادهم سيحتفظون بنفس الامتنان لك إذا ما كان قدرهم قضاء حياتهم في خدمة زوارك الاثرياء في مقرات أقامة مترفة ثم يعودون إلى بيوتهم المتهالكة في القرية .

اضفت: أنت بالتأكيد  مالك المشروع  والمنتجع لكن بالنسبة لهؤلاء هذه جزيرتهم في النهاية.

إستغرب صاحبنا من رأيي وسألني:ماذا أفعل؟.

 طبعا نصحته : الحل  بسيط ..عليك تشجيع زوار المنتجع على زيارة القرية بدل الإصرار على إبقائهم ضمن أسوار المنتجع لأن تفاعل الزوار مع المجتمع المحلي في قريتهم ، وليس في المنتجع سوف يخلق علاقة مختلفة و صحية بين المشروع و المجتمع المحلي.

 هذه العلاقًة ستؤدي الى انفاق مباشر من قبل ضيوف المنتجع في القرية و بالتالي الى احساس بان ضيوف المنتجع هم ضيوف القرية في ذات الوقت و هذا فيه منفعة و حماية للاستثمار .

ما الذي تعنيه هذه القصة؟

المطلوب من مالك المشروع اذا ليس فقط عدم الممانعة بخروج زبائنه و قضاء بعض الوقت و انفاق بعض المال في القرية ، بل تشجيعهم على ذلك ربما بتوفير نقل مجاني او أية وسيلة اخرى . ..هذا سوف يؤدي مع الوقت الى ظهور مقاه و مطاعم و محال بيع المنتجات المحلية و الكثير من ماقد يشجع شباب القرية على التفكير الخلاق بفرص العمل الممكنه في قريتهم و بالتالي احساسهم بأنهم شركاء المستثمر .. مصلحة المشروع و استدامته مصلحتهم و هم الذين يخلقون فرص عملهم في قريتهم، من بنات افكارهم ، فرص عمل بكرامة.

تقديري ان هذا تحديدا مطلوب في الاردن عند بناء الإستثمارات سواء أكانت سياحية او وزراعية او تجارية.

 نتحدث عن علاقة منتجة وحيوية بين المشروع والمجتمع المحلي لبناء شراكات وتحفيز الافراد لصناعة بعض مستلزمات المشروع.

توفير فرص عمل مباشرة في أي وقت ، على أهميته لن يكفي على المدى البعيد في تلبية رغبات و طموح الشباب بعمل كريم .

و على أهمية تخصيص اجزاء من أرباح المشروع لخدمة المجتمع المحلي فهذا العطف الأبوي وحده أيضا لن يكون كافيا والمطلوب الانتقال من منطق العطايا و التبرعات و العطف الأبوي الى منطق الشراكة و ارتباط المصالح

من منطق التشغيل المباشر الي منطق التشغيل الذاتي.

من منطق فرصة عمل ثابتة ومضمونة الى منطق التطوير الخلاق لفرص العمل.

باختصار ؛ الى منطق العمل بكرامة

هكذا و هكذا فقط يمكن لنا ان نقول لقتيبة

لا تهاجر يا قتيبة ، هذا وطنك و انت شريكنا في بناءه

و للحديث بقية

 الدكتور طالب الرفاعي

# الأمين العام الاسبق لمنظمة السياحة العالمية

رأي اليوم 

2019-03-03
صراحة الاردنية