تهديكم أورنج الأردن، بالتعاون مع وزارة الثقافة، أغنية

مُؤَلَّفٌ ثَمِينْ .. لِمُؤَلِفٍ رَصِينْ

صراحة الاردنية
2020-09-11T20:06:31+03:00
أقلام
11 سبتمبر 2020
البنك التجاري الأردني
img 20200828 wa00208791391091298620334 - صراحة نيوز - SarahaNews

صراحة نيوز بقلم عوض ضيف الله الملاحمه

ما هذا الثراء !؟ ما هذا العطاء !؟ يا ليتنا نقرأ ، ونتدبر ما يجود به مفكرونا ، يثرون المكتبات ، ويطرحون المشكلات والحلول ، ويجسدون الإختلالات ، ويضيئون على السلبيات كما الايجابيات . الحقيقية الأكيدة ان الاهتمام العربي عامة والأردني خاصة في البحث العلمي والتأليف والكتابة ضعيف جداً ، خاصة اذا ما قورن بدول الغرب المُتحضر ، اما المقارنة مع اهتمام العدو الصهيوني بالبحث العلمي والتأليف لإثراء المكتبات والحث على القراءة والاطلاع فانها شيء مُخزٍ بالنسبة لنا .

ومع كل هذا التشاؤم هذا لا يعني ان المكتبة العربية عامة والاردنية خاصة فارغة ، او خاوية ، بل ان المُفرح ان هناك عقولاً نيّرة ، تنتج الدسِم والثمين والقيّم ، ومما يزيد من تقدير عطاءهم انها تتم بجهود فردية دون اية رعاية رسمية . وهنا آتي الى موضوع المقال : حيث أهداني صديقي المحترم معالي البروفيسور المهندس / ابراهيم بدران ، مؤلفه الأخير ، الذي صدر حديثاً بعنوان (( الدولة العربية .. من السُلطوية .. الى الحداثة )) ، هذا المؤلَف الذي يبدو قيّما من عنوانه ، سبقه ( ٢٥ ) مؤلفاً ثميناً ، بالاضافة الى انتاجه الغزير لعشرات الدراسات والتقارير والأبحاث العلمية المتخصصة في مجالات الهندسة والطاقة والتكنولوجيا والتعليم . ولمعرفة قيمة مؤلفاته الأخرى أورد لكم بعض العناوين (( الدولة والديموقراطية والمجتمع / الريادية والإبداع في إدارة المشاريع / الهندسة والمهندس : المفاهيم والأساسيات / النهضة وصراع البقاء / خطاب العلم والتقدم / الطاقة النووية وحادثة تشرنوبل / التاريخ والتقدم في الوطن العربي / دراسات في العقلية العربية / قراءات في المسيرة الاقتصادية الوطنية / قراءات في المسألة الإسرائيلية .. الخ )) . بالله عليكم : اذا كانت هذه هي العناوين فكيف يكون المحتوى !؟

البنك الأهلي الأردني

المشكلة الكبيرة التي واجهتني عند قراءة مؤلفه الأخير بعنوان (( الدولة العربية .. من السلطوية .. الى الحداثة )) ، تتمثل في غزارة المحتوى ، فما ان اقرأ فصلاً ، وأود الإستنباط والتلخيص ، إلاّ واجد صراعاً داخلياً يكتنفني في التفضيل بين الأفكار التي توصلت اليها وأود الإضاءة عليها . حيث وجدت رصانة وعُمقاً ، وكل جملة وكأنها تتنافس بالقوة مع الأخرى . ولم أجد حلاً الا بالتطواف العام واختزال بعض الأفكار والعناوين ، في عملية تشبه قطف وُريداتٍ من حديقة غنّاء .

