صراحة نيوز – كتب أ.د. محمد الفرجات
في الآونة الأخيرة، انفلتت في الأردن ظاهرة اللقاءات الإعلامية مع شخصيات كانت قد تسلّمت مواقع رفيعة في الدولة، بعضهم ممن غلب عليهم التقدّم في السن إلى حدٍّ يجعلهم عرضة لخلط الوقائع أو الانزلاق في إفصاحات غير مرغوبة. لقاءات تُبثّ على منصات تحمل مسمّى “بودكاست”، لكن ما يُطرح فيها في كثير من الأحيان لا يمتّ لفلسفة البودكاست الحقيقية بصلة. فنسمع سرداً لذكريات شخصية أو روايات مثيرة، تُدهش الشارع حيناً وتزيد إحباطه واحتقانه أحياناً كثيرة، وتفتح أبواباً على نقاشات جانبية في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى إغلاق تلك الأبواب والتركيز على ما هو أهم وأخطر.
البلد يمرّ بمرحلة تاريخية دقيقة، حيث تتشابك التهديدات الجيوسياسية التي فرضتها تبعات حرب غزة وتطورات المشهد السوري جنوباً، مع أزمات داخلية متراكمة وخطيرة؛ شحّ مائي آخذ في الاستفحال، بطالة وفقر ينهشان في جسد المجتمع، قطاعات اقتصادية جامدة، وتنامٍ مقلق في الظواهر الاجتماعية العنيفة كالجريمة المنظمة وجرائم القتل. في مثل هذه الظروف، نحن بحاجة إلى رصّ الصفوف وتصليب الجبهة الداخلية، لا إلى مزيد من التشويش أو هزّ الثقة العامة عبر معلومات مفاجئة أو تصريحات ارتجالية تصدر عن رموز كان يُفترض أن تبقى رمزية وهادئة، لا أن تتحول إلى أدوات لإثارة البلبلة أو مادة لتسلية عابرة.
إن المعنى الحقيقي للبودكاست ليس في استضافة أي شخصية مرّت في واجهة المشهد العام، ولا في البحث عن “حكايات طريفة” أو “فضائح مكتومة” لجذب نسب مشاهدة أعلى. جوهر البودكاست أن يكون منصة تفكير عميق وتشخيص علمي وعملي لقضايا وتحديات راهنة، يطرحها ضيوف مؤهلون بخلفيتهم وخبراتهم وقدرتهم على الإقناع وتقديم الحلول الواقعية القابلة للتطبيق. بودكاست حقيقي يعني لقاءً هادفاً، عنوانه واضح، محاوره مرتبة، وضيفه يعرف عمّا يتحدث ويُدرك خطورة الكلمة في ظرف استثنائي كالذي نعيشه.
نحن بحاجة إلى أن نعيد توجيه البوصلة، وأن نمنح هؤلاء “فرسان الماضي” فرصة النزول عن خيولهم بهدوء وكرامة، ليتركوا المجال لأصوات جديدة تملك زاداً معرفياً وخبرة متجددة ومقاربة عصرية للتحديات. لا أحد ينكر فضلهم أو أدوارهم السابقة، لكن المرحلة الراهنة تحتاج أدوات جديدة ولغة مختلفة ومنصات واعية تدرك أنّ البودكاست ليس مسرحاً للاستعراض ولا مساحة لتصفية الحسابات، بل أداة للتشخيص والتعبئة والبناء.
وإن كان لا بد من إستضافتهم، فليكن اللقاء لتوجيه خلاصة خبراتهم وأفكارهم لخدمة قضية وطنية، وتعزيز ثباتية فكرية وطنية تثبت بوصلتنا، لا تجعلها تدور بنا 360 درجة ولا تستقر بنا بعدها على إتجاه.
ليكن البودكاست وسيلة لحوار مسؤول، يعكس وعياً بالمرحلة وحساسيتها، ويستند إلى فهمٍ عميق لحاجات المجتمع وأولوياته. فالأردني اليوم بحاجة إلى خطاب يُطمئنه ويحفّزه، لا إلى روايات تُربكه أو تجعله أكثر يأساً. ومن هنا، فإن مسؤولية القائمين على هذه المنصات أكبر من مجرد إنتاج محتوى جاذب، بل هي مسؤولية وطنية بامتياز، تقتضي إدراك أنّ لكل كلمة أثرها، ولكل ضيف رسالته، ولكل لقاء توقيته ومغزاه.
تمنيت لو خصصت بعض الحلقات مع فرساننا للرد على تصريحات العجوز الخرف النتن، وحلمه الذي فحواه (نريد إحتلال أرضكم).
ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف معنى أن تكون المنصة مسؤولة، وأن نطالب بتقويم هذا المسار قبل أن تتحول هذه اللقاءات إلى عبء جديد على الدولة والمجتمع، بدلاً من أن تكون أداة للنهوض بالوعي الجمعي والتعبئة الإيجابية. فالأردن في هذه اللحظة الفارقة بحاجة إلى صوت عاقل، وإلى مساحات حوار تحاكي المستقبل لا الماضي، وتبحث عن الحلول لا عن الإثارة.