متحدثون يناقشون التجربة الأردنية وأبعادها في الدبلوماسية التفاوضية

* د. مصالحة: الأردن يتمسك بالشرعية الدولية وخيار السلام طريقاً لحل شامل وعادل للقضية الفلسطينية

* د. بدران: معاهدة السلام بداية الطريق وانقلاب إسرائيل على السلام بخيار الوطن البديل نفق مظلم للمنطقة

* د. أبوحمور: الأردن دخل مفاوضات السلام بقراءة المتغيرات إقليمياً ودولياً وتغير موازين القوى وخطر التفكك العربي

* أبوحمور: الأردن قدم نموذجاً ناجحاً في النهج السلمي لاستعادة الحقوق واستثمار نقاط القوة في التفاوض

عمّان- صراحة نيوز – ناقش لقاء منتدى الفكر العربي، مساء الأحد 29/10/2017، موضوع “الدبلوماسية كأداة للتفاوض في التجربة الأردنية”، وقدّم أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية في الجامعة الأردنية د. محمد مصالحة تحليلاً للدبلوماسية التفاوضية من الجانب النظري، مبيناً تصنيف الدبلوماسية من حيث أطرافها وإجرائها وموضوعاتها ومستوياتها بوصفها إحدى أدوات تنفيذ السياسة الخارجية للدولة وإدارة علاقاتها على المستوى الخارجي. كما تحدث عن خصائص الدبلوماسية ووسائلها، وشروط نجاح دبلوماسية التفاوض؛ موضحاً مسار العملية التفاوضية ومدخلاتها ومخرجاتها، بما في ذلك مؤهلات الفريق المفاوض، ودور المناخ المحيط بالعملية، فضلاً عن الخصائص الجوهرية للمفاوض وأهمية المهارة التفاوضية، ممثلاً على ذلك بنموذج القبول بالتفاوض في الحالة الأردنية المتعلقة بمحادثات السلام بين عامي 1991-1994.

وفي الجانب العملي، قدم مستشار رئيس جامعة فيلادلفيا للعلاقات الدولية د. إبراهيم بدران عرضاً تحليلياً لمجريات التجربة الأردنية في مفاوضات السلام، موضحاً أن تجربة الأردن في التفاوض من أجل السلام مسألة تستحق الدراسة، خاصة أن السلام العادل والشامل الذي كانت تتطلع إليه المنطقة لم يتحقق بعد رغم مرور 23 سنة على اتفاقية أوسلو بين إسرائيل والفلسطينيين، وفي هذا المجال تناول د. بدران دور صدق النوايا من حيث أن الأردن دخل المفاوضات بهدف استراتيجي كدولة تريد السلام وتسعى إليه وتؤمن به، مع الالتزام التام بمساندة الحقوق الفلسطينية وتأكيد الحقوق الأردنية. كما تحدث عن إدارة العملية التفاوضية لدى الجانب الأردني وكفاءة المفاوضين الأردنيين.

أدار اللقاء وشارك فيه الأمين العام لمنتدى الفكر العربي د. محمد أبو حمور، الذي أكد أن التجربة الأردنية في مفاوضات السلام تمثل مرحلة ذات دلالات مهمة في تاريخ الأردن الحديث، منذ مؤتمر مدريد عام 1991 وحتى إعلان واشنطن (25/7/1994) بانتهاء حالة العداء بين الأردن وإسرائيل، ثم معاهدة السلام المعروفة باسم معاهدة وادي عربة (26/10/1994).

وأضاف د. أبوحمور أن ظروف هذه التجربة وما أُحاط بها من تطورات الأحداث، فرضت نشأتها ومسارها عام 1991 بعد أن تهيأ الظرف الإقليمي والدولي لاجتماع أطراف المفاوضات حول طاولة واحدة، عقب انتهاء حرب الخليج وتحرّر الكويت، وعلى أساس القرار 242 والشرعية الدولية بعد أن تأكد لجميع الأطراف أن الحروب التي جرت في المنطقة فشلت في إحلال السلام، وأن التفاوض المباشر لا بد أن يأخذ دوره ليستعيد أصحاب الحقوق المشروعة العرب والفلسطينيون حقوقهم، وأن تحصل إسرائيل على السلام الذي تُطالب به، ولكن أن يكون هذا السلام على مبدأ المساواة والتكافؤ.

