متخصصون يناقشون علاقة الفلسفة بالقانون وأهميتها في تطور التشريعات والحياة العامة

د.أبوحمور: التطورات الحياتية المتسارعة في هذا العصر تتطلب مراجعة القوانين وتطويرها

صراحة الاردنية
2020-08-24T15:14:19+03:00
اخبار الاردن
24 أغسطس 2020

thumbnail 1 - صراحة نيوز - SarahaNews

صراحة نيوز –  ناقش عدد من الأكاديميين المتخصصين بالفلسفة والقانون والحقوقيين العرب فلسفة القانون والسجال بين جمود النصّ وطفرات الواقع، في لقاء نظمه منتدى الفكر العربي عبر تقنية الاتصال المرئي، يوم الأربعاء 19/8/2020، وألقت خلاله أ.د. ماغي عبيد أستاذة الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة اللبنانية محاضرة حول مضامين كتابها في هذا الموضوع، وبحث المشاركون في الجوانب المتعلقة بروح الفلسفة في القوانين من أجل تحقيق العدالة والمساواة والمواطنة الحقة، وخاصة في ظل التطورات الحياتية المتسارعة في هذا العصر، مما يتطلب مراجعة القوانين وتطويرها . وأشار بعضهم إلى ارتباط القانون بفكرة وجود الدولة في مقابل سطوة الأعراف والتقاليد في المجتمعات البدائية، واهتمام نظرية القانون بالبحث في العقلاني الموضوعي، بينما الفلسفة تبحث في الحالة الوجودية . كما أكد بعض آخر أهمية فلسفة القانون التعليمية بخصوص الفكرة من وجود القانون ومعرفة طبيعة الأشياء، وكذلك تجلي هذه الفلسفة في القواعد الدستورية الممثلة لفلسفة الدولة وكيفية الحكم والحريات، وتأكيد أن الظواهر القانونية هي ظواهر اجتماعية ترتبط بالمفاهيم الفلسفية وحاجات المجتمع .

أدار اللقاء د.محمد أبوحمور وزير المالية الأسبق والأمين العام لمنتدى الفكر العربي، وشارك في المداخلات كل من : أ.د. حسن حماد أستاذ الفلسفة لليونسكو بجامعة الزقازيق وعضو اتحاد الكُتَّاب المصريين، والمحامية الأستاذة شذى ناصر المستشارة القانونية لدى وزارة التخطيط باليمن، وأ.د. ليث نصراوين أستاذ القانون الدستوري بالجامعة الأردنية وعضو المنتدى، ومحامي الاستئناف الأستاذ مصعب رعد من لبنان والذي يحمل درجة ماجستير الفلسفة، والأستاذ المشارك د. توفيق شومر من قسم الفلسفة بالجامعة الأردنية .

قالت أستاذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية د. ماغي عبيد أنها تنطلق في بحثها من الإجابة على أسئلة حول أهمية فلسفة القانون ووظيفتها وواقعها ومرتجاها، ومدى السِّجال بين جمود النص وطفرات الواقع . وقالت : إن كبار فقهاء القانون الوضعيين مثل غيز ودوغي وباتيفول، لم يفرطوا في التحاليل الفلسفية، وإن الدافع للبحث في فلسفة القانون يرجع إلى الحاجة لطفرة تنقل القوانين من جمودها أمام حال مجتمعات أصبحت تعاني الأزمات ونتائج الحروب والنزاعات والظلم والإرهاب، والكيفية التي يمكن من خلالها أن تستوحي القوانين روحها من فلسفة تمكنها من تحقيق العدالة والمساواة والمواطنة الحقة.

وأضافت د. عبيد أن الهدف الأساسي هو أن يعي الإنسان الجديد حقوقه وواجباته، ويسعى إلى تحقيق أمنه وأمانه، في مجتمع يخلو من المخاطر بالارتكاز إلى تحمّل المسؤولية القانونية، والفلسفية، والاجتماعية، والتي تؤمّن للباحثين والطلاب الجامعيين والمهتمين بقضايا فلسفة القانون اطلاعاً واسعاً، وإحاطة شاملة بما يمت للقانون وفلسفته بصِلة، وصولاً إلى ما يجعل البشرية في حالة تساؤل حول إمكانية إرساء مجتمع عادل يسمح بالتعايش السلمي في ظل إشراف العقل وتحديد آليّات لصون التعايش بين أفراد المجتمع .

