صراحة نيوز- أ.د. أحمد منصور الخصاونة
في الشهور القليلة الماضية ، تطالعنا الاخبار بترأس سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، اجتماعات المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة من مسيرة الأردن لا يمكن أن تُبنى إلا على أسس الابتكار والتحول الرقمي. فقد شدّد سموه على ضرورة تسخير الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة الخدمات الحكومية وتطوير آلياتها، مشيرًا إلى أن إدارة البيانات هي الركيزة الأساسية التي تمكّن المؤسسات من رفع الكفاءة وتسهيل وصول الخدمات للمواطنين. كما دعا إلى توسيع نطاق مركز الصحة الرقمية الأردني وربطه بالمزيد من المستشفيات والمراكز الصحية، بما يضمن مواكبة الأردن للثورات التقنية في قطاع حيوي كالصحة. هذا التوجه لم يكن مجرد خطاب، بل امتداد طبيعي لرؤية واضحة تتبنى بناء دولة عصرية قادرة على المنافسة، وترتكز على الاقتصاد الرقمي والمعرفة.
إنّ الإعلام، في منظور سمو ولي العهد، ليس مجرد ناقل للأخبار أو أداة للتواصل، بل رافد أساسي من روافد النهضة الرقمية. لذلك جاء تأكيده على تحديث مناهج كليات الإعلام لتشمل مجالات الصحافة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وإنتاج المحتوى التفاعلي، بحيث يصبح الإعلام الوطني منصة لتشخيص الواقع وصياغة خطاب يواكب العصر. ومن خلال هذا التوجه، يتحول الإعلام إلى أداة للتنمية المستدامة، ودعامة لبناء الاقتصاد المعرفي، بما يضمن تفاعلًا متوازنًا بين المؤسسات الإعلامية والجمهور، قائم على المهنية والمسؤولية الاجتماعية.
ويمثل الشباب في هذه الرؤية حجر الزاوية وعمود المستقبل. فقد اعتبر سموه أن الثروة الحقيقية للأردن لا تكمن في موارده الطبيعية المحدودة، بل في طاقاته البشرية المبدعة. ولهذا أطلق مبادرات مثل منصة «نحن» للعمل التطوعي، ومسابقات الابتكار، ومراكز الحاضنة الريادية، وأسس «مجلس تكنولوجيا المستقبل» ليكون فضاءً جامعًا للعقول الشابة الطامحة إلى الإبداع في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. وفي منتدى “تواصل 2025” وغيره من المناسبات الوطنية، كان خطابه دائمًا موجّهًا نحو الشباب باعتبارهم شركاء فاعلين في صنع القرار، وليسوا مجرد متلقّين للسياسات. هذه المقاربة العصرية تعكس إيمانًا راسخًا بأن الاستثمار في الإنسان هو المدخل الحقيقي لأي نهضة.
أما في الجانب الاقتصادي، فقد أظهر سموه حرصًا كبيرًا على تهيئة بيئة اقتصادية متطورة، تعزز فرص العمل وتواكب رؤية التحديث الاقتصادي. ففي اجتماعاته الحكومية دعا إلى تطوير قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالشراكة مع القطاع الخاص، وإلى وضع خارطة طريق واضحة للاستثمار والإصلاح الإداري، بما يزيل المعوقات أمام القطاع الخاص ويفعل الدور الاقتصادي للدبلوماسية الأردنية. وبهذا يصبح الاقتصاد الأردني أكثر قدرة على مواجهة التحديات العالمية، وأكثر انفتاحًا على الفرص الإقليمية والدولية.
وتبقى التربية الوطنية والانضباط من ثوابت رؤيته. فقد أكد سموه أن خدمة العلم تمثل إحدى الركائز الأساسية لإعداد الشباب لمستقبل يواجه فيه الأردن تحديات داخلية وخارجية متزايدة. الانضباط والمشاركة الوطنية ليستا مجرد شعارات، بل جزء من منظومة تُعزز التماسك المجتمعي، وتغرس قيم المسؤولية والانتماء لدى الأجيال الصاعدة. بهذا الإطار، يُعاد تعريف الهوية الوطنية بما يربط بين القيم الأردنية الأصيلة ومتطلبات الحداثة.
وفي أسلوب القيادة، يبرز سمو ولي العهد نموذج القائد القريب من الناس، الذي لا يتعامل معهم من وراء جدران المؤسسات، بل من الميدان مباشرة. فحضوره للمباريات الرياضية، وتفاعله مع الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتقديره لمختلف فئات المجتمع، تعكس جميعها صورة قائد يرى في الرياضة والمدارس الوطنية مساحات لترسيخ القيم والروح الجماعية. هذا القرب من الناس له تأثير معنوي كبير، ويمنح الأردنيين شعورًا بالثقة والانتماء.
إن ما يميز رؤية سمو ولي العهد أنها لا تقف عند حدود الشعارات أو الوعود العاطفية، بل تنبثق منها خارطة طريق عملية، تتشابك فيها المجالات الحيوية لتصوغ مشروعًا وطنيًا متكاملًا. فهي رؤية ترى في الإعلام الرقمي مرآة العصر وأداة للتنمية، قادرة على تجاوز حدود النقل التقليدي للخبر إلى فضاءٍ يشارك في صياغة الوعي وتوجيه مسارات التقدم. وهي أيضًا رؤية تجعل من الشباب عماد البناء، إذ تزودهم بالمعرفة والتقنية وتفتح أمامهم مساحات الإبداع والابتكار ليكونوا شركاء فاعلين لا متفرجين في مسيرة الوطن.
كما أنها رؤية اقتصادية طموحة، تؤمن بأن التكنولوجيا والمعرفة ليستا مجرد أدوات مساعدة، بل أساس لاقتصاد حديث ينفتح على الاستثمارات ويعزز حضور الأردن في المشهد الإقليمي والدولي. وإلى جانب ذلك، تتجذر في هذه الرؤية منظومة قيم وطنية راسخة، تربي الأجيال على الانضباط والمسؤولية والانتماء، فتجمع بين صلابة الهوية ومرونة الانفتاح على العالم.
وفي قلب هذه الرؤية تقف القيادة الميدانية القريبة من الناس، حيث يجتمع البعد الإنساني مع الرؤية الاستراتيجية. فسموه يختار أن يكون بين أبناء وطنه، حاضرًا بينهم، يستمع إليهم ويشاركهم تطلعاتهم، ليؤكد أن القيادة الحقيقية لا تُمارَس من وراء المكاتب، بل تُبنى في ميادين الحياة اليومية.
وبهذه العناصر مجتمعة، ترتسم ملامح مستقبل أردني متوازن، يستند إلى التكنولوجيا كقوة دافعة، وإلى الشباب كطاقة منتجة، وإلى القيم الوطنية كأساس للاستقرار. إنها رؤية تنسج خيوط النهضة القادمة، حيث يلتقي الإبداع بالانتماء، وتتكامل التقنية مع القيم، في مسيرة تقود الأردن نحو مرحلة جديدة من الازدهار، تليق بتاريخه العريق، وتمنح أبناءه الأمل بمستقبل أكثر إشراقًا.