وقال د. أبوحمور: إن الأردن بقيادة المغفور له الملك الحسين بن طلال دخل مفاوضات السلام بعد أن قرأ بوعي مستشرف المتغيرات في المحيط الإقليمي والدولي مع بداية عقد التسعينات، وانهيار القطب السوفياتي، وتغير موازين القوى الدولية وخريطة التحالفات في المنطقة، والتفكك العربي حينذاك، وإن القيادة الأردنية أصرت على عدم الانفراد بأي اتفاق مع إسرائيل ودخل الأردن العملية السلمية بقرار عربي جماعي وبأهداف واضحة. وقد أثبتت التجربة التفاوضية الأردنية أهمية تهيئة العنصر البشري وإسناده ودعمه بالوعي والمعرفة والمعنوية العالية والإيمان بالحق، وبالتالي فإن الدخول في العملية التفاوضية وفق ذلك ليس عن ضعف، وإن الأداء التفاوضي الاحترافي والمدروس ليس استسلاماً، ويعتبر النموذج الأردني نموذجاً ناجحاً بكل المقاييس بعد أن اتخذ الأردن السلام نهجاً استراتيجياً.

وقال د. محمد مصالحة بعد أن عرض لتصنيفات الدبلوماسية: إنها الأداة الأقل كلفة بيد أي دولة في مجال العلاقات الدولية، وإنها تخضع لمجموعة محددات تقرر مدى فاعليتها ونجاحها؛ إذ تعتبر فناً له قواعد ناظمة من أجل ضمان النجاح، وهناك الجانب القانوني للدبلوماسية أي الاتفاقيات الدولية التي تحكم المهمة، والجانب الإنساني المتعلق بالمهنة الدبلوماسية والخصائص التي يتحلى بها الدبلوماسي.

وأضاف د. مصالحة: إن من خصائص الدبلوماسية أنها وقائية للحيلولة دون تطور الأزمات إلى صراع مسلح، كما أنها أداة لمعالجة مرحلة ما بعد انتهاء الحروب؛ مشيراً إلى أن من أنشطة دبلوماسية التفاوض استخدام أساليب الإقناع كافة للحفاظ على المصالح القائمة أو تحصيل مكاسب ومنافع جديدة بإرغام الخصم على تقديمها، أو منعه من القيام بأعمال تضر بالطرف الآخر أو بمصالحه.

وبيَّن د. مصالحة أن مسار العملية التفاوضية يعتمد على مدخلات تتمثل بالقوة التفاوضية أي قوة الدولة، وتوافر المعلومات التفاوضية، وقدرات المفاوض وفريقه، والرغبة في التفاوض لدى الدولة نفسها والشخص المفاوض، والبيئة المحيطة، مع التأكيد على الاختيار الجيد لأعضاء الفريق المفاوض، ومراعاة الانسجام والتوافق بينهم، والمتابعة الدقيقة والحيّة لأداء الفريق، وتوفير التسهيلات المادية واللوجستية له، ومراعاة الخصائص الجوهرية لدى كل مفاوض من حيث الاتزان والمرونة والقدرة على الحكم وسعة الثقافة والخلق الحسن والقدرة على التحليل والفراسة والمهارة التفاوضية، إضافة إلى المناخ المحيط بالعملية التفاوضية والقائم على أهمية القضية التفاوضية وخطوات التفاوض، وتوازن القوى بين أطراف العملية، وبناء الثقة كمدخل لسير عملية تفاوضية فعالة.

وقال د. مصالحة: إن الدبلوماسية الأردنية تمسكت بشكل أساسي بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ودور المنظمات الدولية، وقامت على كونها سياسة تعريفية لا تعتمد المحاسبة والتدخل في الشؤون الداخلية للأطراف الأخرى، وتركزت أهدافها في حماية المصالح الوطنية والأمن الداخلي، مع تأكيد الرغبة في العلاقات الطبيعية المتكافئة مع دول الإقليم، وكان اختيار السلام بالنسبة للأردن طريقاً لحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وفق مبدأ الأمن مقابل السلام وقرارات الشرعية الدولية وشمولية حل الصراع العربي الإسرائيلي؛ مشيراً إلى خطاب المغفور له الملك الحسين في 12/10/1991 بقبول التفاوض وقبول الدول العربية وإسرائيل بمحادثات السلام، وخصوصية العلاقة الأردنية بالقضية الفلسطينية، وضرورة الخروج من حالة اللاحرب واللاسلم مع انتهاء الحرب الباردة والتحرك الأمريكي آنذاك باتجاه التسوية في الشرق الأوسط، في الوقت الذي كان يعاني العالم العربي الانقسام بسبب أزمة الخليج الثانية الناجمة عن احتلال الكويت.

من جهته أكد د. إبراهيم بدران أن الأردن دخل المفاوضات وهو يريد السلام فعلاً ويسعى إليه ويؤمن به، وهذا هدف استراتيجي عالي القيمة لأي دولة، وكانت المحددات الرئيسية لهذا السلام العدل (وخاصة فيما يتعلق بحقوق الفلسطينيين)، والشمولية لتشمل الأقطار العربية حتى ينتهي الصراع وتبدأ بالتنمية بعيداً عن الأزمات السياسية. وكان الجانب الإسرائيلي كما مثله اسحق رابين في ذلك الوقت راغباً في السلام وصادقاً فيه، ولذلك كانت توجيهات المغفور له الملك الحسين للوفد المفاوض تدفع باتجاه المحافظة على الحقوق والالتزام بالقانون الدولي ومساعدة الأشقاء الفلسطينيين والعرب. وحتى توقيع المعاهدة فإن الجانب الإسرائيلي كان ملتزماً بتحقيق السلام، إلا أن هذا الالتزام تغير جذرياً بعد اغتيال رابين وتسلم اليمين الصهيوني تقاليد الإدارة في إسرائيل.