وقال الأمين العام لمنتدى الفكر العربي د.محمد أبوحمور: إن التطورات والتغيّرات الحياتية المتسارعة في هذا العصر، وتقدم العلوم والمعارف وتداخلها وأثر التكنولوجيا، انعكست على أنماط جديدة من العلاقات وطرق التفكير والعيش والعمل، مما جعل الحياة أكثر تعقيداً وتحديات وتشعباً في القضايا، وأصبحت القوانين بحاجة إلى المراجعة والتطوير وعرضة للتغيّر والتعديل بشكل مستمر، ما يعني أن الجهود الفكرية والقانونية كذلك أصبحت أمام مسؤوليات أكبر.

وأشار د.أبوحمور إلى أن الأسئلة حول معنى العدالة وكيفية تطبيقها، والعلاقة بين القانون والأخلاق، وضبط السلوك وثقافة السلوك، ما تزال أسئلة مطروحة، وخاصة عندما نتحدث عن دور الفلسفة في الثقافة القانونية ووعي القانون من حيث الواجبات والحقوق، ووعي المسؤولية كونها من متطلبات ممارسة المواطنة لدى الفرد والمجتمع .

وبيّن أستاذ الفلسفة لليونسكو بجامعة الزقازيق في مصر د. حسن حماد أن د. ماغي عبيد قدمت في كتابها “فلسفة القانون” قراءة تاريخية لموضوع العلاقة بين الفلسفة والقانون منذ العصور اليونانية القديمة . وقال : إن الفيلسوف يهتم بكيفية ظهور القانون في الحياة الإنسانية، وخاصة أن القانون ارتبط بفكرة وجود الدولة، فيما المجتمعات البدائية والهمجية بعيدة عن القانون وإنْ كانت أعرافها وتقاليدها لها قوة القانون وسطوته . وأضاف أن العصر الحديث ابتدع فكرة العقل الاجتماعي أي أن عقل الإنسان هو الذي يصوغ التاريخ، وبذلك انتقل البحث في أصل القانون من سلطة النقل في النص اللاهوتي إلى سلطة العقل في الإنسان .

وقال د. حماد: إن البحث في علاقة القانون بالحرية والعدالة جاءت من حيث أن الحرية هي القيمة الكبرى التي يدافع عنها الفيلسوف، والبحث في ما إذا كان القانون يعبّر عن مصالح طبقة معينة أم عن مصالح الجميع؛ مشيراً إلى نقد الفلاسفة في هذا الجانب مثل الفرنسي جان جاك روسو الذي ابتدع فكرة أن القانون اخترعه الأغنياء ليحميهم من الضعفاء. والفكرة الفلسفية التي ترى أن الأنظمة الليبرالية تعطي حرية لرأس المال الذي يتحكم بالسلطة، مما يجعل القانون خادماً لرأس المال . وأشار إلى التناقض بين الفلسفة التي تنطلق بلا حدود، والقانون الذي يرتبط بقاعدة ما .   

وأوضحت المحامية والمستشارة القانونية في وزارة التخطيط اليمنية الأستاذة شذى ناصر أن فلسفة القانون تتناول أسئلة حول ماهية القانون والعدالة والعلاقة بينهما، وهل القانون غير العادل يعتبر قانوناً؟ وكيفية تشكّل القانون؛ مشيرةً إلى آراء بعض الفلاسفة مثل هيجل في كتابه “مبادىء فلسفة القانون”، وقالت : إن نظرية القانون تبحث في العقلاني الموضوعي، بينما فلسفة القانون تبحث عن الحالة الوجودية من منطلق ميتافيزيقي وهي جزء من الفلسفة وليست من القانون، وليس هناك من توافق في تعريفهما .