تطرق المؤلِف الى بُعد المنطقة العربية عن الإستقرار ، لتبعيتها وإعتمادها على دول عدوة وطامعة ، وها هم يُثخِنون الجراح في الوطن العربي ، تقتيلاً وتمزيقاً ونهباً ، ويُركِّزون على ان لا تكون هناك دولة عربية تتمتع بالديموقراطية، لإبقائنا مُتخلفين . كما أشار الى عامل مهم يتمثل بان الدول العربية تختلف في كل شيء ، لكنها تلتقي جميعاً على نهج السلطة الفردية والحكم الشمولي الديكتاتوري . وتطرق الى نشوء العديد من الدول ، وكيفية تطورها ، وتقلبها بين الاستعمار والاستقلال ، والظهور والاختفاء ، والاندماج والانفصال ، واستمرت في حركة دائمة للمجتمع عبر التاريخ والجغرافيا والبيئة ، وعبر تغير القوانين والتشريعات ، وبالدرجة نفسها عبر تغير إمكانات السلطة الحاكمة والقوة المسيطرة ، الى ان وصلت الانسانية الى مفهوم الدولة الحديثة ( Modern State ) .

وصل المؤلِف الى الثورة الصناعية ، ومتطلباتها ، من تعليم وعلم ، وتكنولوجيا ، إضافة الى الإبداع الذي يُعتبر ضرورة مجتمعية ومطلباً اقتصادياً أساسياً كمدخلٍ للتميز . وعندما تطرق الى الإنفاق على التعليم ، أورد جداول تُبين إنفاق العديد من دول العالم على التعليم ، وَجدتُ ان إنفاق الدول العربية عامة والأردن خاصة هزيل لا يستحق الذكر ، بإستثناء دول مجلس التعاون الخليجي . أما ما أخجلني ، فهو الإنفاق على البحث العلمي والتطوير ، لكم ان تتخيلوا ان حصة الفرد من الانفاق على البحث العلمي في امريكا (١٤٤٢ ) دولاراً / للفرد ، والعدو الصهيوني ( ١٣٦١ ) دولار / للفرد ، بينما الاردن ( ٧٦ ) دولاراً للفرد ، وأجزِمُ انا شخصياً ان اغلبها تذهب الى تنفيعات على ابحاث هزيلة . كما افرد فصلاً خاصاً عن : التسامح والمفاهيم والطبيعة ، والتسامح مع الذات والتاريخ ، واطلاق طاقات المجتمع والإبداع .. الخ . وأفرد مقولة الى / البرت آينشتاين ، تقول (( إن القوانين وحدها لا تضمن حرية التعبير ، وحتى يتمكن كل شخص من عرض افكاره دون خوف من العقوبة ، ينبغي ان تعم روح التسامح في المجتمع بكامله )) . وأنا أضيف الى قول آينشتاين : اذا لم تكن القوانين حبراً على ورق ، ولا يكون الهدف منها مُغازلة الغرب ، بينما في الواقع يتمركز القهر عند المواطن ، والعُهر عند السُلطة .

اختلف مع الدكتور ابراهيم في نقطة واحدة وحيدة وهي : اننا مازلنا نعيش السلطوية ، وليس هناك مؤشرات حقيقية يمكن ان تنقلنا الى الحداثة . لان السلطوية ما زالت متجذرة ومترسخة وتتمركز وتظهر بوجوه واشكال متعددة في ظل الاحتراف بادعاء إنتهاج الحداثة .

أعلاه ، قراءة في كتاب قيم وثمين ، من انتاج مُؤلِف رصين ، يُدقِق في المصطلح ، ويَركُن الى الأرقام لإستخلاص الإستنتاجات ، وكشْف الإختلالات ، يربط الماضي بالحاضر دون ان ينسى القاء نظرة مستقبلية فاحصة لمتطلبات النهوض وبناء المستقبل ، لأنه مُفكر لا يحبذ الجلوس على الاطلال ، والتغني بأمجاد زمانٍ مضى وإندثر . مفكرنا ابن الحياة المتجددة ، المتطورة ، الراقية ، الرانية للمستقبل ، الناهضة على أسس ، المستثمِرة في الإنسان ، المُطوِرة للقُدرات والإمكانات . إنه نموذج من المفكرين الذين نحتاجهم بشدة اليوم للخروج من غياهب الجُبِّ والجَهلِ .