وفيما يتعلق بالتزام الأردن التزاماً تاماً بمساندة الحقوق الفلسطينية، أوضح د. بدران أنه وفي واقع الأمر تم الانتهاء من المفاوضات الأردنية الإسرائيلية في شهر نيسان/ إبريل من عام 1994، وكان الأردن جاهزاً للتوقيع على المعاهدة، إلا أن المرحوم الملك الحسين أصر أن لا يوقع الأردن على المعاهدة إلا بعد أن يصل الجانب الفلسطيني إلى اتفاق مع الجانب الإسرائيلي، وأن يكون “توقيعنا بعد توقيع الفلسطينيين”، فيما أعلن الجانب الفلسطيني فجأة ودون مقدمات عن الوصول إلى الاتفاق في أوسلو، وكانت مفاجأة للجميع كما للوفد الأردني الذي تحرك بعد ذلك نحو التوقيع.

وأضاف د. بدران أن الأردن التزم بمساندة الفلسطينيين دبلوماسياً وقانونياً ومعلوماتياً من جانب، والتأكيد على الحقوق الأردنية بما فيها الأراضي الأردنية المحتلة في الباقورة ووادي عربة (مساحة 380 كم2) والتي نصت المعاهدة على سيادة الأردن على هذه الأراضي، كما أن المعاهدة حققت “استقراراً للمسار الفلسطيني” ونشأ عنها وعن اتفاقية اوسلو الكيان السياسي للدولة الفلسطينية وانتهاء مقولة الوطن البديل وهو ما تحاول حكومة نتنياهو أن تطمسه اليوم. كما أن هناك مزايا أخرى حصل الأردن عليها كتحديد الحدود الشرقية لإسرائيل، وحقوق الأردن في المياه، وشطب ديون عليه بقيمة (702 مليون دولار) ومساعدات أمريكية إضافية، وتثبيت دور الأردن في الأماكن المقدسة في القدس .

وقال د. بدران: إن اختيار المغفور له الملك الحسين لدولة الدكتور عبد السلام المجالي رئيساً للوفد المفاوض كان اختياراً موفقاً إلى أبعد حد، وذلك لما يتمتع به الرجل من مكانة متميزة وخبرة وجرأة وقدرة على التحاور والتفاوض وهدوء الأعصاب التي تطلبها أي عملية تفاوض، إضافة إلى معرفته بمتطلبات السلام وإيمانه بأن كل نزاع وصراع لا بد أن ينتهي يوماً ما بالتفاوض. كذلك حرصت الدولة الأردنية على اختيار أعضاء الوفد الأردني بعناية كبيرة فقد ضم سياسيين وخبراء وقانونيين وعسكريين ودبلوماسيين وجميعهم كانوا على أعلى مستوى من المسؤولية. واتسمت إدارة العملية التفاوضية بالتوجيه الحكيم الواعي لكل الحيثيات الدولية من قبل المغفور له الملك حسين والقيادة الحصيفة الخبيرة للدكتور عبد السلام المجالي، ثم الدكتور فايز الطراونة، وبالعمل الجاد للدخول بكافة التفاصيل اللازمة من قبل أعضاء الوفد وأعضاء اللجان. كما أن مكتب تنسيق المفاوضات عمل على توفير المعلومات وترتيب الاتصالات إضافة إلى إعداد التقارير، وساهمت العديد من الدوائر والمؤسسات الأردنية في انجاح مهمة الوفد بما في ذلك القوات المسلحة والأمن العام والجامعات والباحثين وغيرهم الكثير. لقد كان التنسيق الداخلي بين الأجهزة والدوائر والوزارات والتنسيق الخارجي مع الأقطار العربية ذات العلاقة والتنسيق مع الفلسطينيين إضافة إلى التنسيق الدولي في أفضل صورة ممكنة.

واختتم د. بدران حديثه بالقول “إن توقيع المعاهدة هو بداية الطريق نحو السلام وليس نهايته”، وما نشاهده اليوم أن إسرائيل تنقلب على السلام وتدخل في نفق مظلم وتُدخل الموضوع والمنطقة بأسرها في هذا النفق، ولكن لا بد أن يعم السلام يوماً ما فالحروب والصراعات حالات مؤقتة في العلاقات بين الدول.

2017-10-29 2017-10-29
صراحة الاردنية