وركز محامي الاستئناف الأستاذ مصعب رعد من لبنان على العلاقة التلازمية بين الفلسفة والقانون من حيث أن النظام العام يمثل فكرة فلسفية أصلاً، وأن معايير الآداب العامة مثلاً تختلف بين المجتمعات تبعاً لفلسفة هذه المجتمعات تجاه حرية الأفراد . وقال : إن القانون باعتباره قاعدة تقويمية وليست تقريرية يقوم على فكرة ماذا ينبغي أن يقوم عليه الواقع أي على التصور القبلي، فالمشرع يضع القاعدة المنبثقة من فكرة فلسفية عن نظرية الحق، ويأتي المفهوم العملي الإجرائي للقانون من خلال وجود مشكلة ووجود حلّ، ما يعني أن القانون يتطور عبر الأزمات .

وقال المحامي رعد : لا يمكن الفصل بين الرؤية الكليّة للإنسان والكون والحياة وبين القواعد القانونية، وأن فلسفة القانون تتجلى في القواعد الدستورية التي تمثل فلسفة الدولة ورؤية الإنسان للحرية في إطار مصادر التشريع، وكيفية الحكم، والإطار العام للحريات ومرجعها .

وأشار أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية د. ليث نصراوين إلى أهمية فلسفة القانون من ناحيتين: الأولى الأهمية التعليمية للطالب والباحث والقانوني في مساعدته على إدراك الفكرة الشمولية من وجود القانون؛ بمعنى الأسباب الموجبة للتشريع . والأهمية الثانية في المساعدة على تعرف طبيعة الأشياء، فمهما كان التعامل مع القضايا والمشكلات التي يبرزها القانون، فإن هنالك حالات لا يكون القانون قادراً على تبريرها أو التعامل معها مما يتطلب الخروج على جمود القاعدة القانونية والانطلاق إلى فلسفة القانون .

كما أشار د. نصراوين إلى دور الفلسفة في تفسير القانون وتحديد آثار تطبيقه، مع الأخذ بالاعتبار الخشية من وسم القاعدة القانونية من ناحية فلسفية بتفسير يعطي بعداً أو طابعاً إيديولوجياً ينسجم مع أفكار المفسِّر أو الفيلسوف الذي يسقط أفكاره ومبادئه على تلك القاعدة. واعتبر أن العلاقة بين القانون والفلسفة هي علاقة نقدية وليست تكاملية، كون القانون ينطلق من وضعية ما ليتوصل إلى شيء موجود ويتقيد بحدوده، بينما الفلسفة تنطلق مما هو موجود لتتوصل إلى معرفة القانون وأحياناً قد تشكك بوجوده .

وتناول أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية د. توفيق شومر في مداخلته دور السلطة في تحديد القانون، وأوضح أن فلسفة القانون لا تبحث في القوانين العملية والإجراءات وإنما تبحث في الجذور التي أنتجت قواعد قانونية معينة؛ مشيراً إلى أن الظواهر القانونية هي ظواهر اجتماعية ترتبط بشكل مباشر بالمفاهيم الفلسفية، وأن النظرة إلى ظاهرة القانون وفلسفته تنبع من حاجات المجتمع، ومن ارتباط السلطة بالقانون .

وقال د. شومر: إن العدل ينطلق ممن وضع القانون فهو الذي يحدد ما هو الحق وما هو غير الحق. وأوضح أن الظاهرة الإيديولوجية تتشكل بنيوياً داخل النصّ القانوني، رغم أن هنالك اختلافات بين تفاعلات الواقع والنصوص التي لا يشكل بعضها أكثر من شعار مثل مقولة “الشعب مصدر السلطات” . ودعا د. شومر إلى إعادة تعريف بعض المصطلحات قانونياً، مثل مصطلح “الإرهاب” الذي شمل في كثير من التعريفات الدولية مَن يتعرضون للاضطهاد؛ رغم أن تحقيق الحياد التام في القانون قد يكون صعباً جداً .